محاكمة مبارك.. براءة مجرم

محاكمة مبارك.. براءة مجرم


إن المقدمة السياسية التي ألقاها رئيس المحكمة أحمد رفعت أشعرت المتابعين للمحاكمة بأن مبارك لا يستحق أقل من الإعدام، لكن مع الآسف الأمر لم يكن كذلك لأن القاضي الذي أخطأ في آيات القرآن الكريم لا بد أن يكون واحدا من أثنين إما جزءا من نظام فاسد و إما جبان جلس في مقعد هو غير أهل له.  تحدث عن دور المخلوع في إفساد الحياة السياسية المصرية و العشوائيات و الفقر والبطالة و عرج على مصائب مصر كلها، لكنه رفض أن ينصف بلده في نهاية المطاف.

الشعب المصري بدوره غضب كثيراً من الحكم الذي حتى المسؤولين بشكل مباشر عن الجرائم من قيادات الأجهزة الأمنية قد تم تبرأتهم من الجرائم التي نسبت إليهم، وخرج الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بإعدام مبارك وتنديداً بالحكم الصادر بحق مبارك و حاشيته، وكانت محكمة جنايات القاهرة قد حكمت على مبارك ووزير داخلتيه حبيب العادلي بالسجن المؤبد بقضية قتل المتظاهرين، غير أنها برأت ستة من كبار مساعدي العادلي، كما أسقطت اتهامات بالفساد المالي ضد مبارك ونجليه علاء وجمال ورجل الأعمال الهارب حسين سالم بانقضاء أجل الدعوى الجنائية.

بعض الناشطين في الشارع المصري يقولون إن جهات أمنية أخفت الأدلة، وطالبوا بتشكيل لجنة لجمع الأدلة، ووصفوا المحاكمة بأنها إعادة صياغة النظام بوجه جديد هو أحمد شفيق.

ليس عدلا أن يقتل أكثر من 800 شخص في شوارع مصر خلال أقل من عام ويبرأ قاتلهم، ناهيك عن جرائم كثيرة لم تذكر مثل صفقة الغاز و حرائق القطارات التي تسببت بوفاة المئات في عهده بالإضافة إلى العبارة المصرية سلام98 .. و سكان العشوائيات ومعركة الجمل، وسكان المقابر، أليس كل هذه الجرائم خلفها مجرم يستحق الإعدام؟!

علي عبد الفتاح القيادي بجماعة الإخوان المسلمين اعتبر الحكم بمنزلة صدمة لأهالي الشهداء وجموع المواطنين، إذ تم تبرئة جمال وعلاء من قضايا الفساد المالي وهما اللذان لم يتركوا مؤسسة أو شركة، إلا واستغلوا نفوذهم بها كما تم تبرئة أعوان العادلي.

من جانبه طالب المحامى بهاء الدين أبو شقة، محكمة النقض بتفعيل الإضافة الجديدة للمادة 39 من قانون 57 لسنة 59 الخاص بإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الذي أجاز للنقض بسرعة الفصل بالقضية إذا كانت صالحة لذلك، خاصة أن مطالب الدفاع تم تلبيتها في الجولة الأولى للمحاكمة.

وأضاف أبو شقة، أن "ما يعده قطاع من المواطنين حول وجود تضارب في الحكم من إدانة مبارك والعادلى وتبرئة مساعديهم سيكون سببا رئيسيا من أسباب النقض، خاصة و أن القانون المصري جعل التقاضي على درجات، فالمشرع افترض أن أي حكم ليس مجردا من العيوب، وأعطى الحق لمن لا يعجبه الحكم بالنقض عليه."

وتساءل طارق الخولي منسق حركة 6 ابريل "كيف يتم إدانة مبارك والعادلي و تبرئة مساعديهم؟" وقال إن الجميع يعرف من أطلق الرصاص على المتظاهرين، مطالبا بتشكيل لجنة مستقلة لجمع الأدلة بتلك القضية.

من جانبه قال عبدالله الأشعل مساعد وزير الخارجية السابق :" إن المحاكمة غير عادلة، و الهدف منها دعم شفيق". وطالب باتحاد المصريين خلف مرشح واحد.

