كيف أعاد الإسلام بناء ميزان قيمة الإنسان، فنقل التفاضل من النسب والطبقة والجاه إلى التقوى والكفاءة والأمانة، وجعل الاستحقاق أساسًا للتمكين والنهضة، وحصن المجتمع من المحاباة والواسطة التي تهدر الطاقات وتُسند الأمر لغير أهله في واقعنا؟
سؤال يُغيّر مصير الأمم
في زحام أسواق النخاسة، وتحت قيظٍ لا يَرحم، كانت النفوس تُباع بدراهم معدودة، فلا
يُقاس المرء هناك برجاحة عقل ولا بنبض قلب، بل بقَدْر جَلَده على خدمة سيده.
في ذلك العراء وقف غلام صغير، تختلج في صدره أسئلة المصير، لا يدري إلى أيّ فجّ
تمضي به الخطى، بينما كانت عناية الله ترمقه وتعدّه لدور سيُغيِّر وجه التاريخ.
ومِن قلب ذلك المشهد المُوغِل في الانكسار ينهض سؤال رافق البشرية عبر العصور: بأيّ
ميزان نقيس قيمة الإنسان؟ أبحَسَبه ونَسَبه، أم بما يَحمله من علم وكفاءة وتقوى؟
فما من أُمّة أخطأت في الجواب عن هذا السؤال إلا اختلّت بوصلتها، وترنّح أمنها
وعمرانها قبل أن تخسر قوتها وسلطانها. ومَن يقلّب صفحات التاريخ يرى كيف كانت نهاية
الأمم التي حبست الامتياز داخل أسوار الطبقة والنَّسب؛ من روما التي تداعت أركانها
باحتكار الأشراف للسلطة، إلى الهند التي كبّلتها الأغلال الطبقية، وصولًا إلى
أوروبا الإقطاعية التي توهَّمت في «الدم الأزرق» صكًّا للمجد، فلم تَحْصد من وراء
ذلك إلا ثورات عاتية زلزلت أركانها.
ولم تكن جزيرة العرب بدعًا من ذلك؛ فقد كان النسب سورًا يحمي صاحبه، ومفتاحًا يفتح
له أبواب الرزق، وغَدَا الميلاد وَحْده الحَكَم؛ فمن وُلد داخل القبيلة نال حظوظًا
قد لا يستحقها، ومَن قذف به الميلاد خارجها حُرِم منزلة لم يُقصِّر في استحقاقها.
ولم يكن الرّقّ قيدًا على الجسد فقط، بل كان غلالة تَطمس قيمة الإنسان في عين
مجتمعه.
وفي غمرة هذا الانغلاق أشرق نور الوحي ليفكّ تلك الأغلال. ولم يكن من نهج الإسلام
أن يشعل حربًا بين الطبقات، أو يثير أحقاد المحرومين، وإنما انبرى لاجتثاث الخلل من
جذوره. فجاء البيان القرآني حاسمًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
وتواترت السُّنة النبوية مؤكدةً أنه «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». ولخّص
النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الثورة القيمية في كلمة جامعة: «ومَن بطَّأ به
عَملُه لم يُسرع به نَسَبُه» [رواه مسلم].
زيد بن حارثة.. الشاهد على الميزان الجديد
إن المبادئ لا تملك صياغة التاريخ إلا حين تتشرّبها القلوب وتُحيلها إلى سلوك يمشي
بين الناس. لذلك شاءت إرادة الله أن يكون الشاهد الأول على هذا الميزان رجلًا لم
يكن للجاهلية أن تلتفت إليه: زيد بن حارثة -رضي الله عنه-.
لم يُولَد زيد وفي يده أسباب السيادة، ولا نشأ في أُبّهة الرفعة. كان طفلًا
انتُزِعَ قسرًا من أحضان أهله، وقُذِفَ به في سوق النخاسة سلعةً تُقلّبها الأيدي
الغليظة، حتى ساقته عناية الله إلى كَنَف محمد -صلى الله عليه وسلم- قبل البعثة.
فلم يجد هناك ما يجده العبيد من صلف السادة وقسوة الكبراء، ما وجد إلا خُلقًا
كريمًا ورحمةً تحفظ للإنسان كرامته قبل أن تُعطيه حريته. وكانت تلك الأخلاق تمهيدًا
لرسالة ستُعيد بناء الإنسان من جديد.
ثم تجلَّى الموقف العجيب الذي كشف معدن النفوس؛ إذ قدم أبوه وعمّه يَفتديانه، فأطلق
له النبي -صلى الله عليه وسلم- حرية الاختيار، وقال: «فإن اختاركم فهو لكم، وإن
اختارني فما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدًا» [ابن إسحاق في السيرة].
