• - الموافق2026/02/28م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تصدع جدار العمق الاستراتيجي..  مواجهة مفتوحة بين باكستان وطالبان

لم يكن دويّ الانفجارات الذي هزّ المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان ليل أمس مجرد تصعيد أمني عابر، بل لحظة كشفت مدى اقتراب البلدين من أخطر مواجهة مباشرة بينهما منذ عودة طالبان إلى الحكم. فبحسب بيانات عسكرية وتصريحات رسمية متقاطعة

البيان/متابعات: لم يكن دويّ الانفجارات الذي هزّ المناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان ليل أمس مجرد تصعيد أمني عابر، بل لحظة كشفت مدى اقتراب البلدين من أخطر مواجهة مباشرة بينهما منذ عودة طالبان إلى الحكم. فبحسب بيانات عسكرية وتصريحات رسمية متقاطعة، أسفرت الضربات الجوية الباكستانية التي استهدفت مواقع داخل ولايتي خوست وكنر الأفغانيتين عن سقوط عدد من القتلى، بينهم عناصر مسلحة ومدنيون، فيما أعلنت السلطات الأفغانية مقتل وإصابة ما لا يقل عن عشرين شخصًا نتيجة القصف الليلي. وفي المقابل، أكدت مصادر أمنية في إسلام آباد مقتل عدد من الجنود الباكستانيين وإصابة آخرين إثر قصف مدفعي وهجمات حدودية مضادة نُسبت إلى قوات تابعة لحكومة طالبان استهدفت نقاطًا عسكرية على طول خط الحدود المتنازع عليه.

هذه الخسائر المتبادلة، التي وقعت خلال ساعات قليلة فقط، دفعت مسؤولين أمنيين غربيين إلى اعتبار أن المواجهة تجاوزت مستوى "الردود المحدودة" ودخلت عمليًا مرحلة الاشتباك المباشر منخفض الحدة بين دولتين مسلحتين بقوات كبيرة على واحدة من أكثر الحدود اضطرابًا في العالم. ومع إغلاق معابر رئيسية خلال الليل وتعليق الحركة التجارية بالكامل، بدا أن الأزمة لم تعد تتعلق بضربة انتقامية أو حادث أمني منفرد، بل بانهيار متسارع لقواعد الاشتباك غير المعلنة التي حافظت على قدر من الاستقرار الهش بين كابل وإسلام آباد طوال السنوات الماضية.

ومع بزوغ فجر اليوم، لم تعد الأسئلة تدور حول طبيعة الضربة الأخيرة، بل حول ما إذا كانت جنوب آسيا تشهد بداية تفكك التوازن الأمني الذي نشأ بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، خصوصًا في ظل تحذيرات من أن وتيرة التصعيد الحالية تحمل سمات صراع استنزاف طويل أكثر من كونها مواجهة عابرة.

مع تصاعد الضربات الجوية الباكستانية داخل الأراضي الأفغانية خلال الأيام الأخيرة، بدا أن العلاقة بين إسلام آباد وكابل دخلت مرحلة تتجاوز نمط الاشتباكات الحدودية التقليدية التي طبعت علاقتهما منذ عقود. فالتصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، والتي أكد فيها أن بلاده"لن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية منصة لشن هجمات ضد الدولة الباكستانية"، عكست تحولًا واضحًا في الخطاب الرسمي من لغة الاحتواء إلى منطق الردع المباشر، وهو تحول وصفته تحليلات وكالة رويترز بأنه الأخطر منذ عودة طالبان إلى الحكم عام ٢٠٢١.

الرد الأفغاني جاء سريعًا عبر المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد الذي اعتبر الضربات الجوية "انتهاكًا صارخًا للسيادة الأفغانية"، مؤكدًا أن كابل لن تقبل تحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية. هذا التبادل في التصريحات لم يكن مجرد تصعيد دبلوماسي، بل مؤشرًا على انهيار تدريجي لأساس العلاقة التي بنتها باكستان تاريخيًا مع الحركة، حين اعتُبرت طالبان جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي الباكستاني.

