الهند وباكستان.. منْ ينزعُ فتيلَ حربٍ نوويةٍ

الهند وباكستان.. منْ ينزعُ فتيلَ حربٍ نوويةٍ


توتر حاد بين الجارتين النوويتين لم يتطور إلى هذا الحد منذ العام 1971 ويكاد يصل الآن إلى درجة الغليان، غارات جوية من الطرفين، وخرق من قبل الهند للسيادة الباكستانية في الجزء الخاضع لها من كشمير بغارات جوية تحت ذريعة استهداف معسكر تدريب تابع لجماعة جيش محمد، وإسقاط القوات المسلحة الباكستانية لطائرتين هنديتيين، وأسر طياريها.

العالم يحبس أنفاسه اليوم انتظارا للأحداث، ويفرض الخوف نفسه من أن يخيم شبح الحرب على هذه الرقعة النووية المشتعلة من العالم، وفي هذا التقرير نستعرض بعض العوامل الحاسمة في مسار تجدد هذا النزاع الذي قد يتطور إلى صراع لا يعرف الحدود ولا الجغرافيا.

المحادثات الأمريكية مع طالبان

في الوقت الذي تسعى فيه أمريكا لإنهاء الحرب الدائرة منذ سبعة عشر عامًا مع حركة طالبان الأفغانية، فإن تصاعد التوترات بين الهند وباكستان يقضي على فرص نجاحها، وهو ما حذرت منه الحركة على لسان متحدثها "ذبيح الله مجاهد" والذي صرح بأن "استمرار هذا الصراع سيؤثر على عملية السلام في أفغانستان".

كما حذرت باكستان – التي تلعب دورا هامًا في هذه المحادثات-  في وقت سابق من تداعيات التصعيد الهندي العنيف على محادثات السلام، فيما يرى البعض أن أمريكا لن تسعى بجدية لتطويق هذا الصراع، وأنها ستستغله لمزيد من الضغط الاستثنائي الذي تمارسه على باكستان لحصار طالبان سياسيا.

ضغوط التصعيد الداخلية بالهند

تتزامن التوترات الأخيرة مع حُمّى الحملات الانتخابية في الهند التي ستشهد انتخابات عامة في مايو المقبل، واعتاد حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم اللعب بورقة كشمير لحصد الأصوات، واتخاذ موقف متشدد تجاه باكستان في تسويقه لنفسه انتخابيا، وكما يقول السياسي الهندي البارز شاشي ثارور[1]: "إن مودي قرر خوض الانتخابات المقبلة على أساس برنامج ينضح بنزعة قومية هندوسية.، وبالإيديولوجية الهندوسية الشوفينية التي تفخر بالعداء تجاه المسلمين في الهند فضلا عن معاداة باكستان".

ناريندرا مودي - الذي وصف ثارور سياسته الخارجية بأنها لا تعتمد على التخطيط والأهداف وإنما على النزوات المزاجية- قد يجد في التصعيد مع باكستان ورقة انتخابية رابحة، وخاصة مع انحسار شعبية حزبه، والسخط على سياسته في أوساط المزراعين، ومعاقله الحضرية التقليدية كذلك، وتوحد المعارضة ضده.

وقد صرحت قيادات 21 حزب هندي معارض إن مودي يستغلال الأحداث لمصالح انتخابية، وأصدروا بيانًا مشتركًا اتهموه فيه بـ"التسيس الفاضح للتضحيات التي قدمتها القوات الهندية"، ومع إشادة أحزاب المعارضة بقصف ما قيل إنه معسكر تابع لجماعة جيش محمد، أعربوا –في الوقت ذاته- عن قلقهم البالغ إزاء الوضع الأمني الناشيء.

الداخل الباكستاني

وعلى الضفة الأخرى يواجه رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان والذي لم يكمل عامًا في منصبه، أكبر أزمة دبلوماسية تعرض للبلاد منذ سنوات، وقد حرص على أن يؤكد بشكل حاسم عدم صلة بلاده بتفجير بولواما الذي أودى بحياة 40 جندي هندي، ودعا الهند إلى التعقل والحوار، إلا أن المراقبين يستبعدون أن يُقدم لاعب الكريكت ذي الشعبية الكبيرة والأصول البشتونية على قرار لا يُطهى في المؤسسة العسكرية التي دعمته في الوصول إلى منصبه، والتي لها الكلمة العليا في باكستان، خاصة في ظل التوتر العميق مع واشنطن التي علقت المساعدات الأمنية لها، والتي تسعى بشكل محموم إلى تقوية نفوذ الهند في أفغانستان، ووصل الأمر إلى منحها دورا هاما في تشكيل القوات المسلحة الأفغانية.

سلاح المياه

لم تتردد الهند في استخدام سلاح المياه في هذه الأزمة، حيث أعلنت وقف تدفق مياه الأنهار الشرقية  إلى باكستان، وتحويلها إلى مواطنيها في كشمير وبنجاب.

