• - الموافق2026/11/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الخلاف بين تركيا وأذربيجان.. إلى أين تتجه العلاقات بين الحليفين؟

تواجه العلاقات التركية الأذربيجانية اختبارًا غير مألوف. أزمة الحجاب أشعلت التصريحات، وغياب علييف عن قمة أنقرة زاد التساؤلات، فهل تصمد الشراكة الاستراتيجية أمام خلاف السيادة والهوية، أم أن شرخًا جديدًا بدأ يتسع بين الحليفين؟


تمر العلاقات بين تركيا وأذربيجان بواحدة من أكثر مراحلها حساسية في السنوات الأخيرة فمن خلاف على قواعد الزي المدرسي إلى تبادل الاتهامات والقيود الدبلوماسية وصولًا إلى غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن قمة الدول التركية في أنقرة، وبينما تتمسك أنقرة برفضها منع الطالبات المحجبات من التعليم تؤكد باكو أن تنظيم المدارس شأن داخلي لا تقبل التدخل فيه، لكن هل تتحول هذه الأزمة إلى شرخ في التحالف الذي يصفه البلدان بأنه قائم على الأخوة والمصالح المشتركة أم أن الطرفين سيجدان مخرجًا يحفظ العلاقة الاستراتيجية ويمنع الخلاف من التوسع؟

أزمة الحجاب.. عندما تصطدم الاعتبارات الدينية بمبدأ السيادة

ففي سبتمبر 2026 أقرت السلطات الأذربيجانية قواعد جديدة للزي المدرسي تمنع إضافة ملابس ترى أنها تخالف الزي الموحد أو تتعارض مع مبدأ التعليم العلماني، وعلى الرغم من أن النصوص التنظيمية لم تذكر الحجاب صراحة إلا تقارير تحدثت عن منع طالبات محجبات من دخول مدارسهن، ما أثار احتجاجات وانتقادات داخل أذربيجان وخارجها جعل السلطات تدافع عن قواعدها باعتبارها جزءًا من تنظيم التعليم العام، فيما رأى منتقدوها أنها تؤدي عمليًا إلى تقييد حرية الطالبات في ارتداء الحجاب.

بالنسبة إلى تركيا لم تكن المسألة مجرد اختلاف في تفسير قواعد مدرسية لأن الحجاب يحمل دلالة سياسية واجتماعية خاصة في التجربة التركية حيث ارتبطت القيود المفروضة عليه لعقود بصراع أوسع حول العلمانية والهوية الدينية وحقوق الأفراد، ولذلك أثارت الإجراءات الأذربيجانية اعتراضات لدى شخصيات سياسية وبرلمانية وأوساط تركية محافظة رأت أن حرمان الطالبة من التعليم بسبب غطاء الرأس يتعارض مع حرية الاعتقاد وتكافؤ الفرص.

لكن أذربيجان تعاملت مع هذه الانتقادات من زاوية مختلفة معتبرة أن صدورها عن مسؤولين وشخصيات تركية يمنحها طابعًا يتجاوز التضامن مع الطالبات إلى التدخل في الشؤون الداخلية، وهنا انتقلت الأزمة من تضامن يتعلق بحقوق الطالبات إلى خلاف سياسي حول السيادة وحدود التضامن بين الحلفاء.

وهذا التباين هو جوهر الأزمة حيث تستند تركيا في موقفها إلى اعتبارات دينية وحقوقية وسياسية بينما تستند أذربيجان إلى مفهوم السيادة وطبيعة نظامها العلماني، وكلما تصاعد الخطاب المتبادل ازدادت صعوبة الفصل بين الاعتراض على القرار المدرسي وبين الخلاف حول مكانة كل دولة ودورها داخل العلاقة الثنائية.

حضور فيدان قمة باكو وغياب علييف عن قمة أنقرة

في 15 أكتوبر 2026 التقى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في العاصمة الأذربيجانية باكو على هامش القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (CICA)، وجاء اللقاء في وقت كانت فيه العلاقات بين البلدين تواجه توترًا على خلفية الخلاف بشأن القيود المفروضة على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية؛ ليشكل أحد قنوات التواصل الدبلوماسي التي يمكن أن تسهم في احتواء الأزمة.

وبعد أيام من هذا اللقاء وتحديدًا في 21 أكتوبر أجرى الرئيس التركي أردوغان اتصالًا هاتفيًا بعلييف دعاه خلاله إلى المشاركة في القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية التي استضافتها أنقرة يومي 29 و30 أكتوبر، وشدد أردوغان بحسب الرئاسة التركية على أن البلدين سيواصلان تعزيز التعاون استنادًا إلى روابط الأخوة التي تجمع بينهما في إشارة إلى حرص أنقرة على إبقاء الخلاف ضمن حدوده وعدم السماح له بالتأثير في مجمل العلاقات الثنائية.

لكن علييف لم يحضر القمة وأعلنت أذربيجان أن وزير خارجيتها جيهون بيراموف سيمثل البلاد وربطت وسائل إعلام أذربيجانية غياب الرئيس بارتباطات مسبقة، من بينها مشاركته في فعاليات مرتبطة بنهائي بطولة العالم لكرة القدم تحت 15 عامًا في باكو.

