في أحيان كثيرة، لا يمثل اكتشاف النفط في دولة فقيرة بارقة أمل نحو الخلاص، بل يضبح اختبارًا قاسيًا للحفاظ على سيادتها. وبينما يُحتفى ظاهريًا بحق الشعوب في ثرواتها، تحول موارد البلاد إلى غنائم توزعها القوى الكبرى بحسب أهوائها
ليست كل السرقات تُرتكب في الأزقة المعتمة، ولا كل اللصوص يختبئون خلف الأقنعة. بعض
السرقات تُنجَز تحت أضواء المؤتمرات الدولية، وبمباركة المؤسسات المالية العالمية،
وبخطاب أخلاقي يفيض قلقًا على
“حقوق
الإنسان”
و“مستقبل
الأجيال القادمة”.
وفي إفريقيا، حيث تُنهَب الثروات باسم التنمية، تتجلى هذه المفارقة في صورتها
الأكثر وقاحة.
لم تكن تشاد، ذلك البلد المنسي في قلب إفريقيا، يومًا جزءًا من المخططات
الاستراتيجية للأمريكيين إلا بوصفها منطقة هامشية غارقة في الفقر المدقع والبؤس
الدائم. ففي التصور الغربي، تُعد تشاد أرضًا قاحلة وغير صالحة للحياة في معظمها،
حيث يُعتقد أن تسعين بالمائة من أراضيها غير قابلة للعيش، أما النسبة الباقية فلا
تصلح سوى لزراعة القطن في مساحة أطلق عليها الغرب دون خجل اسم "تشاد المفيدة". هذا
التصور لم ينبع من أي تعاطف أو اهتمام إنساني، بل كان مرتبطًا بوظيفة واحدة فقط:
منع ليبيا بقيادة القذافي من التمدد جنوبًا، وسد الطريق أمام نفوذه في المنطقة.
وهكذا ظل الاهتمام الأمريكي بتشاد محصورًا في اعتبارات جيوسياسية بحتة، دون أي
اعتبار لمعاناة الشعب التشادي أو احتياجاته الحقيقية.
لهذا الغرض، لم تتردد واشنطن في دعم واحد من أبشع طغاة إفريقيا: حسين حبري. رجل
حُكمت البلاد في عهده بجهاز أمني دموي، درّبته الاستخبارات الأمريكية على أساليب
استجواب لا تقل وحشية عن أسوأ كوابيس القرن العشرين. أربعون ألف معارض قضوا نحبهم
في المعتقلات، حيث كانت تشاد تؤدي دورها الوظيفي بصمت: دولة هشّة تحرس حدود النفوذ
الأمريكي.
لكن لكل طاغية تاريخ انتهاء. أُزيح حبري بانقلاب عسكري عام 1990 ، وجاء جنرال جديد
أكثر مرونة وأشدّ طاعة: إدريس ديبي. بدا المشهد، ظاهريًا، كأنه
“انتقال”
و“تغيير”.
غير أن التغيير الحقيقي لم يكن سياسيًا، بل جيولوجيًا.
|
|
الفروق بين الطريقتين، لا تعكس اختلافًا في الاستراتيجية، بل في شخصية
الفاعل. واحدة تُمارس النهب وهي تبتسم للكاميرات، والأخرى تفعله وهي تخلع
القناع. أما جوهر السياسة، فواحد |
فجأة، لم تعد تشاد بلدًا منسيًا. شركة نفط عملاقة أجرت مسوحًا سيزمية، فاكتشفت ما
يقارب المليار برميل من النفط في حقل دوبا. في لحظة واحدة، تحولت
“تشاد
غير المفيدة” إلى كنز
مدفون، وأصبح للبلد قيمة… لكن ليس
لأهله.
يا لها من وقاحة
قررت إدارة كلينتون أن عوائد النفط لا يجوز أن تُسلَّم لنظام ديبي. السبب المعلن:
الخشية من أن يسيء
“الديكتاتور
الحليف”
استخدام الأموال في قمع شعبه. خطاب أخلاقي نبيل، لولا أنه كان ستارًا لسرقة مكتملة
الأركان.
قررت إدارة كلينتون أن عوائد النفط لا يجوز أن تُسلَّم لنظام ديبي. السبب المعلن
لهذا القرار كان الحرص على عدم إساءة استخدام الأموال من قبل "الديكتاتور الحليف"
في قمع شعبه، حيث تم تسويق هذا الموقف في إطار خطاب أخلاقي يدّعي حماية حقوق
الإنسان والسعي لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. غير أن هذا الخطاب لم يكن سوى
ستار يخفي وراءه عملية استيلاء ممنهجة على ثروة البلاد، حيث انتقلت السيطرة الفعلية
على عائدات النفط من يد الدولة إلى جهات خارجية، وتحوّل الشعب من مالك للثروة إلى
متفرج على نهبها تحت ذرائع أخلاقية زائفة.
