في أوائل السبعينات بدأت منظمة التحرير الفلسطينية عملياتها ضد اسرائيل من الجنوب اللبناني بعد أن أرغمها العرب على الانسحاب من الأردن، لم تهدأ اسرائيل حتى حرضت الطائفة المارونية المسيحية في لبنان على الفلسطينيين، بزعم أن الفلسطينيين وهم من السنة سيزيدون من الضغط الديموغرافي لأهل السنة في البلاد، بحيث سيشكلون ليس الطائفة الأكثر عددا في لبنان فقط، بل ستكون الطائفة ذات الغالبية في لبنان الذي تعيش فيه أكثر من 18 طائفة، لتبدأ الحرب الاهلية في لبنان.

ولكن عندما كان تحالف أهل السنة والشيعة والدروز مع الفلسطينيين على وشك الحاق الهزيمة الكاملة بالتحالف الماروني الإسرائيلي، أعطت اسرائيل الضوء الأخضر لحافظ الاسد لدخول لبنان وهزيمة الفلسطينيين وأهل السنة، بعد انسحاب الشيعة والدروز من هذا التحالف الذي انحصر في سنة لبنان مع الفلسطينيين، ولكن نجح عرفات في الاحتفاظ بقوته العسكرية واستمرت العمليات الفلسطينية ضد اسرائيل انطلاقا من الجنوب.

عند ذلك طورت إسرائيل من تحالفها مع المسيحيين عام 1976، لتصنع ميليشيات مسيحية من سكان الجنوب اللبناني بزعامة أحد العسكريين المنشقين عن الجيش اللبناني وهو سعد حداد ثم أنطوان لحد بمباركة خفية من القادة المسيحيين الآخرين، وأطلقت على هذه المليشيا جيش لبنان الجنوبي، وقد خدم عدد كبير من شباب قرى جنوب لبنان الشيعة في جيش لبنان الجنوبي وكانوا يومها عملاء وبيئة حاضنة للاحتلال، ولكن الفلسطينيين ومعهم سنة لبنان في الجنوب لم يرضوا عن هذا الجيش واستطاعوا تكبيده خسائر فادحة، ومن ثم استأنف الفلسطينيون عملياتهم ضد الكيان الصهيوني انطلاقا من الجنوب اللبناني.

وهذا كله دفع الكيان الصهيوني لتغيير خطته، ففي عام 1982 غزت اسرائيل لبنان حين دفعت إليها ضعف عدد القوات التي واجهت بها مصر وسوريا في حرب أكتوبر 1973، كان هدف إسرائيل المعلن بدون مواربة اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان أي انهاء الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، ثم واصلت إسرائيل تقدمها حتى حاصرت عرفات وقواته في بيروت الغربية معقل السنة والفلسطينيين، ومن ثم أجبرت عرفات على الانسحاب بعد حصاره في بيروت وشجعت الموارنة على اقامة مذابح للفلسطينيين في مخيمات صبرا وشاتيلا.

وبعد تزايد الضغوط الدولية في أعقاب هذه المذبحة، انسحبت القوات الإسرائيلية من بيروت لتقيم حزام أمني يمتد حوالي 40 كيلومتراً من الجنوب اللبناني لحماية شمال إسرائيل.

وقد لقى الاجتياح الاسرائيلي تشجيع شيعة لبنان وترحيبهم بالتدخل الاسرائيلي في جنوب لبنان وإنهاء الوجود الفلسطيني المسلح به.

وتظهر صور وفيديوهات مسيرة نظمها الشيعة في لبنان ابان الاجتياح الإسرائيلي، حيث صورة المعمم موسى الصدر الى جانب أخرى لقائد جيش لحد في جنوب لبنان، كما تظهر نساء قرية بنت جبيل الشيعية يهللون ويزغردون وينثرون الأرز فوق رؤوس الجنود الاسرائيليين فرحاً.

ويقول الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل بالنص في لقاء له سابق منذ عدة سنوات على قناة الجزيرة: لا ننسى أن قبل أن يصل جيش إسرائيل إلى بيروت، كان الأهالي من الشيعة في جنوب لبنان ينثرون الأرز والرياحين، ويبرر ذلك بأنهم عانوا من الممارسات الفلسطينية في الجنوب اللبناني، ويواصل الجميل فيقول: إن الشيعة سبقونا أي الموارنة.

ولكن ما لم يقله الجميل أن هناك أحد أفراد عائلة من أكبر عائلات الشيعة الغنية والتي تعرف بالتدين في لبنان وهي عائلة الحاج، ويدعى أمين عباس الحاج وبعض أقاربه يخدمون في مواقع قيادية بصفوف حزب الله ومنهم شقيقه فاضل عباس الحاج مدير الدائرة القضائية في حزب الله، كان عميلا لإسرائيل أو بالأحرى وصلة الربط بين المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وبين الزعيم الماروني المتعصب كميل شمعون.

