غموض يلتف حياة وموت قيادي في حزب الله

غموض يلتف حياة وموت قيادي في حزب الله

 

 

 

المصدر: نيويورك تايمز – قسم الشرق الأوسط، بتاريخ: 4/1/2014م.

قام بالترجمة: سلوى جهاد المناعمة

 

 

 

لم تكن تعلم الطفلة نور ماذا قدم أباها -حسن اللقيس- لحزب الله, لكنها آنذاك أدركت أنها قد تفقده في وقت قريب. خلال فقدانها له, تذكرت أنه كان عليها أن تحدق طويلا إلى صورة أباها وهو نائم وتتخيل أنها تراه جثة هامدة.

يبدو في الوسط, حسين اللقيس- نجل حسن اللقيس- يحيط به سيد هاشم صفي الدين – رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله من اليسار, والسيد غضنفر ركن أبادي – السفير الإيراني إلى لبنان من اليمين في حفل تأبين والده في العشرين من ديسمبر الماضي.

اغتيل اللقيس الشهر الماضي من قبل مجهولين في مرآب (موقف) سيارات جنوب بيروت, وتعمل ابنته نور البالغة من العمر 28 عاما مدرسة للأدب الانجليزي .

تعلم اللقيس جنيا إلى جنب مع ابن بلاده آنذاك, الخبير الفني الرئيسي لحزب الله وخبير النقل والإمداد والمعني بقيادته -حسن نصر الله- وكان صديقه المحبب وأحد العقول النابغة في الجماعة.

انضم السيد اللقيس إلى حزب الله منذ تأسيسه في الثمانينات من القرن الحالي, بينما كان يبلغ التاسعة عشر من عمره وكان يتملكه ميول إلى التكنولوجيا, فساعد في بناء ترسانة أكثر تطورا من تلك في الجيوش الوطنية الأخرى, وتحويل الميليشيات الشيعية إلى قوة استطاعت أن تتحدى "إسرائيل" بقوة وقت النزال. وساعد في إعداد نظام طائرات استطلاع بدون طيار وإنشاء نظام اتصالات مستقل أيضا, واستخدم قواعد سرية داخل سوريا لتخزين صواريخ متطورة طويلة المدى, والتي يقول المحللون أنها سربت الآن إلى لبنان.

صنَّـفـت وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (موساد) السيد اللقيس على قائمة الاغتيال منذ عدة سنوات كواحد من الخمسة المطلوبين للإعدام من الدرجة الأولى.

 من عام 2008 حتى 2011م، لقوا الأربعة حتفهم غدرا.بدأت بانفجار في سيارة في العاصمة السورية- دمشق أودى بالقائد العسكري لحزب الله عماد مغنية, وآخر هو جنرال سوري تم قنصه على شواطئ طرطوس, أما الثالث وهو مسئول في حماس [محمود المبحوح] تمَّ شنقه في غرفة أحد فنادق دبي في الإمارات العربية المتحدة بواسطة عميل يعمل لحساب الموساد الإسرائيلي تم التقاط صورة له من خلال كاميرات المصاعد، وجنرال إيراني قتل في انفجار في مستودع للصواريخ الإيرانية.. السيد اللقيس آخر من كان على قائمة الاغتيال تلك...

يقول محللون لبنانيون وإسرائيليون بأن "إسرائيل" ومن خلال العمل مع وكلائها, هي المشتبه به الأرجح لاغتيال اللقيس, ومع ذلك فإن حزب الله كان قد حول مساره في العامين المنصرمين وقام بإرسال قواته إلى سوريا لدعم الحكومة السورية -حليفته الدائم- ضد الانتفاضة المسلحة التي التحق بها جهاديين أجانب, مما أضاف إلى اللقيس أعداء جدداً، حتى من بين بعض الشيعة خرجت بعض أصوات الرفض والمخاوف من أن الجماعة قد تزيد من حدة التوترات الطائفية وتفتح عليهم أبواب الانتقام.