فقد
حُجزت الأموال كاملة في
حساب خاص في أحد المصارف الغربية. شركة النفط ستستخرج الخام، تمدّ الأنابيب لمسافة
مئات الأميال عبر أراضي الكاميرون، تخصم التكاليف كما تشاء، ثم توزّع
“الفتات”
بسخاء مدروس: 12.5% فقط لحكومة تشاد، و87.5% تُودَع في صندوق يحمل اسمًا شاعريًا:
“حماية
الأجيال القادمة”.
الاسم يوحي بالرعاية، لكن المضمون كان إعلان وصاية كاملة. لم تعد الدولة دولة، بل
شركة. ولم يعد الشعب شعبًا، بل ذريعة أخلاقية لتجريد بلد كامل من سيادته على ثروته.
البرلمان وافق، والدستور عُدّل، لأن الرفض في هذه الجغرافيا لا يعني سوى انقلاب
جديد يُنفَّذ عن بُعد.
وهل وصلت الأموال إلى الصحة والتعليم كما وُعِد؟ هنا تتحول المأساة إلى فضيحة
كونية.
جزء من أموال
“الأجيال
القادمة”
خُصص لشراء أسلحة أمريكية…
للنظام نفسه الذي قيل إن المال حُجز خشية فساده. مشاريع مياه لم تُنفَّذ، وشركات
تقاضت مئات آلاف الدولارات دون أن تضع حجرًا واحدًا في الصحراء. طرقٌ أُسندت إلى
أقارب الرئيس، تحولت إلى حسابات شخصية وسيارات فارهة.
كل هذا لم يحدث في القرن التاسع عشر، ولا في زمن الاحتلال الكلاسيكي، بل في أواخر
التسعينيات. دولة نفطية، نُهبت ثروتها بالكامل، ووضعت عوائدها في حسابات لا يملك
أهلها مفاتيحها، ثم أُنفقت عليهم بطريقة فاسدة تُضاف إلى أصل السرقة. المفارقة
المرة أن النفط التشادي، عمليًا، موّل شركات أمريكية، ووظائف أمريكية، وصفقات
أمريكية، فيما بقي التشادي كما كان: فقيرًا، مهمّشًا، ينتظر دوره في قائمة
“الأجيال
القادمة”، تلك
الأجيال حين قدمت بالفعل لم تجد شيئا سوى الفقر والذل والهوان، ينتظرها.
لا حاجة للأقنعة
لا يبدو الإعلان الأخير للرئيس ترامب عن
“تسليم”
فنزويلا خمسين مليون برميل من نفطها إلى الولايات المتحدة خروجًا عن السياق
الأمريكي، بقدر ما هو كشف فجّ لجوهره. فالفارق بين ما فعله ترامب وما صاغه كلينتون
في تشاد ليس فارق سياسة، بل فارق أسلوب.
فالأول لم يتكلف عناء الإخراج الأخلاقي، ولم يستدعِ البنك الدولي، ولم يُنشئ
صندوقًا باسم الأجيال القادمة، ولم يدّعِ أن النفط سيُدار نيابة عن شعبٍ عاجز عن
إدارة نفسه. قالها صراحة: النفط للأمريكيين، ويُنفق منه
–
إن شاء
– على
الفنزويليين.
أما كلينتون، فقد اختار الطريق الأطول، طريق الأقنعة: أشرك المؤسسات الدولية، وغلّف
النهب بلغة التنمية، ووضع العائدات في حسابات تحمل أسماء مطمئنة، قبل أن تتبخر كما
تتبخر كل الوعود حين تُدار الثروة من خارج الوطن. لم يصل شيء إلى الأجيال القادمة،
لأن الأجيال لم تكن يومًا هي المقصودة، بل كانت مجرد عنوان وظيفي لتأجيل الحق
ومصادرة السيادة.
الفروق بين الطريقتين، لا تعكس اختلافًا في الاستراتيجية، بل في شخصية الفاعل.
واحدة تُمارس النهب وهي تبتسم للكاميرات، والأخرى تفعله وهي تخلع القناع. أما جوهر
السياسة، فواحد:
انتزاع الثروة من أصحابها، وإعادة تدويرها داخل منظومة الهيمنة، ثم محاضرة الضحايا
عن الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.
وحين نعود إلى السؤال المركزي: كيف تعري أمريكا الشعوب من ثرواتها؟
فالإجابة لا تختبئ في خزائن سرية ولا في أرقام الحسابات، بل في بنية كاملة من
النفاق المنظم، تُجرِّد الشعوب من حقها في مواردها، لتصبح عارية تماما من خيراتها،
ثم تطالبها بالامتنان لأنها
“حُميت”
من سوء استخدامها. إنها سرقة بلا أقنعة، لأن الأقنعة
–
في هذا العصر
– لم تعد
ضرورية.