"ملاديتش" قتل 8000 مسـلم يحاكم في هولندا


تم ترحيل الجنرال الصربي السابق "راتكو ملاديتش" إلى المحكمة الدولية في لاهاي ليحاكم بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق المسلمين في قرية (سربرنيتسه) ، وتعد هذه الخطوة تطوراً مؤلماً جداً للهولنديين بشكل خاص، للدور الذي لعبته قوّاتهم في مذبحة (سربرنيتسه).  وتقول
BBC إن للهولنديين مصلحة خاصة في إحالة ملاديتش إلى القضاء ليقول كلمته فيه بسبب هذا الدور الذي يذهب بعضهم الى حد وصفه بالمتواطيء مع جيش ملاديتش الصربي.

فلم يكن مستغرباً أن تدعو هولندا أكثر من أي بلد آخر لاعتقال ملاديتش ومحاكمته، إذا علمنا أن جنودها الذين كانوا جزءاً من قوة حفظ السلام في البوسنة أخفقوا في واجبهم الوحيد وهو حماية اللاجئين المسلمين في قرية (سربرنيتسه).

لذا، أثار نبأ اعتقال ملاديتش ارتياحاً كبيراً في هولندا، ولكن بالنسبة للبعض على الأقل أحيا اعتقاله إحساسا عميقا بالذل ما زال يكمن في بواطن الضمير الجمعي الهولندي.

وصف وزير الخارجية الهولندي اوري روزنثال خبر اعتقال ملاديتش بأنه "خبر سار وتاريخي"، مشيراً إلى أن اعتقاله ومحاكمته "سيعيد الاعتبار" لأقرباء ضحايا المذبحة وللكتيبة الهولندية التي تقاعست في واجبها في الدفاع عن "الملاذ الآمن" في (سربرنيتسه).

وقال الوزير الهولندي في مناظرة تلفزيونية إن "أفراد الكتيبة كانوا ضحايا أيضا" في إشارة إلى الأعراض المرضية التي ظهرت على عدد منهم عقب المذبحة التي راح ضحينها أكثر من 7000 رجل وصبي مسلم.

مع ذلك، ينظر في هولندا إلى محاكمة ملاديتش بوصفها مرهما قد يخفف من الألم الذي تسببت فيه تصرفات الكتيبة الهولندية. فنائبة رئيس الحكومة ماكسين فيرهاجن، التي تكفلت شخصياً بعرقلة انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي طالما بقي ملاديتش طليقاً، كتبت في موقع تويتر: "يمكن لهولندا أن تفخر بإصرارها الدائم إلى جلب ملاديتش إلى لاهاي."

يصف آن ملدر، احد أفراد الكتيبة والعضو الحالي في مجلس النواب، كيف أن الشعور بالضعف يؤرق مضجعه إلى الآن. يقول ملدر إنه كان بمقدوره قتل ملاديتش في الحادي والعشرين من تموز / يوليو 1995 أي بعد سقوط القرية بعشرة أيام.

ييقول ملدر: "كنت احمل سلاحي وكان يتبادر لذهني إن ملاديتش كان بيننا."

خوف واحتقار ولكن الأشرطة الوثائقية من تلك الفترة تطعن في رواية ملدر. فهذه الأشرطة تظهر ملاديتش يقدم لقائد الكتيبة الهولندية المقدم ثوم كاريمانز هدايا وداع بما فيها مصباح، والسعادة بادية على محياه.

"هل هذا المصباح لزوجتي" يسأله كاريمانز، ثم، وللمرة الثانية في غضون عشرة أيام، يشرب الرجلان نخب "السلام."

وعند عودته إلى زغرب الكرواتية عقب انسحاب الكتيبة من (سربرنيتسه)، أشار كاريمانز إلى ملاديتش بأنه "زميل."

وقال قائد الكتيبة التي كانت مكلفة بالدفاع عن المسلمين للصحفيين في العاصمة الكرواتية: "من وجهة النظر الصربية، كان احتلال (سربرنيتسه) يمثل عملية عسكرية صحيحة. واظهر ملاديتش براعة كبيرة في خداعنا." ورفض كاريمانز إطلاق نعت مجرم حرب على ملاديتش.

