البيان/متابعات: في مشهدٍ يتجاوز كونه حادثة اقتحام عابرة، أدّت مجموعات من المستوطنين، طقوساً تلمودية عُرفت بـ"السجود الملحمي" داخل باحات المسجد الأقصى، وتحديداً قبالة قبة الصخرة، تحت حماية مشددة من الشرطة الصهيونية التي أحكمت انتشارها في ساحات الحرم ومنعت المصلين الفلسطينيين من الاقتراب. الحدث، الذي قد يبدو في ظاهره ممارسة دينية، يحمل في جوهره دلالات أعمق تتصل بمسار متدرج لإعادة تشكيل الواقع الديني والسيادي داخل القدس، في إطار مشروع تهويدي طويل الأمد.
"السجود الملحمي" هو طقس يهودي الهدف من تأديته التعبير الصريح عن "استعادة السيادة" على ما يُسمّى بـ"جبل الهيكل". وفي السنوات الأخيرة، تحوّلت الاقتحامات من زيارات ذات طابع استفزازي إلى ممارسات طقسية منظمة، تُؤدى بشكل جماعي، وتُرافق أحياناً بالنفخ في البوق وتلاوة نصوص تلمودية، في محاولة لفرض حضور ديني دائم داخل الأقصى، بما يتجاوز القيود التي كان يفرضها "الوضع القائم".
وتعكس الأرقام المتداولة في المصادر الفلسطينية والعبرية هذا التحول بوضوح؛ إذ لم تعد الاقتحامات محدودة العدد أو التوقيت، بل شهدت تصاعداً لافتاً، حيث تُسجل مئات حالات الاقتحام في أيام دينية محددة، وآلاف المقتحمين خلال مواسم سنوية، إلى جانب إصدار مئات قرارات الإبعاد بحق الفلسطينيين عن الأقصى في فترات زمنية قصيرة. ووفق توصيف دوائر الأوقاف الإسلامية، فإن ما يجري هو "محاولة ممنهجة لفرض واقع جديد بالقوة"، بينما تشير قراءات صادرة عن مراكز بحثية فلسطينية إلى أن الاحتلال "انتقل من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل المكان ديموغرافياً ودينياً".
في هذا السياق، لا يمكن فصل هذه الممارسات عن استراتيجية أوسع تقوم على مرحلتين متداخلتين: الأولى هي التقسيم الزماني، الذي بات واقعاً فعلياً من خلال تخصيص ساعات طويلة يومياً لاقتحامات المستوطنين، مع تفريغ الساحات من المصلين بالقوة؛ والثانية هي التقسيم المكاني، الذي يُعد الهدف النهائي، عبر تخصيص أجزاء ثابتة داخل الأقصى للطقوس اليهودية، على غرار النموذج المفروض في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل. ويُنظر إلى تكثيف طقوس مثل "السجود الملحمي" كخطوة تمهيدية في هذا المسار، تهدف إلى كسر المحظورات التاريخية وتطبيع الوجود الطقسي داخل الحرم.
أما الفاعلون الرئيسيون في هذا المشهد، فهم جماعات "جبل الهيكل" التي انتقلت من هامش الحياة السياسية إلى قلبها، مستفيدة من صعود التيارات الدينية القومية داخل المشهد الصهيوني. هذه الجماعات التي تضم منظمات مثل "أمناء جبل الهيكل" و"اتحاد منظمات الهيكل" باتت تضغط بشكل علني لفرض الصلاة اليهودية الكاملة في الأقصى، وتعتبر أن "السيادة الصهيونية لا تكتمل دون ذلك"، وهي عبارة تتكرر في الخطاب السياسي والديني على حد سواء، وتعكس تداخلاً متزايداً بين المشروعين العقائدي والسياسي.
ويستند هذا النشاط إلى شبكات تمويل واسعة، تمتد من داخل الكيان الصهيوني إلى خارجه، حيث تعتمد هذه الجماعات على تبرعات من منظمات يهودية في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب دعم غير مباشر توفره المؤسسات الرسمية عبر الحماية الأمنية وتسهيل الوصول إلى الحرم. وتشير تقارير بحثية عبرية إلى أن هذه المنظمات تنجح في جمع ملايين الدولارات سنوياً، تُوظف في دعم برامج "الهيكل" التي تشمل الاقتحامات، والتدريب، والنشاطات التي تستهدف إعادة تشكيل الوعي اليهودي الديني والسياسي تجاه الأقصى.
وبينما تصف فعاليات مقدسية ما يجري بأنه "تصعيد استفزازي وخطير"، يرى مراقبون أن المسألة لم تعد تتعلق بسلوك مجموعات متطرفة فحسب، بل بسياسة تتدرج في أهدافها، وتختبر حدود ردود الفعل، وتسعى إلى فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً. وفي هذا الإطار، يغدو "السجود الملحمي" أكثر من مجرد طقس ديني؛ إنه إعلان رمزي عن انتقال المشروع التهويدي من مرحلة الاقتحام إلى مرحلة إعادة التأسيس، حيث لا يُستهدف المكان فقط، بل يُعاد تعريفه ضمن سردية جديدة، عنوانها فرض السيادة الصهيونية الكاملة على أحد أكثر المواقع أهمية في العالم الإسلامي.