الهيمنة الروسية في الشرق الأوسط

الهيمنة الروسية في الشرق الأوسط

نتانئيل افنيري/"يسرائيل هيوم"

عايش الشرق الأوسط إرتفاعاً كبيراً في تأثير روسيا عليه، في اعقاب نشاط داعش وكذلك بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، والانتصار المعنوي والرمزي في "معركة ستالينغراد في سوريا"، تلك الأخيرة رفعت صورة روسيا العدوانية في المنطقة والعالم. وفي المقابل، يقوم الروس بخطوات وساطة للسلام، تثبت من هو صاحب القرار الحقيقي في سوريا.

في البداية، دفعت روسيا مع تركيا، التي تدعم تنظيمات الثورة السنية، اتفاق وقف إطلاق النار في كل سوريا (باستثناء الحرب ضد داعش وجبهة فتح الشام، المشتقة عن القاعدة)، بما في ذلك فتح معبر خروج انساني من شرق حلب للمواطنين و الثوار. حتى اليوم تتولى الشرطة العسكرية الروسية منع اعمال السرق والعنف في حلب، على خلفية طائفية ازاء المواطنين السنة، من قبل قوات الأسد ومساعديهم الايرانيين والشيعة.

أضف الى ذلك، ان روسيا كانت الراعي الأساسي لمؤتمر السلام في استانة (كازخستان) في وقت سابق من هذا الشهر، بين نظام الأسد وممثلي الثورة. لو كان الأمر يتعلق بالأسد والايرانيين لما جرت محادثات السلام، وانما تصفية حسابات، الا أن المصلحة الروسية في سورية تحدد كما يبدو، وهي مصلحة اقتصادية واستراتيجية وليست طائفية.

في الوقت الذي تقود فيه مبادرة سلمية، زادت موسكو من عدد الطائرات الهجومية في الدولة، على الرغم من الوعد بتقليص الوجود العسكري، وهناك دلائل على تنفيذ اعمال توسيع في قواعد سلاح الجو والبحرية الروسية على الشاطئ السوري. في بغداد يوجد تواجد روسي دائم في مركز التعاون الاستخباري المشترك لها وللعراق وسورية وايران، والذي اقيم في 2015 كجبهة ضد داعش. أضف الى ذلك ان روسيا زودت العراق بطائرات ومروحيات حربية، وفي المقابل سمح العراق لروسيا باستخدام مجاله الجوي للهجمات في سوريا.

مصر والباكستان وقعتا على صفقات اسلحة كبيرة مع روسيا، وأجرت معها في السنة الماضية مناورات عسكرية. وحسب مصادر روسية، من المتوقع أن تصادق مصر لروسيا على استخدام قواعدها البحرية والجوية، بما في ذلك قاعدة على البحر المتوسط، والتي كانت تستخدمها روسيا خلال الحرب الباردة لرصد سفن الاسطول الامريكي. وفي ليبيا وقعت روسيا مع إدارة المحافظة المتاخمة للحدود المصرية والتي تحارب التنظيمات الاسلامية، على صفقة اسلحة كبيرة، رغم قرار الامم المتحدة في 2011 حظر بيع الأسلحة لليبيا. وكتعبير عن توثيق العلاقات، اجرت حاملة الطائرات "كوزنيتشوف" مراسم مثيرة على الشاطئ الليبي. حتى الاردن وقع مع روسيا في 2015 على إتفاق لإقامة وتفعيل محطتين للطاقة النووية في الزرقاء. وفي 2017، يفترض دفع هذا المشروع. كما اعلنت الفلبين في تشرين الاول الماضي عن سياسة تقارب مع روسيا على حساب الولايات المتحدة.

ما الذي يخبئه المستقبل القريب؟ مطامح موسكو يمكن ان تتسع بشكل اكبر في ضوء ارتفاع مدخولها من النفط والغاز. منذ بداية كانون الثاني بدأت دول "اوبك" ودول نفط اخرى، منها روسيا، تطبيق تخفيض الصادرات بشكل متفق عليه، والذي قاد الى ارتفاع سعر برميل النفط بحوالي 15%. وهناك من يتوقعون تراجع الاسعار بنسبة اكبر قريبا. كما ان روسيا ستتمتع من ارتفاع الطلب على الغاز وسعره. من شأن الزيادة في المدخول ان تخفف من مواجهة التأثير المؤلم للعقوبات الاقتصادية التي فرضت على روسيا في اعقاب اجتياحها لأوكرانيا. وبالمناسبة فان التنسيق في تصدير النفط ومحاربة داعش والاهتمام الروسي بتخفيف العنف الطائفي في سورية يمكن ان تقرب منها العربية السعودية، التي تخوفت دائما من التأثير الروسي في المنطقة.

هناك سبب آخر للتفاؤل الروسي، يأتي من جهة واشنطن. الرئيس الجديد ترامب المح في اكثر من مرة إلى استعداده لترميم العلاقات ودفع التعاون معها لحل مشاكل عالمية، فيما صرح في المقابل عن استعداده لإعادة فحص الاتفاقيات التجارية مع الصين، ومنظومة العلاقات مع الخصم الصيني المعادي للشيوعية – تايوان.

في ضوء هذا كله، من المفضل ان تعزز الحكومة الصهيونية علاقاتها مع روسيا في المجال الاقتصادي والاستراتيجي كي لا تضع كل البيوض في السل الغربي. هذا الأمر سيمنع تكرار وضع العلاقات الذي ساد خلال الحرب الباردة، التي دعم الاتحاد السوفييتي الدول العربية خلالها، بشكل جارف. وضع كهذا سيقود الى المنافسة بين القوى وعودة "مسرح الحرب الباردة" الى المنطقة، والذي لن يتحقق فيه الانتصار لا للقوى العظمى ولا للاعبات الاقليميات.  

 

أعلى