ومع ذلك جاء الغياب في توقيت جعل من الصعب تجاهل أبعاده السياسية خصوصًا مع انتقال الرئاسة الدورية لمنظمة الدول التركية من أذربيجان إلى تركيا، فالقمم الإقليمية لا تقتصر على جدول الأعمال الرسمي بل تتيح أيضًا للقادة فرصة إظهار التوافق الشخصي وتوجيه رسائل طمأنة إلى الشركاء، ومن هذا المنطلق كان من الممكن أن يشكل حضور علييف مناسبة لتأكيد أن الخلاف بشأن الحجاب لن يمتد إلى التعاون الاستراتيجي، في حين فتح غيابه الباب أمام تفسيرات تربطه بالتوتر القائم بين البلدين.

استقالة أوكتاي سارال وحظر شخصيات تركية

كان من أبرز مظاهر التصعيد موقف كبير مستشاري الرئيس التركي أوكتاي سارال الذي انتقد منع الطالبات المحجبات من التعليم ودعا السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة قرارها، وجاءت تصريحاته منسجمة مع موقف شريحة من المحافظين الأتراك لكنها قوبلت برفض شديد من حزب أذربيجان الحاكم الذي اعتبرها تدخلًا غير مقبول في السياسة الداخلية للبلاد؛ ما جعل باكو تطالب أنقرة باتخاذ إجراءات بحق سارال بسبب تصريحاته.

وتحول الخلاف بعد ذلك إلى إجراءات سياسية أكثر وضوحًا فقد أعلنت باكو اعتبار31  مواطنًا تركيًا انتقدوا قرار حظر الحجاب بالمدارس أشخاصًا غير مرغوب فيهم ومنعهم من دخول أراضيها مستندة إلى ما وصفته بتصريحات ومنشورات تمس الأمن القومي والسيادة، وضمت القائمة شخصيات سياسية وإعلامية ودينية، من بينها رئيس حزب الرفاه من جديد فاتح أربكان والنائب عمر فاروق غيرقلي أوغلو والمحلل الرياضي أحمد شاكار.

وفي 26 أكتوبر تم الإعلان عن انتهاء مهام سارال مستشارًا رئاسيًا بعد أن أثارت تصريحاته غضب أذربيجان، وقد أكد سارال أنه قدم استقالته من المنصب الذي شغله منذ عام 2016 مع التشديد على أن مغادرته لا تعني تخليه عن قناعاته.

ويحمل هذا التطور دلالة مهمة إذ يكشف أن أنقرة كانت مستعدة لاتخاذ خطوة تساعد على احتواء الخلاف حتى لو أثارت نقاشًا داخليًا حول حدود التنازل للحليف، فمن جهة تستطيع تركيا اعتبار إنهاء مهام مستشارها قرارًا إداريًا وسياسيًا يهدف إلى منع الأزمة من التوسع، ومن جهة أخرى قد يرى منتقدون أن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مساحة التعبير المتاحة للمسؤولين الأتراك عندما يتعلق الأمر بمواقف تمس قضايا دينية وحقوقية.

أردوغان وعلييف.. هل تستطيع القنوات الرئاسية منع اتساع الخلاف؟

ظل التواصل بين أردوغان وعلييف قائمًا على الرغم من حدة التصريحات والتوتر الذي حدث بين الدولتين وهنا تظهر أهمية القنوات الرئاسية في إدارة الأزمة، فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد شبكة اتصالات بين وزارتين للخارجية بل ترتكز بدرجة كبيرة على تفاهم سياسي بين قيادتيهما وعلى تصور مشترك للأمن الإقليمي والتعاون الدفاعي والاقتصادي.

وهذا يمنح أردوغان وعلييف قدرة على احتواء الخلاف إذا توافرت الإرادة السياسية لكنه يجعل العلاقة أيضًا أكثر حساسية عندما تتباين المواقف أو تتراجع الثقة الشخصية بين الطرفين.

ومن المهم هنا التأكيد على عدم اختزال الخلاف في قرار الحجاب وحده، فقد أشارت تحليلات إعلامية إلى وجود اختلافات أوسع في بعض الملفات الإقليمية من بينها التقارب في العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل ومسألة تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، ولا يعني ذلك أن هذه الملفات كانت السبب المباشر في غياب علييف عن قمة أنقرة لكنه يشير إلى أن الأزمة الحالية قد تتفاعل مع خلافات أخرى بدلًا من أن تبقى قضية منفصلة.

وعليه فإن نجاح الوساطة الرئاسية لن يُقاس بمجرد عقد اتصال هاتفي أو تبادل عبارات الأخوة بل بقدرة الطرفين على منع الإجراءات المتبادلة من التحول إلى نهج دائم، فكلما طالت الأزمة أصبح من الأصعب احتواء آثارها على الرأي العام حتى لو ظلت المصالح الاستراتيجية تدفع الحكومتين إلى تجنب القطيعة.