وأكد الدكتور عماد عبد الغفور رئيس حزب النور السلفي، أن "هناك اعتراض جماهيري فيما وصفها بتناقضات الحكم ببراءة مساعدي وزير الداخلية على الرغم من إدانة العادلي ومبارك، فضلاً عن تأكيد المحكمة بعدم وجود أدلة تثبت تورطهم بقتل المتظاهرين متسائلا "هل قتل الشعب نفسه؟"

الصهاينة حزنوا

وعلى مبارك حزن الصهاينة كثيراً وعبر بعضهم عن أسفهم لإصدار حكم بالسجن المؤبد على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، يوم السبت، قائلين إنه كان "قائداً فذاً" وزعيماً رمزاً."

وأعرب النائب في الكنيست بنيامين بن إليعيزار عن "بالغ أسفه لفرض عقوبة السجن المؤبد على الرئيس المصري السابق،" معتبراً إياه "أحد القادة الأفذاذ."

ونقلت الإذاعة الصهيونية عن بن إليعيزار، قوله إن "مبارك كان قد تمكن من تحويل مصر إلى دولة محورية في المنطقة."ورأى بن إليعيزار، الذي عُرف بعلاقته الوثيقة بمبارك وفقا للإذاعة، أنه "تم إباحة دم الأخير،" معتبراً أنه "كان يجدر بالمحكمة المصرية الرأفة برجل أفنى عمره في تكريس أمن مصر وتنمية اقتصادها."

ومضى يقول إن "مبارك كوَّن علاقات مع الكيان الصهيوني من منطلق اعتبار السلام بين البلدين ركيزة ذات أهمية إستراتيجية."

كما انتقد نائب الوزير الليكودي أيوب قرا الحكم الصادر بحق الرئيس المصري السابق، معتبراً إياه "دليلاً على التوجه الخاطئ للثورة المصرية وصفعة للإدارة الأميركية."ورأى قرا، وفقا للإذاعة الصهيونية، أن "العالم الحر سيدفع الثمن باهظاً على إهماله زعيم صار رمزاً للتطلع إلى تحقيق السلام في المنطقة."

الاستقواء و الابتزاز

من جانبه تحدث فهمي هويدي في مقالة عن الإنتخابات المصرية والمنافسة بين المرشحين قائلا:"سمعت قصة من الباحث الفلسطيني المخضرم عبدالقادر ياسين خلاصتها أن مؤتمر القمة العربي كان قد شكل في عام 1983وفدا برئاسة الملك الحسن الثانى للسفر إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأسبق رونالد ريجان، الذي كان قد قدم مبادرة خاصة بالقضية الفلسطينية وكانت للملك فهد مبادرة أخرى حول الموضوع ذاته. وحين عاد العاهل المغربي إلى بلده سأله أبوعمار عما تم في اللقاء. وكان ممَّا قاله الحسن الثاني ان ريجان سألهم لماذا يرتدى عرفات تلك الخرقة المربوطة بحبل التي يضعها فوق رأسه؟ ــ حينذاك سأل عرفات: ماذا كان ردكم عليه، فقال الملك إننا سكتنا، وحينئذ علق عرفات قائلاً، ليتكم قلتم له أعطوا الفلسطينيين حقهم وسأرتدي لهم بدلة «سموكنج».

وتابع هويدي قائلا :"المشترك بين القصتين أن من يستشعر القوة في أي مفاوضات لا يكف عن فرض شروطه، وأن الطرف الأضعف إذا ما قرر التنازل فإن مقابله الأقوى سيظل يضغط ويتدلل حتى يعرى الأضعف أو يلغيه تماما".

ويكمل الكاتب :"حضرتني هذه الخلفية حين تابعت خطاب الأطراف التي لم يحالفها التوفيق في انتخابات الرئاسة المصرية، ولاحظت أن الإخوان خسروا خمسة ملايين صوت، رغم أن مرشحهم الدكتور محمد مرسى احتل المرتبة الأولى، ودخل الإعادة مع الفريق أحمد شفيق. بعدما حصل كل منهما على نحو ربع الأصوات. (كل واحد حصد 5 ملايين صوت تقريبا). وأدرك هؤلاء أن المرشحين في موقف ضعيف نسبيا، وأن نصف الأصوات موزعة على القوى الأخرى، خصوصا المرشحين عبدالمنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي (الاثنان حصلا على نحو تسعة ملايين صوت)".

