لماذا لا يكفي الفوز بأكبر عدد من المقاعد لحكم إسرائيل، وكيف تمنح حسابات الائتلاف الأحزاب الصغيرة والأصوات العربية دورًا في تحديد الحكومة المقبلة، وهل يغيّر رحيل نتنياهو جوهر السياسات تجاه الفلسطينيين أم يبدّل وجوه القيادة فقط؟
تدخل إسرائيل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر 2026، وسط انقسامات سياسية
وأمنية تفاقمت منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023 والحروب التي أعقبتها. وتدور
المنافسة حول مستقبل بنيامين نتنياهو، وصعود منافسين جدد يتقدمهم الجنرال السابق
غادي أيزنكوت، وموقع أحزاب اليمين القومي والديني، فضلًا عن الدور الذي قد تؤديه
الأحزاب العربية في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
لكن فهم هذه الانتخابات يتطلب تجاوز أسماء المرشحين واستطلاعات الرأي؛ فنظام
الانتخابات في الكيان الصهيوني لا يمنح رئاسة الحكومة تلقائيًا للحزب الذي يحصل على
أكبر عدد من الأصوات، وإنما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية قد تجعل أحزابًا
صغيرة شريكًا حاسمًا في تقرير من يحكم، وما السياسات التي ستتبناها الحكومة.
أولًا: كيف تُجرى الانتخابات؟
تُجرى الانتخابات في الكيان الصهيوني وفق نظام برلماني يقوم على التمثيل النسبي.
حيث تًنتخب قوائم حزبية في اقتراع عام ومباشر وسري، وتتوزع المقاعد الـ120 في
الكنيست بين القوائم التي تتجاوز نسبة الحسم، البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة.
وتعادل هذه النسبة نحو أربعة مقاعد، بحسب حجم الأصوات الصحيحة وتوزيعها.
ولا ينتخب الناخب رئيس الوزراء مباشرة، كما لا تُخصص المقاعد لدائرة جغرافية منفردة
على النمط المتبع في بعض الأنظمة البرلمانية. بل يصوت لقائمة حزبية على مستوى
البلاد، ويحدد ترتيب المرشحين داخل القائمة من يدخل الكنيست وفق عدد المقاعد التي
تحصل عليها.
وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تجعل البرلمان متعدد الأحزاب، وتمنح تشكيل الحكومة
أهمية تضاهي أهمية الفوز الانتخابي نفسه. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يكفي
وحده لتشكيل الحكومة؛ إذ يحتاج رئيس الحكومة المكلف إلى تأمين دعم أغلبية برلمانية
قوامها 61 نائبًا على الأقل، عبر تحالف من الأحزاب المتفقة على برنامج حكومي أو على
الحد الأدنى اللازم لبقاء الائتلاف.
ثانيًا: خريطة الأحزاب والمعسكرات
تتنافس في انتخابات 2026 قوى سياسية متعددة، تتباين في مرجعياتها ومواقفها من الدين
والدولة والاستيطان والعلاقات الإقليمية، لكنها تتنافس أيضًا على سؤال مركزي: من
يستطيع بناء ائتلاف يضمن له الحكم؟ وتضم الخريطة الانتخابية أحزابًا قديمة وأخرى
جديدة، فيما تتوقف فرص كثير من القوائم الصغيرة على تجاوز نسبة الحسم.
1. الليكود
—
بنيامين نتنياهو
يمثل الليكود القوة الرئيسية في معسكر اليمين، ويخوض نتنياهو الانتخابات في مواجهة
انتقادات تتعلق بإخفاقات 7 أكتوبر، وإدارة الحروب اللاحقة، والأزمات السياسية
الداخلية. ويسعى إلى الاحتفاظ بالسلطة من خلال جمع حلفائه القوميين والدينيين حول
ائتلاف قادر على بلوغ الأغلبية البرلمانية.
2. حزب
«يشار»
—
غادي أيزنكوت
يقوده رئيس الأركان الأسبق، غادي أيزنكوت الذي يقدم نفسه بوصفه بديلًا
لنتنياهو، مستندًا إلى خبرته العسكرية وخطابه بشأن إعادة بناء الثقة بالمؤسسات،
وتحسين إدارة الدولة، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر. ويملك أيزنكوت سجلًا عسكريًا
متشددًا، ولذلك لا تعني معارضته لنتنياهو بالضرورة تبني تحول جوهري في السياسات
تجاه الفلسطينيين.
3. تحالف
«معًا»
—
نفتالي بينيت ويائير لابيد
يجمع التحالف بين شخصيتين تولتا رئاسة الحكومة سابقًا، إحداهما تنتمي إلى اليمين،
والأخرى إلى الوسط. ويستهدف استقطاب الناخبين الراغبين في تغيير القيادة الحالية من
دون الانتقال إلى اليسار، مع الإبقاء على توجهات أمنية متشددة في عدد من ملفات
المنطقة.