وأصبحت جريمة اغتيال اللقيس جريمةً سياسيةً منوطةً بالتعقيدات والغموض مع حالة من تعدد التحالفات والأعداء في المنطقة. ضباط مخابرات خليجيون ومسلحون سنيون لبنانيون ومقاتلون من القاعدة ومتمردون سوريون جميعهم مطروحين كقتلة محتملين.

يقول المحللون إنه بناءً على سرية عمل ليقس والطريقة المتقنة في قتله, فإنَّ الجهة المحتمل تورطها بالجريمة هي جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. لكنه حتى هؤلاء البقية فانه محتمل أن يكون لهم يد في العملية.

تقف قضية السيد اللقيس على مفترق من القوى المتعددة التي وجدت حول قضية مشتركة, المملكة العربية السعودية بقيادة السنة، والمتمردون السوريون ضد الرئيس بشار الأسد، و "إسرائيل"؛ جميعهم يجدون أنفسهم في المعارضة لحزب الله وحلفائه. ويتفق المحللون الإسرائيليون والسعوديون على أنَّ دولهم تتشارك المصالح في الإيقاع بين إيران وحزب الله.

حمَّل السيد نصر الله- زعيم حزب الله، "إسرائيل" مسؤولية قتل السيد اللقيس، قائلاً إن المطالبات في وقت مبكر بتحميل الجماعات السنية المسؤولية حسب ما يعتقد المحققون ما هي إلا محاولات وهمية لزرع الفتنة الطائفية.

لكن مسئولين إيرانيين أيضاً أشاروا بأصابع الاتهام إلى جماعة المسلّحين في تنظيم القاعدة يقودها سعودي تمَّ القبض عليه مؤخرا في لبنان. إضافة إلى عدم اليقين والغموض حول تلك الجماعة, فقد ادعت كتائب عبد الله عزام الأسبوع الماضي أن السيد اللقيس مات خلال انفجار السفارة الإيرانية في بيروت في نوفمبر تشرين الثاني.

وأدعى الثوار السوريين بأنهم قتلوه في سوريا وأن مشهد الجريمة في بيروت كان مجرد غطاءٍ لإخفاء الحقيقة، لدرجة أنَّه كانت هناك إشاعة بأنه قتل بواسطة رفاقه في حزب الله اثر خلاف داخلي أو خيانة ,وكلاهما غير عادي في منظمه تعتبر منظمه منضبطة بشكل عالي.

وقال السيد علي رزق (مخرج أخبار بيروت في التلفزيون الإيراني برس تي في) إن موت السيد اللقيس أظهر أنَّ شعور الكره العام نحو حزب الله خلق فرصا لأعدائه.

الخبير الأمني الإسرائيلي والكاتب المشارك في مجله النيويورك تايمز "رونن بيرجمان" والذي فصل قوائم الاغتيال لدى الموساد في كاتبه "الحرب السرية مع إيران" قال إن إسرائيل تستخدم وكلاء محليين في الدول لتفادي تعرض عملائها الإسرائيليين للخطر.

عاش اللقيس في حالة من عدم الراحة في لبنان خلال تدخل حزب الله في سوريا، الأمر الذي أصبح جليا حين كشفت حادثة وفاته بعض اللمحات النادرة من شخصية وحياة أحد أكبر القيادات في حزب الله.

وقد استهجنت الجماعة تبادل مثل هذه التفاصيل مفضلين تصوير المحاربين لها, كما فعل نصر الله وفعل اللقيس وباقي الأشخاص الذين "ليس لديهم حياة أخرى" المنهمكين في المقاومة. لكن ربما لأن موته كان بمثابة اللحظة الشافية لمجتمع عليه أن يبقى ساكنا كما العديد من مقاتليه الذين ماتوا في سوريا, البعض عمل على إثارتها فقط لإيجاد الصدع (الريبة) حوله.

