• - الموافق2026/06/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الثبات على الدين (التثبيت بأخبار العلماء الربانيين)

كيف يحافظ المؤمن على الثبات على دينه أمام الفتن والمحن والابتلاءات، مستلهمًا نماذج السلف الصالح والصابرين، وموقنًا بأن الصبر واليقين والتمسك بالحق سبب النجاة والفوز برضوان الله حتى آخر العمر مع الإخلاص والدعاء والثقة بوعد الله؟


الحمد لله الذي هدى قلوب المؤمنين إلى الإيمان، ووفقهم لصالح الأعمال، وثبتهم عليها إلى الممات، نحمده على هدايته وكفايته، ونشكره على إنعامه ورعايته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة نرجو بها النجاة يوم لقائه، والفوز بالخلد في جنانه ورضوانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ خير خلقه وأصفيائه، وأفضل رسله وأنبيائه، بعثه بالإيمان والهدى ليخرج العباد من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشر إلى الخير، ففتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وسلوه الثبات على الإيمان والعمل الصالح إلى الممات؛ فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، واعلموا أن الثبات إلى الممات فضل من الله تعالى يوفق إليه من شاء من عباده ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 24- 25].

أيها الناس: الثبات على الدين توفيق من الله تعالى يوفق له العبد، فلا تضره فتنة ولا محنة حتى يلقى الله تعالى ثابتا على دينه، ولا تزيده الفتن والمحن إلا تمسكا بالدين، ومسارعة إلى الخير، وقوة في اليقين، وصلابة في الحق؛ حتى تهون عليه نفسه في ذات الله تعالى؛ كما حرق أصحاب الأخدود وهم ثابتون على دينهم، وكما مشط أقوام بأمشاط الحديد وهم ثابتون على دينهم، ولا ينال الكفار والمنافقون من قلوب الثابتين على دينهم ولو مزقوا أجسادهم.

وفي أخبار سلفنا الصالح وأتباعهم بإحسان مواقف جليلة من الثبات على الدين ابتداء بالصحابة رضي الله عنهم، وبالتابعين وأتباعهم.

وممن ثبتوا على السنة في المحنة: إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ إذ ابتلي بزمن كانت السلطة فيه للمبتدعة المعتزلة، فحملوا الناس على القول بخلق القرآن، ونفوا عن الله تعالى صفة الكلام، وامتحنوا العلماء على مذهبهم الرديء؛ فمن أجابهم وإلا قتلوه أو حبسوه أو عذبوه، حتى أجابهم كثير من العلماء؛ أخذا برخصة الإكراه في الدين. ولم يأخذ بها الإمام أحمد، بل رفض مقولتهم الشنيعة في الله تعالى، وردها عليهم، وتعاقب عليه ثلاثة من الخلفاء العباسيين يكرهونه عليها، المأمون والمعتصم والواثق، فأما المأمون فإنه لما أخضع سائر العلماء لمقولته إلا الإمام أحمد ونفر قليل؛ أمر أن يحمل إليه، وسل سيفه، وحلف أن يقتله، وحمل الإمام أحمد من بغداد إلى طرسوس حيث كان المأمون، ودعا الإمام أحمد ربه أن لا يرى المأمون ولا يجتمع به، فاستجيب له، ومات المأمون ولم يكن به علة، وأعيد الإمام أحمد إلى بغداد مرة أخرى. ثم امتحنه المعتصم بالسجن والجلد حتى خلعوا كتفيه من شدة الضرب، وحتى أغمي عليه وكاد أن يهلك، وهو صابر محتسب يطالبهم بشيء من القرآن والسنة على مقولتهم النكراء. ثم مات المعتصم وولي الواثق، فضرب على الإمام أحمد النفي والاختفاء وعدم الظهور، حتى توفي الواثق، ثم رفعت المحنة، وخرج الإمام أحمد منتصرا فيها بثباته وصبره، وأعز الله تعالى به السنة، فكان إمام أهلها.

وممن ثبتوا على السنة في المحنة: الإمام أبو يعقوب البويطي صاحب الإمام الشافعي، وأعلم الناس بفقهه؛ فإنه امتحن في فتنة خلق القرآن، وحبس وأوثق بأثقال الحديد، وهو ثابت على مذهب أهل السنة. وكتب وزير الخليفة الواثق وهو ابن أبي دؤاد المعتزلي لوالي مصر أن يمتحن البويطي في خلق القرآن، وكان والي مصر محبا للبويطي؛ لعلمه وزهده ومحبة الناس له، فاقترح الوالي أن يقول بخلق القرآن في مجلس خاص بينه وبينه، لا يسمعه أحد؛ حتى يرفع للوزير بذلك، ويسلم من شره، ولكن البويطي رفض اقتراحه وقال له: «إنه يقتدي بي مائة ألف، ولا يدرون المعنى والسبب فيضلون، ولا أقوله أبدا». فأمر الوزير الضال بإيثاقه بالحديد، وحمله من مصر إلى بغداد، فحمل موثقا طيلة الطريق. قَالَ الرَّبِيْعُ بنُ سُلَيْمَانَ: «كَانَ البُوَيْطِيُّ أَبَداً يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِذِكْرِ اللهِ تعالى، وَمَا أَبْصَرْتُ أَحَداً أَنْزَعَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مِنَ البُوَيْطِيِّ! وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلٍ، فِي عُنُقِهِ غُلٌّ، وَفِي رِجْلَيْهِ قَيْدٌ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الغُلِّ سِلْسِلَةٌ فِيْهَا لَبِنَةٌ وَزْنُهَا أَرْبَعُوْنَ رِطْلاً، وَهُوَ يَقُوْلُ:... وَلَئِنْ أُدْخِلْتُ عَلَيْهِ لأَصْدُقَنَّهُ -يَعْنِي الوَاثِقَ- وَلأَمُوْتَنَّ فِي حَدِيْدِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَ قَوْمٌ يَعْلَمُوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فِي هَذَا الشَّأْنِ قَوْمٌ فِي حَدِيْدِهِم». وثقل على الشيخ حديده، وطال قيده فيه، حتى منعه من أداء الصلاة بتمام أركانها. قال أبو عمرو المستملي: «حضرنا مجلس محمد بْن يحيى الذُّهلي، فقرأ علينا كتاب البُوَيْطيّ إِلَيْهِ، وإذا فِيهِ: والذي أسألُكَ أن تعرض حالي عَلَى إخواننا أهل الحديث، لعل اللَّه يخلصني بدعائهم، فإني في الحديد وقد عجزت عَنْ أداء الفرائض من الطهارة والصلاة. فضجّ الناس بالبكاء والدُّعَاء لَهُ». قال ابن كثير: «وبلغني أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ويتطهر ويتطيب، ويلبس ثيابه، ثم يخرج إلى باب السجن إذا سمع النداء فيرده السجان، ويقول له: ارجع يرحمك الله، فيقول: اللهم إني أجبت داعيك فمنعوني»، وصدق الإمام البويطي وثبت على الحق، ومات في حديده مقيما على السنة، صابرا محتسبا.

