مقتل

مقتل "وسام الحسن".. نيران سوريا تشعل لبنان


 

أعدّه: مجدي داود


وسام الحسن، اسم تردد كثيراً في لبنان خلال الفترة الماضية، ويبدو أنه سيكون اسماً فارقاً في تاريخ لبنان، هو المسئول الأمني البارز في لبنان، صاحب الإنجازات الأمنية البارزة، الرجل الذي لم يستطع أعداؤه أن يظهروا عداوتهم له، أنقذ لبنان من نحو 30 شبكة تجسس صهيونية، ومن شبكات تخريب وتدمير سورية يقودها وزير سابق ويشرف عليها أحد أبرز قيادات نظام بشار الأسد، كما كان سببا في كشف بعض خيوط جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هو إذن الرجل الأسطورة في حياته وبعد مماته.

من قتل وسام الحسن؟ وما هو الهدف من قتل رجل كهذا قد يتسبب في إشعال النار في كل لبنان؟ وما مدى نجاحه في تحقيق هدفه؟.

وسام الحسن ابن الطائفة السنية المضطهدة الآن في لبنان، كان له وللجهاز الأمني الذي يرأسه دور بارز في اكتشاف المخطط التخريبي الذي حاول نظام بشار الأسد وبمساعدة حلفائه في الداخل تنفيذه في لبنان، عبر مسئولين كبار أبرزهم الوزير الأسبق ميشال سماحة، وهي ذات القضية التي أشارت الأجهزة الأمنية إلى احتمال تورط "بثينة شعبان" مستشارة بشار الأسد فيها، وكان المخطط هو القيام بعدة عمليات اغتيال لرموز سياسية لبنانية، لإشعال النار في لبنان، ودفع البلاد نحو الفوضى والحرب الأهلية.

تشكل جريمة اغتيال وسام الحسن لغزا كبيرا، فالرجل شخصية أمنية بارزة، ومثل هذه الشخصيات يكون لديها حس أمني عال جدا، ولا يمكن اصطياده بسهولة، إلا إذا كانت الجهة التي تستهدفه ذات إمكانيات هائلة، ولديها عيون في معظم الأماكن التي يتردد عليها.

وكشف مصدر مقرب من وسام الحسن أنه كان قبل أيام في مؤتمر بألمانيا، ثم سافر إلى باريس حيث تقطن عائلته بعد أن نقلهم إلى هناك لاعتبارات أمنية، وعاد إلى بيروت صباح الجمعة –اليوم الذي حدثت فيه عملية الاغتيال- واستقل سيارة صغيرة في الطريق إلى مكتبه، فيما تحرك موكبه الرسمي في اتجاه آخر –ما يعني أن الرجل ربما كان يخشى من شئ ما أو لديه شكوك أو معلومات معينة- وأوضح المصدر أن من كان يراقب الحسن عرف أنه استقل السيارة الصغيرة قبل اغتياله.

هذه الأحداث والمعلومات تكشف أن القاتل كان يراقب وسام الحسن جيدا، وكان يعرف موعد عودته من السفر بالضبط، وراقبه خلال تحركه إلى مقر عمله، وانتهز فرصة استقلاله سيارة وصغيرة وابتعاده عن الموكب، فنفذ مهمته سريعا.

تشير كل أصابع الاتهام إلى نظام بشار، وهذا هو ما قاله سعد الدين الحريري زعيم تيار المستقبل الممثل الأكبر للسنة في لبنان، ووليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وسمير جعجع رئيس حزب القوّات اللبنانية، والكثير من الإعلاميين والساسة اللبنانيين، ويرون أن الدافع لذلك هو دور الحسن في كشف المخطط التخريبي مؤخرا، ولكونه خازنة أسرار الدولة اللبنانية، كما يرى آخرون أن النظام السوري استعان بحليفه الأمين في لبنان حزب الله في اغتيال الرجل.

