• - الموافق2026/02/01م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
كيف تعيد السياسة الأميركية إنتاج أزمات الخليج ؟!

في تقرير تحليلي أعده مراسل صحيفة القدس في واشنطن، سعيد عريقات، أكد أن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترمب على دول مجلس التعاون الخليجي لدعم عمل عسكري محتمل ضد إيران تكشف إصرارًا أميركيًا على مقاربة إقليمية أثبتت فشلها مرارًا،

البيان/القدس: في تقرير تحليلي أعده مراسل صحيفة القدس في واشنطن، سعيد عريقات، أكد أن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترمب على دول مجلس التعاون الخليجي لدعم عمل عسكري محتمل ضد إيران تكشف إصرارًا أميركيًا على مقاربة إقليمية أثبتت فشلها مرارًا، تركز تحويل التفوق العسكري إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية، بدلاً من قراءة التحولات العميقة في حسابات الحلفاء الخليجيين، تتعامل واشنطن مع المنطقة كأنها ساحة طيعة يمكن إدارتها بالردع القسري والضربات المحدودة. تستند هذه المقاربة إلى افتراض أن إيران تمر بلحظة ضعف بنيوي بعد الضربات التي استهدفتها في عام 2025، وأن استغلال هذه “النافذة الاستراتيجية” يسمح بتحقيق مكاسب قبل أن تعيد طهران ترميم قدراتها، إلا أن هذا التفكير يغفل قدرة الأطراف الإقليمية على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج أدوات الردع بوسائل أقل كلفة وأكثر مرونة.

زيارة وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، إلى واشنطن، مثّلت اختبارًا صريحًا للحدود الواقعية لنفوذ الولايات المتحدة على حلفائها. العروض الأميركية المتمثلة في ضمانات بعيدة المدى اصطدمت بسجل واشنطن في الالتزامات غير المكتملة، كما يبرز تاريخ هجوم “أرامكو” عام 2019، الذي كشف ضعف الاستجابة الأميركية حين تتعارض الأولويات الإستراتيجية مع تكلفة المواجهة المباشرة. بينما تعي دول الخليج أن التعامل مع إيران لم يعد ممكنًا من منظور الصدام الصفري، بعد سنوات من الاستنزاف الإقليمي، فقد توصلت هذه الدول إلى معادلة توازن عملي تسمح بإدارة الخلاف مع طهران دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الحفاظ على أمن الطاقة وضبط ساحات الاشتباك غير المباشر، لا سيما في اليمن والممرات البحرية. هذا التوازن العملي يعكس استقلالية أكبر في القرار، ويضع واشنطن أمام حقيقة أن الحلفاء لن يصطفوا تلقائيًا خلف أي خيار عسكري، خصوصًا إذا لم يكونوا شركاء في صياغته.

تواصل الولايات المتحدة الاستثمار في القوة العسكرية كبديل عن الاستراتيجية السياسية. فالحشود العسكرية، من حاملات الطائرات إلى منظومات الدفاع الجوي، تمنح واشنطن قدرة تنفيذية عالية، لكنها لا توفر إجابات عن ما بعد الضربة، بل تعمّق المخاطر على دول الخليج التي قد تجد نفسها أول من يدفع ثمن أي صراع محتمل لم تشارك في اتخاذ قراره . إيران بدورها تستغل هذا التناقض من خلال المناورات العسكرية في مضيق هرمز واستخدام وكلائها في البحر الأحمر، لإيصال رسالة ردع واضحة مفادها أن أي ضربة أميركية لن تحقق “نهاية نظيفة”، بل ستؤدي إلى عدم استقرار طويل الأمد.

تكمن خطورة النهج الأميركي في افتراض إمكانية التحكم في التصعيد وكأن المنطقة لم تختبر من قبل منطق الانزلاق غير المقصود، كما حدث في العراق وأفغانستان. كما أن افتراض التزام الحلفاء الخليجيين بالخيارات العسكرية دون إشراكهم في صياغة القرار يمثل إضعافًا لإمكاناتهم واستقلاليتهم الاستراتيجية. هذا النهج يعيد إنتاج أزمات مماثلة لتلك التي شهدتها المنطقة سابقًا، ويزيد احتمالات الانزلاق نحو تصعيد طويل وغير متحكم فيه، في حين يختلف تعريف الأمن الأميركي عن تعريف دول الخليج، التي تربطه بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي واستدامة الدولة.

إن المقاربة الأميركية القائمة على القوة العسكرية، مع تجاهل الإدارة السياسية للتوازنات الإقليمية، تواجه تحديات هيكلية، أهمها استمرار تفاقم عدم الثقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين، واحتمال تآكل النفوذ الأميركي تدريجيًا نتيجة استقلالية الحلفاء مع تفاقم الأزمات الإقليمية بدل حلها، وتعزيز قدرة إيران على إدارة الردع النفسي والسياسي وتحويل أي تصعيد إلى أداة استراتيجية طويلة المدى . ومن هذا المنظور، يصبح الرفض الخليجي للحرب ليس موقفًا دفاعيًا فحسب، بل قراءة واقعية لتعقيدات الصراع، تعكس قدرة دول المنطقة على إدارة مصالحها الذاتية ضمن حدودها الإستراتيجية.

يخلص هذا التحليل إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران تعكس عقلية قصيرة المدى، تقوم على اختبارات القوة العسكرية على حساب الحلول السياسية والاستثمار في إدارة التوازنات مع الحلفاء المحليين. ويخلص التقرير إلى أن الإصرار على “الضربة الحاسمة” يغفل تعقيدات المنطقة وقدرة الحلفاء على صياغة خيارات مستقلة، ويجعل هذه المقاربة محفوفة بخطر إعادة إنتاج أزمات الخليج، مع استمرار احتمال الانزلاق نحو التصعيد غير المنضبط، وتآكل النفوذ الأميركي في منطقة حساسة للغاية. بينما تختزل واشنطن الأمن في إضعاف الخصم عسكريًا، تعتبر دول الخليج الأمن مسألة استقرار شامل يشمل الاقتصاد والسياسة والمجتمع، ما يبرز محدودية المقاربة الأميركية ويجعلها غير قابلة للاستدامة على المدى الطويل.

 

أعلى