ولكن تغطية الإعلام الهولندي لعملية اعتقال ملاديتش لا تتطرق لهذه الأمور "المزعجة"، بل إن إلقاء القبض على "المجرم الحقيقي" أدت إلى تجاهل الجوانب المؤلمة والمخزية من تصرفات الكتيبة الهولندية.

فلا يبدو أن أحداً يريد أن يتذكر الاحتقار الشديد الذي كان العديد من جنود الكتيبة الهولندية يشعرون به تجاه اللاجئين المسلمين الذين كان من المفروض إنهم يحمونهم، ولا حقيقة أن الجنود الذين كانوا يحرسون عدداً من نقاط المراقبة المحيطة بقرية (سربرنيتسه) استسلموا للصرب دون أي مقاومة.

وعندما سقط "الملاذ الآمن" واضطر أكثر من 25 ألف لاجئ إلى الاحتماء بمقر الكتيبة الهولندية، أصيب الجنود الهولنديون الفارون بالهلع. فعلى سبيل المثال رفضت قيادة الكتيبة منح شقيق مترجمها حسن نوهانوفيتش البالغ من العمر 18 عاما بطاقة مرور مما اضطره إلى مغادرة المقر - وان يقتل على أيدي جنود الجنرال ملاديتش بمعية والده ووالدته.

واستنتج تحقيق رسمي أجراه في عام 2002 معهد دراسات الحرب والمحرقة وجرائم الإبادة الهولندي إن الكتيبة الهولندية لم يكن بمقدورها منع سقوط (سربرنيتسه)، وأن الدعم الجوي الذي طلبته لم يتوفر ولم يأت في وقته، وأكد التحقيق أن بعض الوحدات الهولندية قاومت التقدم الصربي بشراسة.

ولكن التحقيق انتقد إخفاق المقدم كاريمانز في اطلاع رؤساؤه على المأساة الإنسانية التي شهدتها كتيبته، مثل الجثث التي شاهدها جنوده وهي ملقاة في الجدول الذي كان يمر خارج مقر الكتيبة.

وفي عام 1998، أي بعد 3 سنوات من المذبحة، قال كاريمانز لصحيفة (NRC Handelsblad) "عندما يخسر المنتخب الهولندي مباراة في نهائيات كأس العالم، تشعر البلاد بالحزن ليوم واحد، ولكن نحن رجال ونساء الكتيبة الهولندية ما زلنا محتقرون الى اليوم."

وكانت الحكومة الهولندية قد استقالت بعد نشر نتائج التحقيق الرسمي عام 2002، متحملة "مسؤولية" ما حدث ولكن ليس "الذنب" المترتب عليه.

ومنذ ذلك الحين كانت الحكومات الهولندية المتعاقبة أكثر حرصا من نظيراتها الأوروبيات على اعتقال ملاديتش وإحالته إلى القضاء الدولي في لاهاي.

حتى كاريمانز غير رأيه. ففي مقابلة تلفزيونية أجريت معه الخميس الماضي، وصف قائد الكتيبة الهولندية السابق ملاديتش بأنه "متشدد، شخص لا يمكنك التعامل معه."

وعندما سئل عما اذا كان يحمل ملاديتش مسؤولية مقتل ذلك العدد الكبير من المسلمين، رد كاريمانز: "نعم بالتأكيد."

ولكن القناة التلفزيونية كانت تعرض - أثناء إدلاء كاريمانز بإجاباته - شريط يظهر النخب الذي شربه مع ملاديتش في الحادي عشر من تموز / يوليو 1995. كانت إهانة كبرى لآمر الكتيبة السابق.

ففي الشريط، يقول كاريمانز لملاديتش: "أنا عازف بيانو. لا ترم عازف البيانو"، فيرد عليه ملاديتش: "أنت عازف بيانو سيء."

وتقول المحكمة الدولية إنها سمحت لملاديتش بزيارة ضريح ابنته التي انتحرت وهي الثلاثة والعشرين من عمرها بعد أن رأت صوراً ووثائق تشير على حجم الجرائم الذي ارتكبها والدها في تلك الفترة.

أعلى