• - الموافق2026/02/28م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الأزمة الإيرانية تُعيد تشكيل الاصطفافات في منطقة المحيط الهادئ

لم تعد التطورات الداخلية في إيران تُقرأ بوصفها أزمة شرق أوسطية محصورة في نطاقها الجغرافي التقليدي، بل تحولت تدريجيًا إلى قضية ذات امتدادات استراتيجية داخل فضاء الهند-المحيط الهادئ

 

البيان/متابعات: لم تعد التطورات الداخلية في إيران تُقرأ بوصفها أزمة شرق أوسطية محصورة في نطاقها الجغرافي التقليدي، بل تحولت تدريجيًا إلى قضية ذات امتدادات استراتيجية داخل فضاء الهند-المحيط الهادئ، وهو ما يعكس تحوّلًا لافتًا في طبيعة التفاعل الدولي مع طهران، وفق تقدير موقف نشره مركز بيغن–السادات الصهيوني للدراسات الاستراتيجية.

ويشير التحليل إلى أن موقع إيران الجيوسياسي، المطل على أحد أهم شرايين الطاقة العالمية ممثلًا في مضيق هرمز، جعل أي اضطراب سياسي أو أمني داخلها عاملًا مؤثرًا مباشرة في اقتصادات آسيوية تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط والغاز، الأمر الذي نقل الأزمة الإيرانية من إطارها السياسي إلى دائرة الأمن الاقتصادي العالمي.

تعتمد دول رئيسية في منطقة آسيا-المحيط الهادئ، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند، بدرجات متفاوتة على استقرار تدفقات الطاقة القادمة من الخليج، ما يدفعها إلى تبني مواقف سياسية محسوبة تجاه طهران، تجمع بين الانتقاد الدبلوماسي وتجنب التصعيد المباشر.

وبحسب القراءة التحليلية، فإن ارتفاع احتمالات التوتر في محيط مضيق هرمز ينعكس سريعًا على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر الحذر الآسيوي في التعامل مع الأزمة، حيث تصبح الاعتبارات الاقتصادية محددًا رئيسيًا للخطاب السياسي.

يلفت التحليل إلى أن العقوبات والضغوط الاقتصادية الأمريكية تمثل عاملًا مركزيًا في تشكيل مواقف الدول الآسيوية، إذ تواجه هذه الدول معادلة معقدة بين الحفاظ على علاقاتها التجارية مع إيران وتجنب التعرض لإجراءات عقابية غربية.

وفي هذا السياق، تتحول الأزمة الإيرانية إلى اختبار لمدى استعداد القوى الاقتصادية المتوسطة لتحمل كلفة سياسية واقتصادية مقابل تبني مواقف أكثر صرامة تجاه طهران.

تبرز أستراليا وكوريا الجنوبية كنموذج لما يُعرف بـ"القوى المتوسطة"، حيث يمنح انتقادها للسياسات الإيرانية بعدًا دوليًا أوسع، نظرًا لابتعادها النسبي عن الاستقطاب التقليدي بين واشنطن وطهران.

ويشير التحليل إلى أن مواقف هذه الدول تضفي قدرًا أكبر من الشرعية الدولية على الانتقادات الموجهة لإيران، مقارنة بالمواقف الصادرة عن خصومها المباشرين، وهو ما يعزز تأثير الضغوط السياسية متعددة الأطراف.

في المقابل، تتبنى الهند نهجًا براغماتيًا واضحًا، إذ تنظر إلى إيران باعتبارها بوابة استراتيجية نحو آسيا الوسطى وممرًا تجاريًا حيويًا يتجاوز القيود الجغرافية التي تفرضها علاقاتها الإقليمية المعقدة.

أما اليابان، فتواصل اتباع سياسة التوازن، عبر دعم المواقف الدولية الداعية إلى الاستقرار دون الانخراط في خطوات قد تهدد أمن الطاقة أو مصالحها الاقتصادية طويلة المدى.

وتكشف القراءة الاستراتيجية أن أهمية إيران لم تعد مرتبطة فقط بملفاتها النووية أو الإقليمية، بل باتت جزءًا من شبكة أوسع من مشاريع الربط التجاري والممرات اللوجستية العابرة للقارات، بما في ذلك ممرات النقل بين آسيا وأوروبا.

وبذلك، فإن أي اضطراب داخل إيران لا يُنظر إليه كأزمة سياسية فحسب، بل كعامل محتمل لإرباك مشاريع اقتصادية دولية كبرى تعتمد على الاستقرار الجغرافي والبحري.

وتخلص التقديرات إلى أن التعامل الدولي مع إيران يعكس تحولًا أعمق في النظام العالمي، حيث لم تعد القيم السياسية وحدها محددًا للمواقف الدولية، بل أصبحت المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة عناصر حاكمة في صياغة السياسات الخارجية.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الأزمة الإيرانية مثالًا واضحًا على تداخل الجغرافيا السياسية بالاقتصاد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الأمن والاستقرار مع متطلبات التجارة والطاقة، ما يجعل أي تطور في طهران حدثًا ذا تأثير يتجاوز حدود المنطقة نحو النظام الدولي بأكمله.

 

أعلى