إن هدف نظام الأسد من وراء عملية اغتيال الحسن، ليس فقط مجرد الانتقام منه، بل إن المراقبين يرون أن غياب وسام الحسن عن الساحة اللبنانية، يمثل مكسبا كبيرا لنظام الأسد، وذلك أن غياب الحسن سيمكن نظام الأسد من تنفيذ مخططه التخريبي في لبنان، وتصفية القيادات السياسية والدينية التي تدعم المعارضة السورية، مثلما تم تصفية الشيخ عبد الواحد في طرابلس قبل شهور، كما أنه سيكون طليقة اليد في مطاردة رموز المعارضة السورية في لبنان، ومنع الإمدادات والدعم الذي يرسله اللبنانيون إلى أهل سوريا لتمكينهم من الصمود في وجه نظام الأسد.

ويعزز من هذا الأمر، ما ذكرته صحيفة "الديار" اللبنانية المقربة من نظام الأسد، والتي التي تنسق دعايتها السياسية مع اللواء السوري علي مملوك، المطلوب في قضية ميشال سماحة، يوم الخميس 18 أكتوبر 2012 أي عشية اغتيال الحسن، من أن هناك معلومات مؤكدة أن "الحسن يوزع السلاح علناً على الأصوليين وعلى الإسلاميين، من بلدة القلمون حتى حدود عكار، وهو يحضّر لهجوم من الجهة اللبنانية بعد تسليح حوالى 10 ألاف شاب لبناني من الأصوليين، يتمركزون في وادي خالد واكروم، للهجوم على سوريا من شمال لبنان في مرحلة لاحقة عندما يظهر ان النظام في سوريا قد أصبح ضعيفاً"، وأوردت الصحيفة تفاصيل كثيرة عن هذا المخطط المزعوم.

كما كشفت إذاعة الجيش الصهيوني عقب مقتل وسام حسن، أنه كان يجند شباب السنة في لبنان للقتال في صفوف الجيش السوري الحر، وأن النظام السوري أعطى حزب الله الضوء اﻷخضر لاغتياله، بعد أن توافرت لديه المعلومات التي تؤكد مساعدته للجيش الحر.

ويهدف نظام الأسد من اغتيال الحسن في هذا التوقيت أيضا، إلى صرف أنظار العالم عما يحدث في سوريا من جرائم ومجازر، حيث يعاني نظام الأسد من تزايد ضربات المقاومة الموجعة، في وقت تعجز فيه قواته عن إلحاق الضربات الموجعة بالكتائب المسلحة، وتفيد التقارير التي تصل الأسد أن استمرار الثورة لفترة طويلة يهدد وجودة في ظل هذه الضربات الموجعة، كما أن هناك تقارير تفيد بأن نظام الأسد يسعى إلى استخدام أسلحة كيميائية في فصل الشتاء، ولكن الانتظار حتى الشتاء يعني استمرار تقدم المعارضة، فيبدو أنه قرر تصعيد المجازر والجرائم في سوريا، وهذا قد يجلب الكثير من النقد ويصعب موقفه دوليا، فأراد إذن أن يكون اغتيال وسام الحسن مقدمة لتفجير الساحة اللبنانية بمن فيها من مكونات، لإجبار العالم على نقل اهتمامهم من سوريا إلى لبنان، والعمل على احتواء الأزمة هناك، وترك الساحة السورية بلا اهتمام ولا تركيز ليفعل الأسد فيها ما يشاء.

يقول الكاتب الصحفي وأستاذ علم الاجتماع السياسي محمد الرميحي في مقاله بالشرق الأوسط "صرف أنظار العالم عما يحدث في سوريا أصبح أولوية للنظام السوري وحلفائه، واستراتيجية يتم تفعيلها، واغتيال وسام الحسن أُريد به أن يكون مقدمة لتفجير الساحة اللبنانية بمن فيها من مكونات، لإجبار العالم على الالتفات إلى تلك الساحة المتشعبة وكثيرة الدروب المظلمة، وبالتالي الابتعاد عما يحدث في مدن وقرى سوريا من قتل وتشريد، كما أن القتل تم ليس بعيدا عن سكنى الأخضر الإبراهيمي، الذي كان في لبنان وقتها، لإضافة رسول آخر يحمل ذات الرسالة".