يقول أمين عباس الحاج في حوار مع صحيفة أيديعوت أحرنوت الإسرائيلية عام 2014: إنه يضمر كراهية الكبيرة للفلسطينيين، ويقول إنه قتل عددا منهم خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وأن الرئيس الراحل كميل شمعون هربه من جنوب بيروت لشرقها نتيجة التهديدات بالقتل التي تلقاها من جهات فلسطينية ولبنانية، وبعد ذلك انضم الحاج للعمل مع شمعون كمساعد ومن ثم كرئيس لحرسه الخاص، وأصيب في انفجار سيارة استهدفت الرئيس شمعون، وخلال ذلك اطلع على علاقات سرية بين إسرائيل وبين الكتائب اللبنانية ولاحقا عين ضابط الاتصال اللوجستي معها.

ويذكر الحاج في حديثه مع الصحيفة الإسرائيلية: أن الشيعة استقبلوا الجيش الإسرائيلي في اجتياح 1982 بالأرز والورود والزغاريد.

وفي تصريح لصحيفة معاريف الإسرائيلية عام 1997 يقول ضابط إسرائيلي من المخابرات: "إن العلاقة بين إسرائيل والسكان اللبنانيين الشيعة غير مشروطة بوجود المنطقة الأمنية، ولذلك قامت إسرائيل برعاية العناصر الشيعية وخلقت معهم نوعاً من التفاهم للقضاء على التواجد الفلسطيني والذي هو امتداد للدعم الداخلي لحركتي حماس والجهاد".

بعدها وفي اتفاق غير مكتوب تسلم الشيعة حكم الجنوب من اسرائيل وتعهدوا بضمان امن اسرائيل والاستمرار في منع اي وجود فلسطيني مسلح...اما المناوشات او حتى القتال إذا حدث فهو على تعريف الخطوط الحمر بين الطرفين مثلما حادث الآن بين اسرائيل وإيران.

في البداية استعانت إسرائيل بحركة أمل كممثل للشيعة في لبنان، وحسب ما جاء في صحيفة جروزاليم بوست الاسرائيلية في عددها الصادر عام 1985 "إنه لا ينبغي تجاهل تلاقي مصالح إسرائيل التي تقوم على أساس الرغبة المشتركة في الحفاظ على منطقة جنوب لبنان، وجعلها منطقة خالية من أي هجمات ضد إسرائيل.. إن الوقت حان لأن تعهد إسرائيل إلى (أمل) بهذه المهمة.

وفي هذا كتب توفيق المديني وهو باحث في مركز الدراسات الفلسطينية بدمشق: إن حركة أمل التزمت من جانبها بمنع رجال المنظمات الفلسطينية من التسلل إلى مناطق الجنوب، للقيام بعمليات مسلحة ضد الجيش الإسرائيلي وضد مستوطنات الجليل في شمال فلسطين المحتلة.

ولكن إيران لإحكام السيطرة على القرار الشيعي في لبنان عملت على تحجيم حركة امل وزعيمها، الذين ينفذون أجندة الأسد أكثر من تنفيذهم للأجندة الإيرانية، وبسيطرة حزب الله على حركة أمل بعد اشتباكات عسكرية بينهما، ورضوخ نبيه بري زعيم الحركة للنفوذ الايراني خاصة بعد أن بات الأسد في سوريا رهين لهذا النفوذ أيضا، كان لزاما على اسرائيل أن تتعامل مع حزب الله.

ويكشف صبحي الطفيلي الأمين العام السابق للحزب عن هذه العلاقات في أحاديثه المختلفة سواء في القنوات الفضائية أو الصحفية، ففي لقاء تلفزيوني مع قناة نيو تي في اللبنانية ضمن برنامج بلا رقيب أواخر عام 2003 صرح الطفيلي: من أراد أن يتثبت من كون حزب الله أصبح حاميا لحدود إسرائيل فباستطاعته أن يأخذ سلاحا ويتوجه إلى الحدود ويحاول أن يقوم بعملية ضد العدو الصهيوني، لنرى كيف يتصرف الرجال المسلحون هناك، لأن كثيرين ذهبوا إلى هناك والآن هم موجودون في السجون فقد تم اعتقالهم على يد هؤلاء المسلحين.

إن الوجود الشيعي المسلح في لبنان سواء تمثل في حركة أمل أو حزب الله، هو ذراع لإيران في لبنان، وبالذات فإن حزب الله حريص على اظهار تلك الحقيقة وعدم اخفاءها، ودأب قادة الحزب على أن تكون تصريحاتهم معبرة عن ذلك التوجه، وأشهرها البيان الصادر عن الحزب في فبراير ١٩٨٥، وفيه أن الحزب "ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة"، وكثيرا ما يردد حسن نصر الله زعيم الحزب أن الحزب هو إيران في لبنان.

كانت هذه الاطلالة التاريخية في العلاقات الشيعية الإسرائيلية ضرورية للتذكير بالدور المشبوه للشيعة والمناوئ لتطلعات الأمة الإسلامية، والذي يعد دور متحالفا ومتقاطعا مع أدوار أعداء الأمة الآخرين سواء الصهيوني منه أو الغربي.