بين تصدّع الثقة الأطلسية وتصاعد صراع الإرادات، تقف أوروبا على حافة تحوّل تاريخي: إما الانعتاق من الهيمنة الأمريكية أو الغرق في فوضى التوازنات الجديدة. والأزمة الحالية بين الطرفين، ما هي إلا اختبار لإعادة رسم خرائط القوة والنفوذ في عالم يتغيّر بسرعة
يقف حلف شمال الأطلسي اليوم أمام أخطر اختبار يواجهه منذ ولادته في أعقاب الحرب
العالمية الثانية. ذلك الكيان الذي أُنشئ درعاً غربياً في مواجهة الاتحاد السوفيتي،
يجد نفسه الآن ممزقاً بين قوتين متعارضتين: ضغوط أمريكية خشنة تطالب أوروبا بدفع
كلفة الحماية، وطموح أوروبي متنامٍ للتحرر من الوصاية العسكرية الأمريكية وصياغة
مفهوم جديد للأمن القاري.
لقد تجاوزت تهديدات دونالد ترامب بالانسحاب من الحلف حدود المناورة الانتخابية أو
الخطاب الشعبوي العابر، لتكشف عن مزاج راسخ داخل واشنطن مفاده أن أوروبا لم يعد
مقبولاً أن تبقى تحت المظلة الأمريكية مجاناً.
الرسالة باتت واضحة: على القارة العجوز أن تدفع ثمن بقائها، أو تبحث عن مصيرها
منفردة.
هرمز يكشف الشرخ العميق داخل الحلف:
أظهرت أزمة مضيق هرمز حجم التباعد الحقيقي بين ضفتي الأطلسي، فقد رفضت دول في
الناتو السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية على الأراضي الأوروبية
لشن هجمات ضد إيران،
وهو موقف لم يكن مجرد إجراء تقني أو تحفظ مرحلي، بل إعلان صريح عن أزمة هوية تضرب
بنية الحلف من الداخل.
ففي الوقت الذي دفع فيه ترامب نحو إرسال قطع بحرية لفتح المضيق بالقوة، رأى القادة
الأوروبيون أن هذا الخيار يفتقر إلى الواقعية، وأنه لن يفضي إلا إلى جرّ أوروبا إلى
حرب لا تحظى بتأييد شعبي، مع تعريض سفنها التجارية والعسكرية لصواريخ باليستية
ومخاطر استراتيجية واسعة.
ومن رحم هذا التباين، برزت رؤية أوروبية لما بعد الحرب، تقوم على تأمين الملاحة في
المضيق بعيداً عن القيادة الأمريكية. وقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن
هذه المقاربة بوضوح حين أعلن أن الخطة ترتكز على:
"إنشاء
مهمة دفاعية دولية لا تشمل الأطراف المتحاربة، أي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران."
هذا التصور لا يهدف فقط إلى حماية خطوط الطاقة، بل إلى "أوربة" إدارة الأمن البحري
في أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وقد أكد دبلوماسيون أوروبيون أن السفن
المشاركة ستعمل تحت راية مستقلة تماماً عن واشنطن، بما يعني أن القيادة السياسية
والعسكرية لن تكون أمريكية هذه المرة.
الثالوث الأوروبي وصناعة القوة الجديدة:
المشهد لا يقف عند حدود فرنسا وحدها، فالمعطيات تشير إلى أن ألمانيا، التي عُرفت
طويلاً بتحفظها العسكري وحذرها الاستراتيجي، بدأت تميل إلى الانخراط الفعلي في هذه
المهمة. وإذا ما انضمت برلين بثقلها الاقتصادي والصناعي والعسكري، فإن أي تحرك
أوروبي سيتحول من مجرد استعراض رمزي إلى قوة ردع حقيقية.
فقدرة ألمانيا المالية، وما يمكن أن تضخه من أصول عسكرية ولوجستية، تتجاوز ما تملكه
كل من لندن وباريس منفردتين، ما يمنح المشروع الأوروبي ثقلاً عملياتياً طالما
افتقده.
وفي هذا السياق، يستعد إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لعقد
اجتماع دولي في باريس وعبر الاتصال المرئي لمناقشة أمن الملاحة. لكن العنصر الأهم
في هذا الاجتماع ليس من حضر، بل من غاب: الولايات المتحدة.
فاستبعاد واشنطن، مقابل توجيه الدعوات إلى قوى شرقية مثل الصين والهند، يحمل رسالة
جيوسياسية لا تخطئها العين: أوروبا بدأت تبحث عن توازنات دولية بديلة، ولم تعد ترى
في الهيمنة الأمريكية قدراً لا مفر منه.
