لماذا حلب؟!

لماذا حلب؟!


يوصف الهجوم الكبير على مدينة حلب في شمال سورية وبحق بأنه معركة على مستقبل الدولة. والأنباء عن جريان المعركة متناقضة، فمن جهة تزعم قوات التمرد أنها سيطرت على ستة أحياء في المدينة وعلى الممر المهم إلى تركيا.

وينكر النظام ذلك بصورة جازمة ويزعم من قبله انه نجح في إبعاد المتمردين عن عدد من المواقع في المدينة. لكن كثافة الهجمات ومشاركة سلاح الجو والقصف الذي لا يتوقف وعدد القتلى الكبير تشهد على أهمية المعركة.

تكمن أهمية احتلال المتمردين لحلب قبل كل شيء في أنها ثاني أكبر مدينة في سورية تُعد عاصمة الدولة الاقتصادية في مقابل المدن الأخرى مثل درعا وإدلب بل حمص التي لم تكن انتصارات الجيش السوري الحر فيها قادرة على جعل النظام ينهار.

وفي المقابل فان سلبية حلب إلى الأسابيع الأخيرة عززت زعم الاسد الذي قال إن "الشعب مع النظام".

إن 2.5 مليون ساكن في حلب ونحو مليون مواطن آخر في بلدات المحافظة هم في أكثرهم سنيون لكن المدينة رعاها الاسد الأب والابن لتكون ركيزة اقتصادية. ويسكنها اليوم كثير من موظفي الحكومة ذوي رتب مختلفة. فمجرد انضمام سكان المدينة إلى التمرد تحول حاد إذا أفضى إلى سقوط المدينة في أيدي المعارضة فقد يُعظم العصيان في دمشق بل قد يُسبب انهيار النظام.

إن سيطرة حلب على الممر الحيوي إلى تركيا وقربها من الحدود التركية يجعلانها هدفا مفضلا لإنشاء منطقة أمنية وقاعدة عسكرية لوجستية ومدنية قد يحدث فيها تدخل عسكري أجنبي ولا سيما تركي، والى هذا تطمح تركيا أيضا. إذا نشأت في حلب منطقة أمنية كهذه تستطيع المعارضة أيضا أن تعود إلى سورية بل تستطيع أن تنشئ فيها حكومة مؤقتة من داخل المنطقة. وذلك بخلاف الوضع الحالي الذي توجد فيه المعارضة في خارج حدود الدولة، وهي حقيقة تعوق قادتها عن زعم أنهم شركاء نشطاء في التمرد.

لهذا السبب تُشبه حلب ببنغازي في ليبيا حيث نجحت المعارضة والقوات المنشقة عن الجيش في أن تنشئ مركز سيطرة وإدارة خرجت منه في حملة احتلالها لسائر أجزاء الدولة.

وهذا التشبيه مُغر، لكن الظروف في سورية مختلفة لأن القوات المقاتلة في سورية ما تزال إذا ما قيست بليبيا يصعب عليها أن تبني لنفسها قيادة متفقا عليها تخضع لقيادة واحدة.

ما يزال يبدو أن كل عصابة مسلحة أو 'كتيبة' تحكم المناطق المعروفة لها مع تنسيق ضعيف، هذا إلى انه توجد مشاحنات بين المتمردين أنفسهم إما بسبب عرقي وإما بسبب ديني وإما بسبب سيطرة على مواقع حيوية تمهيدا للفترة التي تلي الأسد.

بحسب أنباء مختلفة تتنافس في المعركة من خارج حلب عشرات المنظمات التي تؤيدها دول مختلفة. ومشاركة السعودية وقطر وايران والعراق وكردستان وتركيا والولايات المتحدة أيضا في المدة الأخيرة في التمويل والتسليح أصبحت حقيقة مكشوفة، لكن هذه المشاركة ايضا لا تنجح في توحيد الصفوف بين أجسام المعارضة لأنه لا يوجد لبعض الدول كإيران أو العراق اهتمام ألبتة في ذلك وهي تعتمد خاصة على الانقسام باعتباره أداة للتأثير في سورية في المستقبل.

وهنا تكمن أهمية كبيرة أخرى لاحتلال حلب، فالاستيلاء على المدينة قد يُهيىء عنوانا واحدا لا للمعارضين وحدهم بل للدول التي تؤيدهم، ويُمكّن من مساعدة أكثر تنظيما وكثافة برعاية دولية كانت تعوزهم إلى الآن، وقد يكون هذا أيضا نقطة تحول بالنسبة لروسيا والصين اللتين ما تزالان تؤمنان بقدرة الاسد على احتلال الدولة من جديد.

واحتلال حلب قد يسبب في نهاية الأمر أيضا انشقاقات جماعية أكثر كثيراً مما حدث إلى الآن لأن عائلات كثير من الضباط الكبار تسكن المدينة وهرب كثير منها إلى تركيا أو لبنان.

تسفي برئيل - صحيفة هآرتس

أعلى