وممن امتحن فثبت حتى لقي الله تعالى: الإمام أبو بكر ابن النابلسي الشافعي، ابتلي ببني عبيد الذين انتحلوا المذهب الباطني، وغيروا الأذان الشرعي، وكان بعض قادتهم يأمر الناس بالسجود له من دون الله تعالى، فلما غلبوا على مصر في القرن الرابع الهجري؛ أظهروا الزندقة والبدعة، وعذبوا علماء أهل السنة، وكان الإمام ابن النابلسي يحرض عليهم، فأقيم أمام بعض قادتهم، فلم يهب أن يصدع بالحق أمامهم، قال له القائد العبيدي: «بَلَغَنَا أَنَّكَ قُلْتَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ عَشْرَةُ أَسهُمٍ، وَجبَ أَنْ يَرْمِيَ فِي الرُّوْمِ سَهْماً، وَفينَا تِسْعَةً. قَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا، بَلْ قُلْتُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ عَشْرَةُ أَسهُمٍ، وَجبَ أَنْ يرمِيَكُمْ بِتِسعَةً، وَأَنْ يَرمِيَ العَاشرَ فِيْكُمْ أَيْضاً؛ فَإِنَّكُم غيَّرْتُم الملَّةَ، وَقَتَلْتُم الصَّالِحِيْنَ، وَادَّعَيْتُم نورَ الإِلهيَّةِ، فشهرَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَمرَ يَهُودِيّاً فَسَلَخَهُ». قال أبو شامة: «فحمُل إِلَيْهِ فِي قفص خشب فَأمر بسلخه، فسلخ حَيا، وحشي جلده تبنا، وصلب رَحمَه الله تَعَالَى». قَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ سَمِعت أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ يذكرهُ ويبكي وَيَقُول: «كَانَ يَقُول وَهُوَ يسلخ ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58]».

وممن امتحن فثبت حتى لقي الله تعالى: الإمام أبو بكر الطرطوشي الأندلسي، قدم من الأندلس إلى الإسكندرية فرأى الجهل قد تفشى فيها بسبب قتل العبيديين الباطنيين لعلماء أهل السنة، وملاحقتهم إياهم، فعزم على الإقامة بها؛ لرفع الجهل عن الناس، ونشر السنة فيهم، رغم مخاطرته بنفسه، وكان يقول: «إن سألني الله تعالى عن المقام بالإسكندرية - لما كانت عليه في أيام الشيعة العبيدية من ترك إقامة الجمعة ومن غير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم - أقول له: وجدت قوماً ضلالاً فكنت سبب هدايتهم». واجتمع الناس حوله، وانتشر صيته، وتعلم الناس منه؛ فحسده القاضي فأغرى به الوزير الأفضل، ففرض عليه الإقامة الجبرية، فلما طال به المقام؛ دعا على الوزير فاستجيب له فيه وقتل، وولي آخر فأكرم الشيخ وقربه.

نسال الله تعالى أن يثبتنا على دينه القويم، وأن يجعلنا من عباده الصالحين ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وسلوه الثبات إلى الممات، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

أيها المسلمون: يجب أن يكون دين العبد عزيزا عليه، يفديه بماله ونفسه وولده لو اضطر إلى ذلك، وأن لا يقبل المساومة عليه بأي عرض من الدنيا مهما كان؛ فإن الموت يقطع على العبد لذائذ الدنيا، وكذلك الدنيا كلها إلى زوال، وينسى العبد ما أصابه فيها من وصب وتعب وهم وغم وأذى بسبب دينه، عندما تبشره الملائكة عند الموت بما أعد الله تعالى له من النعيم المقيم الذي لا تساوي الدنيا كلها ذرة منه ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32].

وإذا ذكر الثبات ذكرت سيرة موسى عليه السلام في ثباته والمؤمنين معه أمام فرعون وجنده، حتى عذبوا وأوذوا ولوحقوا في ذات الله تبارك وتعالى، ثم أذن الله بالفرج بغرق فرعون وجنده، ونجاة موسى والمؤمنين معه. وكان ذلك في يوم عاشوراء، وهو من أيام الله تعالى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه شكرا لله تعالى على نجاة موسى وغرق فرعون، وأمر بصيامه، وأخبر أنه يكفر ذنوب السنة التي قبله، فصوموه وصوموا التاسع قبله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع».

وصلوا وسلموا على نبيكم...

 

أعلى