هكذا يتشكل تدريجياً ثالوث أوروبي جديد تقوده باريس ولندن وبرلين، هدفه بناء قوة
عسكرية وسياسية تخدم المصالح الأوروبية أولاً، لا أن تبقى مجرد امتداد للمشيئة
الأمريكية.
النفط، الطلاق الأطلسي، وإعادة اختراع الناتو:
الشق العسكري للأزمة لا ينفصل عن الاقتصاد، بل يتغذى منه. فالمواجهة حول هرمز
مرتبطة ارتباطاً مباشراً بسلاح الطاقة والمخزون النفطي الاستراتيجي الأمريكي. وتشير
المعادلة القائمة إلى أن طهران تدرك جيداً موضع الضعف في بنية القوة الأمريكية.
فاستمرار النزاع يعني اضطرار واشنطن إلى السحب المكثف من احتياطاتها الاستراتيجية،
وهو ما قيل إنه بدأ بالفعل خلال الساعات الست والثلاثين الأولى من الأزمة، الأمر
الذي دفع ترامب إلى التصعيد والتهديد بـ"الدمار الشامل" في محاولة لإجبار الوسطاء
على التحرك.
وبحسب هذا المنظور، أصبحت المعادلة شديدة القسوة: شروط إيران تلامس مباشرة اقتصاد
أمريكا. فإذا عادت واشنطن إلى الخيار العسكري، وأقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز،
فإن ذلك سيؤدي إلى استنزاف المخزون الأمريكي، وربما فقدانه جزءاً كبيراً من قيمته
مع استمرار السحب، وهي ضربة يصعب على الشركات الأمريكية تحمّل تبعاتها، خصوصاً في
ظل آليات التمويل وتكاليف الفوائد المرتفعة.
وفي الخلفية الفكرية لهذه الأزمة، يحذر الدبلوماسي النرويجي المخضرم كاي إيدي في
كتابه إرادة السلام: الديمقراطية في زمن الأزمات من اقتراب "الطلاق" بين أوروبا
والولايات المتحدة، معتبراً أن التعامل مع الحلف بوصفه بقايا من الماضي تصرف غير
مسؤول.
ويقترح إيدي مخرجين لتجنب الانفصال الكامل:
نموذج برلين بلس: استخدام هياكل قيادة
الناتو لتنفيذ عمليات أوروبية خالصة بقيادة جنرالات أوروبيين بدلاً من الأمريكيين.
إحياء مجموعة اليورو: استئناف الاجتماعات
الرسمية لوزراء الدفاع الأوروبيين داخل إطار الناتو لمناقشة الأمن الأوروبي
باستقلالية أكبر.
كما يوجّه رسالة مباشرة إلى ترامب مفادها أن:
"المشاركة
الأوروبية في العمليات التي تقودها الولايات المتحدة تتطلب المشاركة عند صياغة
السياسات والاستراتيجيات."
ولم تعد الخلافات مقتصرة على الدفاع وحده؛ فقد امتدت إلى الاقتصاد والدبلوماسية.
فرض رسوم جمركية على الصادرات الأوروبية، تقليص الدعم لأوكرانيا، التلويح بالسيطرة
على غرينلاند، ثم التهديد الصريح لإسبانيا: إذا لم تدعموني ضد إيران فسنقطع
العلاقات التجارية معكم.
غير أن الرد الإسباني جاء من الشرق، حين اتجهت مدريد إلى توقيع أكبر اتفاقية تجارية
في تاريخها مع الصين، في إشارة إلى أن حلفاء واشنطن لم يعودوا يتعاملون مع التهديد
الأمريكي بالرهبة القديمة، وأن النفوذ الدولي للولايات المتحدة يواجه تراجعاً
متسارعاً أمام صعود قوى جديدة.
في المقابل، حاول الأمين العام السابق للناتو ينس ستولتنبرغ إقناع ترامب بأهمية
الحلف، مذكّراً بأن الصواريخ النووية الروسية تستهدف أمريكا، وأن الناتو هو أداة
الردع والملاحقة التي تحميها. لكن داخل دوائر النفوذ في واشنطن، يبدو أن الرؤية
مختلفة: إعادة صياغة النظام الدولي ولو كان الثمن تفكيك البنية القديمة للتحالفات.
إن أزمة الناتو الراهنة قد لا تنتهي بزوال الحلف، لكنها على الأرجح ستنهي زمناً
كاملاً من التبعية الأوروبية المطلقة. أوروبا لم تعد تقبل أن يكون أمنها سلعة تُباع
بالحماية والابتزاز. إنها تتحرك الآن نحو قوة مستقلة، مدركة أن الأمن الذي يُشترى
بالتهديدات أمن هش، وأن صراعات الطاقة والممرات البحرية لا ترحم من يعيش في ظل غيره.