كان من المنتظر أن يهرع الغلام المخطوف إلى دفء عشيرته، لكنّ زيدًا قال كلمته التي
خلّدها التاريخ:
«ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا» [من الرواية نفسها].
وتلك الكلمة لا تُعبِّر عن مجرد عاطفة عابرة، بل تُؤكّد بجلاء أن الرحمة تأسر
الأحرار أشد مما تصنعه القيود، وأن الكرامة متى سكنت الروح غدت أوثق من روابط
الإكراه.
عندئذ أعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- تبنّيه له على وفق العُرف السائد، وأشهد
قريشًا على ذلك، فصار الناس يدعونه «زيد بن محمد». بيد أن الوحي جاء ليواصل تصحيح
الموازين من جذورها، فلا يدع لعاطفة أن تَحْجب الحق، ولا لمحبّة أن تُغيِّر
الأحكام: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:
5].
فعاد زيد إلى اسم أبيه، ودخَل التاريخ من أوسع أبوابه. لقد خسر لقبًا، وربح شرفًا
لا يمنحه إلا الحق. لكن سياق هذا التشريع لم يكن تعديلًا إداريًّا بسيطًا؛ إذ كان
يُمهّد لدرس أعظم في فقه العلاقات الإنسانية: فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حمل همّ
هذا التحوّل بكل ثِقَله البشري، ثم جاءت الإرادة الإلهية لتختبر صدق الاستجابة حين
تزوّج النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد، في مشهدٍ قادته
العناية ليُجْهِز على بقايا التبنّي الجاهلي من جذوره، ويؤكد أن الولاء للحق أصلٌ
تُبنَى عليه وَشائج المجتمع. هكذا كان زيد حاضرًا في محطات متعددة أعاد الوحي بها
هندسة المجتمع، لا فردًا عابرًا في هامش السيرة.
ثم تلا ذلك الامتحان الأعظم يوم زحف المسلمون إلى «مؤتة»، وأعلن النبي -صلى الله
عليه وسلم- أسماء القادة، فقال: «أميركم زيد بن حارثة، فإن أُصيب فجعفر، فإن أُصيب
فعبد الله بن رواحة» [رواه البخاري].
تأمل هذا المشهد المهيب؛ رجل كان بالأمس يُباع في الأسواق، يقود اليوم زحفًا يضمّ
صفوة المهاجرين والأنصار وأشراف قريش. لم يكن ذلك تكريمًا لشخص زيد وحده، بل
إعلانًا عمليًّا أن ميزان الإسلام لا يُقدِّم أحدًا لأنه وُلد في بيتٍ عريق، ولا
يُؤخِّر آخَر لأنه بدأ حياته عبدًا. لقد أبقى الإسلام للأنساب فضلها الطبيعي، لكنّه
نزع عنها سلطان التقديم بغير حقّ.
الاستحقاق.. شرط النهضة لا مجرد إنصاف
وهنا ينقدح في الذهن سؤال: ماذا لو بقي ميزان النَّسب هو الحاكم؟ هل كنا سمعنا صوت
بلال الحبشي يصدح بالأذان، أو رأينا سلمان الفارسي يشير بحفر الخندق؟ ولربما بقي
زيد نفسه جنديًا في مؤخرة الصفوف، يقوده مَن هو دونه كفاءةً لمجرد أنه أرفع نسبًا،
ولربما حُجبت عن الأُمّة عقول فذّة صاغت مَجْدها الفكري، مثل الحسن البصري والإمام
البخاري وألوف غيرهم. فبتحرير الإسلام طاقات البشر من أغلال الطبقة والنّسب، كان
ازدهار الحضارة الإسلامية ثمرة طبيعية لمعيار يُقدّم المرء بما يحمل من علم وتقوى
وأثر.
فالمعيار الجديد لم يأتِ لإنصاف الأفراد فقط، بل جاء شرطًا من شروط النهضة؛ فالأمم
لا تنهض حين تُكرّم الأكفاء فحسب، بل ساعة تَفتح لهم الطريق، وتمنحهم المكان الذي
يستحقونه. أما إذا اختلّ الميزان، فإن الظلم يتجاوز حدود الأفراد، ويتحوّل إلى نظام
يَطرد الكفاءات، ويقتل المبادرات. فحين تُوسّد المسؤوليات إلى غير أهلها، تموت
الهِمَم، وتُهاجر العقول، وما هي إلا برهة ويتداعى البناء.