4. اليمين القومي والديني
يضم
«القوة
اليهودية»
بقيادة إيتمار بن غفير، والصهيونية الدينية المرتبطة ببتسلئيل سموتريتش، إلى جانب
الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها شاس ويهدوت هتوراه. وتختلف هذه القوى في أولوياتها،
لكنها تتمسك بأدوار مركزية للدين والهوية اليهودية في الحياة العامة، فيما تتبنى
أطراف منها مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين والاستيطان. وتشكل مطالبها بشأن الأمن
والاستيطان والإعفاء من التجنيد العسكري نقاطًا أساسية في مفاوضات تشكيل الحكومة.
5. أحزاب المعارضة الأخرى
تشمل حزب
«إسرائيل
بيتنا»
بقيادة أفيغدور ليبرمان، الذي يجمع بين مواقف قومية وأمنية متشددة وانتقادات
لنتنياهو، وحزب
«الديمقراطيون»
بقيادة يائير جولان، الذي يجمع قوى من يسار الوسط. وتختلف هذه الأحزاب في القضايا
الاجتماعية والاقتصادية والدينية، لكنها تشترك مع قوى أخرى في معارضة استمرار
نتنياهو في الحكم.
6. الأحزاب العربية
تشمل القائمة المشتركة، والقائمة العربية الموحدة
«رعم»،
إلى جانب القوى التي تمثل المواطنين الفلسطينيين في الداخل. وتركز هذه الأحزاب على
قضايا التمييز والجريمة والميزانيات المحلية والحقوق المدنية، مع اختلافها في
العلاقة مع الأحزاب اليهودية وفي الموقف من المشاركة في الائتلافات الحكومية. وقد
أعادت المحكمة العليا السماح للقائمة المشتركة ورعم بخوض الانتخابات، بعد أن قررت
لجنة الانتخابات المركزية استبعادهما.
ثالثًا: ما القضايا التي تحكم المنافسة؟
1. إخفاقات 7 أكتوبر ومستقبل نتنياهو
تُجرى الانتخابات في ظل استمرار الجدل حول المسؤولية عن الهجوم الذي شنته حماس في 7
أكتوبر 2023، والإخفاقات الأمنية والاستخباراتية التي سبقته. ويطالب خصوم نتنياهو
بمحاسبة القيادة السياسية والتحقيق في أسباب الإخفاق، بينما يحاول معسكره الحفاظ
على ثقة الناخبين من خلال التركيز على الأمن والعمليات العسكرية ومواجهة التهديدات
الإقليمية.
4. فلسطين والاستيطان والحروب الإقليمية
على الرغم من التنافس الحاد على القيادة، لا يظهر خلاف جوهري واضح بين أبرز
المرشحين اليهود بشأن الموقف من غزة أو احتلال الأراضي الفلسطينية بشكل عام. وتشير
مواقف قوى المعارضة الرئيسية إلى استمرار التركيز على الأمن، مع اختلافات في أساليب
إدارة الحرب والعلاقات الدولية والاستيطان. لذلك، فإن تغيير رئيس الحكومة لا يعني
تلقائيًا تغييرًا جذريًا في السياسات تجاه غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران.
2. التجنيد العسكري والعلاقة بين الدين والدولة
تثير قضية إعفاء قطاعات من اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية خلافًا داخليًا
متصاعدًا، خصوصًا في ظل الحروب والضغط على قوات الاحتياط. وتمثل هذه القضية مصدر
توتر بين الأحزاب الدينية وبعض القوى القومية والعلمانية، كما تمنح الأحزاب
الحريدية ورقة تفاوضية مؤثرة في تشكيل الحكومات.
3. الاقتصاد وتكلفة المعيشة
تدخل القضايا الاقتصادية، من تكاليف المعيشة إلى الإنفاق العام وتداعيات الحروب،
ضمن حسابات الناخبين. وتحاول الأحزاب الجديدة استقطاب شرائح متضررة من الأوضاع
الاقتصادية أو من أداء المؤسسات، في حين يرتبط استمرار بعض الائتلافات بقدرتها على
التوفيق بين الإنفاق الأمني ومطالب الشركاء الدينيين والاجتماعيين.
رابعًا: الصوت العربي.. هل يستطيع ترجيح كفة الانتخابات؟
يمثل المواطنون الفلسطينيون في الداخل نحو خُمس السكان، لكن تأثيرهم الانتخابي
يتوقف على نسبة المشاركة، وتماسك القوائم العربية، وقدرتها على تجاوز نسبة الحسم.
وتزداد أهمية هذه المعادلة لأن المنافسة بين معسكر نتنياهو وخصومه لا تضمن لأي
منهما أغلبية مستقرة. وقد تسعى الأحزاب العربية إلى استثمار هذا الوضع لتحصيل مكاسب
تتعلق بمكافحة الجريمة والميزانيات المحلية وبعض الحقوق المدنية، لكن قدرتها على
التأثير في تشكيل الحكومة تصطدم برفض معلن من عدد من قادة الأحزاب اليهودية
الاعتماد عليها في الائتلاف.