تقارير مجموعة الأزمات الدولية التي صدرت بالتزامن مع التصعيد ربطت الأزمة الحالية بارتفاع غير مسبوق في هجمات جماعة تحريك طالبان باكستان داخل إقليم خيبر بختونخوا، مشيرة إلى أن المؤسسة الأمنية الباكستانية باتت ترى في عجز طالبان الأفغانية عن كبح الجماعة تهديدًا وجوديًا، وليس مجرد خلل أمني عابر. غير أن التحليل نفسه يشير إلى مفارقة أساسية، فطالبان، بعد وصولها إلى السلطة، تحولت من حركة تعتمد على الدعم الخارجي إلى سلطة تسعى لإثبات استقلالها السيادي، وهو ما يفسر رفضها الانصياع للضغوط الباكستانية رغم العلاقات التاريخية بين الطرفين.

في هذا السياق، بدأ عامل آخر يثير القلق داخل إسلام آباد، يتمثل في الانفتاح التدريجي بين كابل ونيودلهي. فبحسب دراسات صادرة عن مركز تشاتام هاوس البريطاني، أعادت الهند خلال العامين الماضيين بناء قنوات اتصال سياسية وإنسانية مع طالبان، وأعادت تشغيل بعثتها الفنية في العاصمة الأفغانية، في خطوة فسّرها محللون غربيون بأنها محاولة هندية لإنهاء الاحتكار الباكستاني التقليدي للتأثير داخل أفغانستان. ورغم غياب أدلة على دعم عسكري هندي مباشر، فإن مجرد التقارب السياسي يُنظر إليه داخل الجيش الباكستاني باعتباره تحولًا استراتيجيًا يهدد معادلة "العمق الاستراتيجي" التي حكمت التفكير الأمني الباكستاني منذ التسعينيات.

التطورات الخارجية تتقاطع مع هشاشة داخلية متزايدة في باكستان منذ إقصاء واعتقال رئيس الوزراء السابق عمران خان، وهي مرحلة تصفها تقديرات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بأنها أعادت مركز الثقل السياسي إلى المؤسسة العسكرية في ظل انقسام داخلي حاد وتراجع الثقة بالحكومة المدنية. ويرى محللون أن التصعيد الحدودي يمنح الجيش فرصة لإعادة صياغة الإجماع الوطني حول تهديد خارجي، وهو نمط تكرر تاريخيًا في لحظات الأزمات السياسية الباكستانية.

أما الولايات المتحدة، التي غادرت أفغانستان عسكريًا لكنها لم تغادر حسابات المنطقة، فتظهر وفق تحليلات معهد الشرق الأوسط في واشنطن كفاعل غير مباشر يسعى إلى منع انهيار أمني شامل دون الانخراط العلني. فواشنطن ما تزال تعتمد على التعاون الاستخباراتي مع إسلام آباد في ملفات مكافحة الإرهاب، بينما تحاول في الوقت ذاته تجنب الظهور كطرف داعم لعمليات عسكرية قد تزيد من عدم الاستقرار.

اقتصاديًا، تشير تقديرات نشرتها صحف دولية بينها واشنطن بوست إلى أن إغلاق المعابر الحدودية أدى إلى شلل شبه كامل في التجارة المحلية، ما فاقم الضغوط المعيشية في المناطق الحدودية التي تعتمد تاريخيًا على الاقتصاد غير الرسمي، وهو عامل يرى خبراء أمنيون أنه قد يوسع قاعدة التجنيد للجماعات المسلحة بدل تقليصها.

وعند جمع هذه العناصر، يتضح أن الأزمة الحالية لا يمكن تفسيرها كصراع ثنائي بسيط، بل كمرحلة انتقالية في بنية النظام الإقليمي لجنوب آسيا، حيث لم تعد التحالفات القديمة صالحة، ولم تعد الحدود تعكس خطوط النفوذ الفعلية. وما بدأ ليلًا كضربات جوية متبادلة قد يتحول تدريجيًا إلى صراع استنزاف طويل يعيد رسم موازين القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية نوويًا وسياسيًا.

 

أعلى