ترحيب باكو بترشيح سينيرلي أوغلو.. إشارة إيجابية أم خطوة منفصلة؟

في خضم التوتر أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية ترحيبها بترشيح الدبلوماسي التركي فريدون سينيرلي أوغلو لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة بعد توليه منصب الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ويمكن قراءة هذا الموقف باعتباره مؤشرًا على أن الخلاف لم يوقف جميع أشكال التنسيق الدبلوماسي وأن باكو ما زالت قادرة على دعم مبادرات تركية في المحافل الدولية.

غير أن دلالة هذه الخطوة ينبغي ألا تُضخّم لأن دعم ترشيح دبلوماسي لمنصب دولي قد يرتبط بتقدير خبرته أو بالمصلحة في دعم مرشح من دولة شريكة أو بتوافق أوسع بشأن العمل متعدد الأطراف، ولا يثبت بمفرده أن الخلاف حول الحجاب انتهى أو أن القيود التي اتخذتها باكو ستُرفع.

ولكن مع ذلك تكتسب الخطوة أهميتها من توقيتها فهي توضح أن العلاقة بين البلدين ليست محكومة بمسار واحد وأن التوتر في ملف لا يمنع بالضرورة استمرار التعاون في ملفات أخرى، وقد يكون هذا الفصل بين القضايا أحد المداخل التي تساعد الطرفين على منع الأزمة من تعطيل مجالات العمل المشترك.

والاختبار الحقيقي سيكون حول إذا ما كانت الإشارات الإيجابية ستتبعها خطوات عملية مثل استئناف الحوار السياسي الهادئ وتخفيف الحملات الإعلامية المتبادلة، والبحث عن صيغة تعالج الخلاف دون أن يضطر أي طرف إلى الظهور بمظهر المتراجع عن سيادته أو مبادئه.

مستقبل العلاقة.. تحالف استراتيجي لا يخلو من الاختلاف

تمتلك تركيا وأذربيجان أسبابًا قوية تدفعهما إلى احتواء الأزمة، فالعلاقات بينهما تستند إلى تعاون في مجالات الدفاع والاقتصاد والطاقة وإلى روابط تاريخية وثقافية وإلى مصالح إقليمية مشتركة تجعل استمرار الشراكة مهمًا للطرفين، كما أن تراجع الثقة بينهما قد ينعكس على ملفات أوسع مثل التعاون داخل منظمة الدول التركية وحسابات الأمن والنفوذ في جنوب القوقاز.

لكن قوة المصالح المشتركة لا تعني أن الخلافات يمكن تجاهلها إلى ما لا نهاية، فالعلاقات الاستراتيجية لا تُختبر فقط عندما تتوافق السياسات بل أيضًا عندما تختلف الدول الحليفة بشأن قضايا حساسة، وفي هذه الحالة يتمثل التحدي في منع الخلاف على الحجاب من التحول إلى اختبار دائم للولاء السياسي أو إلى منافسة على من يملك حق تحديد ما ينبغي أن يقوله الطرف الآخر ويفعله.

كما أن التهدئة تحتاج إلى خطوات متبادلة لا إلى تنازلات أحادية، ويمكن أن تشمل هذه الخطوات خفض حدة الخطاب الرسمي والإعلامي وتجنب توسيع قوائم الحظر والإجراءات العقابية وإعادة فتح قنوات الحوار بشأن المسائل الخلافية، أما استمرار التصعيد فقد يجعل أي تسوية لاحقة أكثر كلفة سياسيًا لأن الطرفين سيكونان مضطرين إلى التعامل مع توقعات جمهورين باتا أكثر حساسية تجاه ما يعتبرانه مساسًا بكرامة بلديهما أو بمبادئهما.

كلمة أخيرة

تقف العلاقات التركية الأذربيجانية أمام اختبار يتجاوز مسألة الحجاب ليطال معنى التحالف وحدود السيادة والتضامن بين الدول، فقد كشفت الأزمة أن الروابط التاريخية والمصالح الاستراتيجية -على أهميتها- لا تمنع ظهور خلافات حادة عندما تتعارض التصورات السياسية والحقوقية.

ومع ذلك لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بأن البلدين يتجهان إلى قطيعة كما لا تكفي الاتصالات الرئاسية أو المواقف الدبلوماسية الإيجابية للقول إن الأزمة انتهت، وبين غياب علييف عن قمة أنقرة وإنهاء مهام أوكتاي سارال وترحيب باكو بترشيح سينيرلي أوغلو، تبدو العلاقة في مرحلة اختبار حقيقي لقدرة الطرفين على احتواء الخلاف دون التضحية بأسس الشراكة.

وسيظل مستقبل العلاقة مرهونًا بقدرتهما على تحويل التوتر إلى حوار منظم وإدراك أن التحالف القوي لا يعني تطابق المواقف في كل قضية بل امتلاك الوسائل السياسية التي تسمح بإدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة، وفي نهاية المطاف فإن ما سيحدد مصير العلاقة ليس حدة التصريحات وحدها بل الخطوات العملية التي ستتخذها الدولتين في المرحلة المقبلة.

أعلى