وتكشف هذه المفارقة عن حدود المشاركة السياسية للفلسطينيين: فالأصوات العربية قد
تكون مؤثرة حسابيًا، لكن تحويلها إلى نفوذ فعلي يظل مرهونًا بحسابات الأحزاب الأخرى
التي لا تسمح لها بإحداث أي تأثير على مستوى السياسات الداخلية أو الخارجية.
خامسًا: ماذا تقول استطلاعات الرأي؟
تعكس الاستطلاعات المنشورة حتى 19 أكتوبر 2026 منافسة متقاربة، مع تباين ملحوظ بين
المؤسسات في تقدير قوة الأحزاب والمعسكرات. وتظهر بعض المتوسطات تقدم حزب
«يشار»
بقيادة أيزنكوت، بينما تحتفظ استطلاعات أخرى بتقديرات أفضل لليكود أو لحلفائه. لكن
العامل الحاسم لا يتمثل في ترتيب الأحزاب منفردة، وإنما في مجموع المقاعد التي
يستطيع كل معسكر جمعها.
ماذا تعني الأرقام؟
عدد مقاعد الكنيست 120 الأغلبية المطلوبة 61 تشير المتوسطات المنشورة إلى صعوبة
حصول أي من المعسكرين الرئيسيين على أغلبية مستقلة. وتختلف التقديرات بحسب
الاستطلاع وتاريخ إجرائه، لذلك ينبغي التعامل معها بوصفها قياسات للرأي العام في
وقت محدد، لا نتائج انتخابية محسومة.
وتبقى نسبة الحسم عاملًا مهمًا في هذه الحسابات؛ فالقائمة التي تحصل على أصوات
كثيرة لكنها تفشل في تجاوز 3.25% قد لا تحصل على أي مقعد، وهو ما يؤثر في توزيع
المقاعد بين القوائم الأخرى. ولهذا تتنافس الأحزاب الصغيرة على البقاء البرلماني،
وقد تلجأ إلى التحالفات أو الاندماج لتجنب تبديد أصوات ناخبيها.
سادسًا: ما السيناريوهات المحتملة بعد الانتخابات؟
تتوقف مآلات الانتخابات على نتائج الصناديق، وعلى المفاوضات التي ستليها. ويمكن
تلخيص أبرز الاحتمالات في ثلاثة مسارات:
1. حكومة بقيادة نتنياهو: إذا تمكن الليكود وحلفاؤه من جمع 61 مقعدًا، فقد يحتفظ
نتنياهو برئاسة الحكومة، لكن ذلك سيبقي الخلافات المتعلقة بالتجنيد العسكري
والاستيطان وتوزيع النفوذ داخل الائتلاف قائمة.
2. حكومة بقيادة المعارضة: إذا نجح أيزنكوت أو مرشح آخر في جمع أغلبية برلمانية من
أحزاب الوسط واليمين واليسار، فقد تتغير القيادة وطريقة إدارة المؤسسات. لكن
التباينات بين هذه الأحزاب، خصوصًا في القضايا الأمنية والدينية، ستجعل التوافق على
برنامج حكومي اختبارًا حقيقيًا.
3. انسداد سياسي ومفاوضات ممتدة: إذا عجز المعسكران عن بلوغ الأغلبية، فقد تطول
مفاوضات تشكيل الحكومة، أو تتجه البلاد إلى أزمة سياسية جديدة تنتهي بانتخابات
أخرى.
وتظل هذه سيناريوهات مشروطة بنتائج التصويت ومواقف الأحزاب، وليست ثمة توقعات
محسومة. كما أن قدرة أي مرشح على الفوز بأكبر عدد من المقاعد لا تعني تلقائيًا
قدرته على تشكيل الحكومة.
هل تتغير السياسة الصهيونية بتغير رئيس الحكومة؟
تكشف الانتخابات عن نظام تتشابك فيه المنافسة الشخصية مع الحسابات الحزبية والدينية
والأمنية. وقد يؤدي تراجع نتنياهو أو خروجه من الحكم إلى تغيير في أسلوب الإدارة ،
وفي العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية، وفي مستوى التنسيق مع الولايات
المتحدة. غير أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة تغييرًا مماثلًا في جوهر السياسة
تجاه الفلسطينيين.
فأيزنكوت، وبينيت، وليبرمان، وغيرهم من منافسي نتنياهو يختلفون معه في ملفات
القيادة والمحاسبة وإدارة المؤسسات، لكن مواقفهم المعلنة لا تقدم أساسًا كافيًا
للقول إن وصول أحدهم سيقود تلقائيًا إلى إنهاء الاحتلال أو التخلي عن الاستيطان، أو
إيقاف إشعال الحروب في المنطقة.