ويرى هويدي أن الفريق شفيق يعُّد امتداداً واستنساخاً لنظام مبارك، فإن رفضه من جانب أغلب الأطراف والمجموعات السياسية الأخرى، لذلك فان الضغط استهدف الدكتور محمد مرسى بالدرجة الأولى. وتنافست تلك المجموعات في محاولة إلزامه بشروطها، التي بعضها تعجيزى، ولم يحدث البعض الآخر في أى مرحلة من مراحل التاريخ المصري. فقد اقترح عليه البعض أن يخرج من السباق تماما ويتنازل للمرشح الثالث (!). وطالبه آخرون بأن يقر من الآن بتعديل المادة الثانية من الدستور بحيث لا تنص فقط على أن مبادئ الشريعة هي مصدر القوانين، وإنما عليه أن يقر أيضا باشتراط ألا يتعارض ذلك مع المواثيق الدولية، التي تعد في هذه الحالة حاكمة ومقدمة على مبادئ الشريعة. وعرضت علينا من خلال التليفزيون شروط أخرى بينها شرط يقضى بأن كل قرارات رئيس الجمهورية ينبغي أن يوقع عليها نائب الرئيس، الذي يملك بمقتضى ذلك حق «الفيتو» على قرارات الرئىس. وسمعنا أحدهم يطالبه بزيادة الرواتب ومضاعفة معاشات الضمان الاجتماعي ثلاثة أضعاف، بصرف النظر عما إذا كانت الميزانية تسمح بذلك أم لا...إلخ.

ويتحدث هويدي عن نفسه قائلا :"لقد دعوت الإخوان من قبل إلى طمأنة الرأي العام، وأشرت إلى عدة أفكار في هذا الصدد، بينها تعيين رئيس وزراء من غير الإخوان وتشكيل حكومة ائتلافية تضم أبرز القوى والكفاءات، والإعلان عن احترام الحريات الخاصة، إلى جانب احترام مبدأ المواطنة وكفالة حرية التعبير والإبداع. كما تحدثت عن تمثيل الأقباط والنساء في أعلى مؤسسات الدولة، وأضيف الإعلان بوضوح عن رفض فكرة الدولة الدينية. وكان رأيي و لايزال أن إيضاح الموقف إزاء مثل هذه العناوين يفتح الباب للطمأنة المنشودة. لكنى وجدت أن الأمر وصل إلى حد الاستقواء والابتزاز ومطالبة الرجل بالتنازل عن أبسط مقومات مشروعة. إضافة إلى تكبيله وتعجيزه عن العمل. وهو ما يسوغ لي أن أقول إنه إذا كان الإخوان قد اتهموا بالاستحواذ فإن القوى الأخرى مارست الابتزاز والإقصاء.

ويضيف الكاتب بأنه ليس في موقف للدفاع عن أخطاء الاخوان لكن يقول إن ابتزاز مرشحهم للرئاسة على هذه الصورة التي يصعب القبول بها هو بمثابة تقوية لمنافسه الفريق شفيق ودعوة غير مباشرة لإنجاحه. وحينئذ لن يكون الخاسر هو الدكتور مرسى وحده، ولكنه الوطن والثورة وأولئك الذين يتسابقون على فرض الشروط، التي لم يكن منها مطالبة الدكتور مرسى بحلق لحيته.

أما الدكتور عبد الحليم قنديل رئيس تحرير صحيفة صوت الأمة فقد رأى أن محاكمة مبارك اصطدمت بقداسة الشهداء الذين سقطوا من أجل مصر، مشيراً إلى أن الحكم يعطى رخصة القتل للنظام السابق الذي يستعيد هيئته الآن ويقول له، "اقتل بقلب جامد وستبرأ".

وقال قنديل، إن مجلس الشعب الحالي في يده جزء من السلطة المتمثلة في التشريع، والتي يستطيع بموجبها تفعيل القانون القائم لإنشاء محاكمة جديدة تليق بالثورة، خاصة في جرائم قتل المتظاهرين قائلا، "سيكون هذا اختبار لنيات الإخوان وحزبهم الحرية والعدالة ومرشحهم الدكتور محمد مرسى، خاصة أن قانون العزل السياسي تم دهسه بالنعال ولم يتحرك مجلس الشعب ويتخذ رد فعل على ذلك، وجوهر المحاكمات الثورية ليس الانتقام وإنما هو قطيعة الماضي لعدم إعادة إنتاجه مرة أخرى".

:: موقع مجلة البيان الالكتروني

 

أعلى