ولئن بدا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكأنه يلتقي في بعض بنوده مع ما جاء في
خطبة الوداع؛ فإن الحقيقة أن البشرية ما زالت تلهث لتقترب من ذلك المعيار الذي وضعه
الوحي قبل قرون؛ فالنص النبوي لم يكتفِ بالمساواة الشكلية، بل ربَطها بالله الواحد
والأب الواحد حين هتف النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحشود: «يا أيها الناس، ألا
إنّ ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي،
ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى» [رواه الإمام أحمد والبيهقي].
فجعل معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، بينما بقيت المواثيق الوضعية أسيرة
صياغات قانونية تُنظّم الحقوق ظاهريًّا، لكنّها تفتقر إلى سلطان الضمير الروحي الذي
يربط الاستحقاق بالمسؤولية أمام الله؛ الأمر الذي جعلها شعارات يُمكن الالتفاف
عليها وتفريغها من مضمونها متى تضاربت مع المصالح والتكتلات الحديثة.
ولذلك لخّص القرآن معيار الاستحقاق في كلمات قليلة جمعت بين الأخلاق والكفاءة؛
فقال: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:
26]؛ فالقوة المجردة عن الأمانة بَطشٌ وتَغوُّل يُشرعن الفساد المُنظَّم، والأمانة
العاجزة عن الأداء ضَعْفٌ وخَوَرٌ يُنتِج العجز الإداري، وكلاهما ضياعٌ للأمانة
وتوسيدٌ للأمر لغير أهله.
ولذلك، توارت عصبية القبيلة القديمة، لكنّها ما فتأت تبزغ في كل عصر ملتحفةً بثياب
جديدة؛ تارةً في ثوب الحزب، وتارةً في ثوب العائلة، أو الطبقة، أو الواسطة. فكم من
صاحب كفاءة أُغلقت في وجهه الأبواب؛ لأنه لم يملك إلا عِلْمه وأمانته، وكم من ضعيف
في كفاءته ذُلّلت له الطرق؛ لأنه يملك رصيدًا من الولاءات والعلاقات.
إننا نلمس هذا الخلل في ميادين التعليم حين يترقَّى مَن يُحْسن بناء العلاقات قبل
بناء العقول، وفي دهاليز الإدارة حين تُقطَع أرزاق المُبدعين وتُفتَح خزائن المناصب
لأشخاص لا همَّ لهم إلا بيان ولاء أو قربى. وما فشو ظاهرة «الواسطة» في مؤسساتنا
إلا الصورة المعاصرة لعصبية ما قبل الإسلام؛ تستعير أسماء جديدة وتختبئ وراء
تبريرات براقة.
إن العطب الحقيقي لا يكمن في انحراف بعض الأفراد فحسب، بل في غياب الأنظمة
والتشريعات الصارمة التي تمنع المحاباة، وتجعل العدل قاعدةً لا استثناء. فالإسلام
لا يكتفي بتربية الضمير وحده، وإنما يبني معه مؤسسات تَحْرسه، وتشريعات تمنع
الطغيان.
حين تُنصَب الموازين
ولا تزال في أُمتنا نماذج مشرقة تُقدّم الأمناء الأكفاء، وتبرهن أن هذا الميزان
قابل للحياة متى صدقت الإرادة. غير أن من الأسئلة التي ينبغي ألَّا تفارقنا:
- حين نختار، فبأي ميزان نَزِن؟
- حين تُقدِّم موظفًا، أتُقدِّم صاحب الكفاءة والأمانة، أم صاحب القرابة والولاء؟
- وحين تُسند مسؤولية، أتبحث عمّن ينفعها، أم عمّن ينفعك؟
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة»؛
والمقصود بالساعة هنا النهاية الكبرى، غير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسّر ضياع
الأمانة بقوله: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» [رواه البخاري].
وفي هذا التفسير إشارة بليغة إلى سُنّة من سنن العمران؛ فإذا أُسند الأمر لغير
أهله، وانهار ميزان الاستحقاق، بدأ العدّ التنازلي لسقوط الأمم قبل قيام الساعة
الكبرى.
خاتمة
بدأت حكايتنا بغلامٍ يرتجف في سوق النخاسة تحت وطأة معايير الدنيا الجائرة، وتُختَم
بمشهد مقابل تتلاشى فيه كل تلك الظلال؛ يوم تُنصَب الموازين بالقسط. هنالك، يرتفع
الغلام بجهاده وتقواه، وتَلفح وجوه المستكبرين النارُ، ليتجلى ميزان السماء، في
أبهى صوره؛ معيارًا يرفع الأمم قبل أن يرفع الأفراد.
فحيثما ساد هذا الميزان في الأرض وُلِدت الحضارة الحقّة، وحيثما غاب تلاشت رحلة
الصعود وبدأ الانحدار، مهما تطاولت في الفضاء الأبراج، وتعاظمت في الخزائن الثروات.