تحدث السيد نصر الله إلى جموع الشباب في بعلبك حيث توجد لاللقيس صورة وهو في سن المراهقة معلقة على جدار المقبرة مبتسماً بها ومجعد الشعر في شارع تصطف على جانبيه المنازل ورشات الحدادة وبعض أشجار الرمان يدعى "حارة اللقيس" بعد عائلته, ... أحد التجار من بعلبك صنع ثروة في ليبيريا وبنا مسجداً ومجمعاً تجارياً وسط المدينة.

عُـرف السيد اللقيس بالكرم والتواضع وكان يلقب بالحاج حسن و كان يدير ورشة الكترونيات تسمى" ديقيكون" ، لم يحزن على فقدانه حزبه فحسب, بل كل بعلبك " قال أحد أقرباؤه غير العضو بالحزب. يعرف الناس مدى ارتباط اللقيس بحزب الله ولم يشكوا أبدا بأهميته.لم يعتد اللقيس على السفر بوجود حراس شخصيين، قال شخص مقرب منه أنه كان حذرا فى الآونة الأخيرة وقلل من زياراته فى وجود الغرباء. ويقول آخر إن من أبناء عمومته في حزب الله أخبروه انه كان يتطلّع لنجاح مغنية " القائد المقتول" وان لديه ابن عم كان له دور أساسي في الإمساك بجنود إسرائيليين عقب اندلاع حرب 2006م.

تعتبر بعلبك بلدة مختلطة دينيا حيث يوجد بها أقلية شيعية بارزة أقل ولاء لحزب الله من العشائر القبلية أو الأحزاب الأخرى. وهى مكان ممتد للعائلات من أمثال اللقيس وتشمل أناسا من جهتي الانقسام. فمسألة خيار حزب الله العلني بعض الشيء لاستخدام الميليشيات والتي تحتملها الحكومة كونها رادع لإسرائيل ضد جيرانها العرب المسلمين.

كجزء من الكادر الفني لحزب الله الديني القيادة السياسية, فإن السيد اللقيس كان مستقراً اجتماعياً ومستقلاً, ومقيماً مع عائلته.

يقول الأخ الغير شقيق له –حكيم عواده- على صفحة الفيس بوك على الرغم من اختلاف وجهتيهما السياسية, كاتباً "بعلبك هي حبي الأوحد, تبدأ حدودها من لبنان إلى أرض الله الواسعة, من فلسطين إلى إيران إلى العراق .. إلى حيث لا أدري".

وقالت إحدى أقاربه إنّها كثيراً ما حاولت استفزاز أقارب وأصدقاء حزب الله في الكشف عن مشاعرهم تجاه سوريا، دون جدوى وقالت إن المقاتلين سوف يستدعون زوجاتهم من المعركة في القصير على الحدود ثم يعودوا إلى البلاد كما لو كانوا في نزهة.

وأضافت بأن السيد اللقيس قد علَّم بناته و"دللهن أكثر من الأولاد"، فابنته الكبرى – نور- كانت إحدى أفراد مجموعة من المدرسات الشابات في مدرسة حزب الله والتي كانت تتساءل أحياناً عن تكلفة البعثة السورية التي تسببت في مقتل العديد من الرجال, كما قال أحد المقربين من احد المدرسين مؤكدا أنه لم يكن يعرف آرائها.

في مراسم العزاء, كانت نور متفتحة الوجه متألقة فخورة بــ"شهادة" موت والدها "كان موته خسارة كبرى وذكرت أيضا كيف أن ابنها, الحفيد المفضل لدى جده كان يندفع إلى حضنه عند زيارته". لكنها قالت بأنها تلتزم بعهده.

وحين سؤالها عن سوريا قالت بحدة: "لا أهتم بذلك", ثم أضافت بسرعة: "يمكنني التحدث فقط عن والدي". وأجابت حين سئلت عما إذا كان لسوريا تدخل في موته قائلة: "الحاج يوسف لا أعداء له سوى إسرائيل".

 

 

أعلى