ويكشف الكاتب الصحفي إلياس خوري عن جانب آخر لتلك الجريمة حيث قال في مقاله بالقدس العربي "ما يسعى إليه النظام السوري هو الإيحاء بأنه قادر على إعادة لبنان إلى مربع الحرب الأهلية الأول، لذا قتل الحسن في سياق حرب بين الأجهزة الأمنية، وكي يرهب الجميع، لأن من تجرأ على مستشار الرئيس السوري ميشال سماحة ووجه مضبطة اتهام ضد علي المملوك يجب ان يموت كي ينفتح الباب مجددا أمام لعبة الابتزاز الأمنية التي لا يتقن النظام الأسدي سواها".

ولقد نجح الأسد في تحقيق هدفه بشكل مبدئي، فسريعا ما اندلعت الاشتباكات في لبنان بين أنصار المعارضة من أهل السنة حيث ينتمي وسام الحسن الذين طالبوا رئيس الحكومة "نجيب ميقاتي" بالاستقالة من منصبه، وهو سني ولكنه من فريق حزب الله و8 آذار، وبين أنصار الحكومة وقوات الأمن، وحاول أنصار المعارضة اقتحام السراي الحكومي، ورغم محاولات ونداءات قادة المعارضة سعد الحريري وفؤاد السنيورة بالابتعاد عن السراي الحكومي وفض الاعتصامات والانسحاب من الشوارع حتى لا يتأزم الوضع المتدهور أصلا، إلا أن ذلك لم يمنع من تجدد الاشتباكات وانتقالها إلى طرابلس وسقوط خمسة قتلى وعشرات المصابين حتى الآن.

لكن يبقى نجاح الأسد في تحقيق أهدافه مرتبط بمدى وعي المعارضة السنية في لبنان، وإدراكها للهدف الحقيقي لعملية الاغتيال، والحكمة في التصرف وقيادة الجماهير المعارضة، وأول الخطوات التي يجب اتخاذها هو منع التدهور في الشوارع، والعمل الجاد لوقف أي اشتباكات مسلحة فور اندلاعها، حتى لا تتسارع الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، وبذلك يكون الأسد قد مجح في تحويل الأنظار عما يفعله في سوريا.

ويجب على أهل السنة في لبنان تحديد مطالبهم السياسية بعد هذه الجريمة، والبعد عن محاولات جنى المكاسب السياسية، وإدراك حقيقة أن إسقاط رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في ظل هذه الظروف، سوف يجعل لبنان في حالة فوضى عارمة، لأنه سيحدث فراغا كبيرا في السلطة يهدد استقرار البلاد، وسيجعلها رهينة لسلاح حزب الله الموالي لنظام الأسد ونظام الملالي في إيران، في وقت هم ليسوا قادرين فيه على المجئ برئيس للحكومة يحقق الأمن للبلاد ويكبح جماح حزب الله ويوقف العبث السوري في لبنان، لأن الأغلبية البرلمانية هي لحزب الله وعصابته.

يقول الكاتب الصحافي غسان الإمام "المشكلة أن لبنان الرسمي بات وديعة لدى «حزب الله» العراب الحقيقي للحكومة الميقاتية. وحزب الله وديعة لدى إيران. والدليل الأخير طائرة التنك (أيوب) التي طيرها الحزب لحساب إيران، في أجواء إسرائيل والضفة المحتلة. فهل يملك العماد ميشال صبر أيوب، وحكمة سليمان ليطير حكومة ميقاتي، من دون أن يزعج الحزب. ونجاد. وبشار؟".

إن الحكمة والبعد عن المصالح الشخصية والمكاسب السياسية القريبة، والعمل لمصلحة لبنان والمصالح الطويلة المدى لأهل السنة، وإدراك مخططات بشار الأسد وحلفائه جيدا، هو المسلك الوحيد للحفاظ على لبنان ومنع اشتعاله.

:: موقع مجلة البيان الالكتروني

 

أعلى