وقلل وزير الموارد المائية الباكستاني من أهمية هذا القرار، لأنه يدخل في نطاق معاهدة مياه نهر السند الموقعة عام 1950، والتي تمنح للهند السيطرة على الأنهار الشرقية: رافي وستلج وبياس، ولباكستان الحق في مياه الأنهار الغربية الثلاثة: السند وجهلم وتشناب، ولكن فوائض الهند من الأنهار الشرقية كانت تتدفق إلى باكستان وهو ما قررت نيودلهي قطعه.

ويأتي قرار الهند بمنع التدفق في الوقت الذي تواجه فيه باكستان نقصًا حادًا في المياه من المتوقع أن تزداد حدته في السنوات المقبلة، وبخاصة في ظل هوس الهند ببناء السدود، كما تمثل التوترات في كشمير مخاوف تتعلق بالسيادة على الأنهار التي منحتها الاتفاقية لباكستان وتمر عبر الإقليم، فضلًا عن مدى التزام الهند بالاتفاقية حال اندلاع الحرب.

ميزان القوة

قد تبدو المقارنة حول موازين القوى بين بلدين نوويتين عبثية، ففي حال نشوب الحرب بينهما لن يحول تفوق إحداهما عسكريًا دون أن إلحاق الدمار بالأخرى.

يتفوق الجيش الهندي على نظيره الباكستاني في الأسلحة التقليدية والنووية، وفي ترسانة الأسلحة الثقيلة، والقوة الجوية، فيما تتمتع باكستان بتفوق مدفعيتها.

لكن حسابات القوة لا تقتصر على الأعداد الإحصائية، فلدى الهند مشكلات جوهرية، لعل أهمها صعوبة نشر قواتها على طول الحدود الغربية، والعداء الذي تحاط به من جاراتها، وفي المقدمة: سريلانكا، وبنجلاديش، ونيبال، وضعف نتائج محاولاتها إيجاد توتر مشابه لباكستان في أفغانستان وإيران وطاجيكستان.

ويمثل التقارب الصيني الباكستاني أحد أهم التحديات للهند إذا اندلعت الحرب، فقد نجحت باكستان في التحالف مع الصين من منطلق أن "وجود علاقات قوية مع عدو عدوك هو أفضل استراتيجية لتجنب أي صراع"، فالهجوم على باكستان يشكل ضربة قوية للاقتصاد والنفوذ الصيني.

ويظل السخط الشعبي في كشمير العقبة الكؤود أمام الهند مع تصاعد التوترات، وهو ما يدفع بناصحيها إلى التركيز على خيار الحوار والتهدئة.

الغضب الشعبي في كشمير المحتلة

اعتبر البعض الصمت العالمي عن الوضع في كشمير في السنوات الأخيرة نجاحا للدبلوماسية الهندية، ساعد عليه النفوذ المالي الدولي المتزايد للهند، والمصالح التجارية للدول الغربية التي يدرك رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أنها تسعى لاستخدامها كقوة موازية للصين في المنطقة.

ولكن حالة الغضب الشعبي في كشمير المحتلة، جراء سياسة القمع، والانتهاكات البشعة للجيش الهندي بحق سكان الأقليم ذوي الأغلبية المسلمة، وما أبداه السكان وحتى صغار السن من تعاطف وحنق في جنازة قائد حزب المجاهدين برهان واني – والذي قتلته القوات الهندية عام 2017- أصاب رجال أعمال واقتصاديين كبار بالقلق البالغ، وحث الهند على بدء محادثات متعلقة بالشأن الكشمير.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن أميتاب ماتو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو، والخبير في النزاع الكشميري، قوله: "هناك الآن جيل من الناس في كشمير لا يعرفون الهند إلا من خلال قواتها الأمنية".

ويشير الخبراء إلى أن اعتداءات القوات الهندية على السكان جعلهم في حالة سخط، ولعل أبرز هذه الحوادث مؤخرا استخدام الجيش الهندي لمدني محلي ، فاروق أحمد دار ، كدرع بشري على سيارة جيب عسكرية.

وكان إعجاز أحمد واني، الباحث في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث الفكرية ومقرها دلهي، قد حذر العام الماضي من أن عام 2019 سيكون القتال فيه أكثر محلية وشعبية، وأنه سيكون أكثر عنفًا.

وأضف إلى كل ذلك أن الشرطة الهندية عادة ما تصب غضب انتقامها على المدنيين في كشمير المحتلة، حيث وسعت حملة اعتقالاتها خلال الأيام الماضية، واحتجزت أكثر من ألف شخص في حملة استعدادات للانتخابات.

ويتزامن تصاعد العنف من قبل الجيش الهندي مع عدم وجود أي عملية سياسية ذات مغزى لمعالجة المظالم الكشميرية من جانب الحكومة الفيدرالية، التي أعاق احتضانها للهندوسية الشوفينية احتواء المسلمين في جميع أنحاء الهند.

 

 

 

 


 

 


[1] برلماني هندي سابق، ووزير دولة سابق لتنمية الموارد البشرية، والشؤون الخارجية، ووكيل سابق بالأمم المتحدة.

 

أعلى