في خضم التصعيد والتصريحات المتناقضة، تتكشف لعبة معقدة من المناورة السياسية بين واشنطن وطهران، حيث تختلط القوة بالبراغماتية، ويصبح السؤال الحقيقي: من يناور لكسب الوقت، ومن يسعى فعلاً لإنهاء الحرب دون خسارة الهيبة؟
حسن الرشيدي
بعد قبول الأطراف بالهدنة المؤقتة، واستئناف المفاوضات بين أمريكا وإيران، يكثر
الحديث، ويزداد الغموض المتعلق بمن بادر بطلب وقف الحرب.
فالبيانات الرسمية الإيرانية الصادرة عن مستويات عديدة في السلطة الإيرانية، وتم
نشرها سواء في التلفزيون الرسمي، أو وكالة الأنباء الايرانية (إرنا)، والتصريحات
على وسائل التواصل، كانت كلها تحمل اللهجة العنترية، والتي كانت ترفض وقف القتال
وتصر على الاستمرار فيه، وتؤكد دائمًا أن إيران مستعدة لكل الاحتمالات، وأن الرد
سيكون مؤلمًا إذا استمر التصعيد، مع رفض صريح لأي استراحة مؤقتة من الحرب.
هذا الخطاب المتشدد استمر حتى ساعات قبل إعلان ترامب للهدنة مباشرة (في السابع من
أبريل)، حين ظهر في الإعلام أن إيران قد رفضت آخر مقترح أمريكي وأصرت على نهاية
دائمة للحرب.
ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها ترامب لاستسلام إيران أو إعادتها إلى العصر
الحجري وفق تعبيره، تم الإعلان فجأة من قبل الوسيط الباكستاني، أن الولايات المتحدة
وإيران قد وافقتا على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، أي هدنة، يجري في أثنائها
مفاوضات مباشرة بين الطرفين في إسلام آباد تبدأ يوم السبت.
ولكن على الجانب الآخر تصر التصريحات الأمريكية، على أن إيران هي التي طلبت
المفاوضات.
ففي بيان البيت الأبيض الرسمي الذي صدر مع بدء سريان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء
8 أبريل، والذي يحمل العنوان المحدد "السلام من خلال القوة: عملية الغضب الملحمي
تسحق التهديد الإيراني"
وقد وردت فيه العبارة التالية: "لقد ركعت إيران وطلبت وقف إطلاق النار"، مع الإشارة
إلى موافقتهم الفورية على إعادة فتح مضيق هرمز.
وعلى الرغم من أن هذا الكلام لم يصدر عن ترامب فقط بصفة شخصية، بل صدر في صيغة بيان
رسمي من البيت الأبيض وهي مؤسسة الرئاسة الأمريكية، إلا أنه في عهد ترامب، كثيرا ما
يتم الدمج بين البيانات الرسمية واللغة الانتخابية.
بينما قال ترامب نفسه في حديثه لشبكة إن بي سي نيوز، وكرر هذا الكلام في سياق متكرر
خلال الأسابيع الماضية: "قادة إيران يتحدثون بشكل مختلف كثيراً عندما تكون في
اجتماع معهم مقارنة بما يقولونه للصحافة. إنهم أكثر معقولية."
وأمس قال ترامب لنيويورك بوست: "نتعامل مع أشخاص لا نعرف إن كانوا يقولون الحقيقة
أم لا، يقولون أمامنا إنهم سيتخلصون من الأسلحة النووية، ثم يقولون للصحافة إنهم
سيخصبون اليورانيوم."
ويستمر ترامب في حديثه فيقول: إن هناك محادثات جارية خلف الكواليس مع مسؤولين
إيرانيين "محترمين" أو "الأشخاص المناسبين"، على حد تعبيره.
قد يقول قائل: لقد اعتدنا على بيانات ترامب الكاذبة والتي يرغي فيها ويزبد ويبالغ
ويستعرض ويضخم الأمور والأحداث، فلماذا نصدقه الآن؟
ولكن الإيرانيين أيضا، وبعد قبولهم بالهدنة، وهم يهددون بمقاطعة المفاوضات ما لم
يتوقف العدوان على لبنان، لكنهم يرسلون وفدًا، ثم يواصلون التهديد، ثم يتفاوضون.
وهنا يحتار المرء ويتساءل، أي الفريقين أكثر رغبة في إنهاء الحرب والبدء بالتفاوض؟
ولكن ما أهمية هذا التساؤل طالما أن الفريقين في طريقهما لـ"إسلام أباد" لبدء
المباحثات؟ ما تأثير الإجابة على هذا التساؤل على مسار الهدنة بين الطرفين؟
إن تحديد الطرف الذي بادر بطلب التفاوض في العلاقات المعقدة، مثل تلك التي تجمع بين
الولايات المتحدة وإيران، ليس مجرد تساؤل إعلامي عابر، بل هو جوهر ما يُعرف في
نظريات العلاقات الدولية بالمساومة السيادية.
تنبع أهمية تفكيك هذا الغموض والاضطراب من عدة اعتبارات استراتيجية وسياسية تحدد
مسار أي اتفاق محتمل وشكله:
الاعتبار الأول، هو كشف ميزان القوى وتحديد نقطة الضعف.
فالطرف الذي يطلب التفاوض غالباً ما يُفصح، بطريقة غير مباشرة، عن حاجته الماسة أو
استنفاد خياراته البديلة.
إذا كانت إيران هي المبادرة، فهذا يرسل إشارة واضحة بأن الضغوط الاقتصادية، أو
التوترات الداخلية، أو الإنهاك الاستراتيجي في الإقليم قد بلغت حداً يهدد استقرار
النظام، مما يقلص من أوراقها التفاوضية.
أما إذا كانت أمريكا هي المبادرة، فهذا قد يعكس رغبة إدارة ترامب في تجنب تصعيد
عسكري غير محسوب، أو سعيها لتحقيق نصر دبلوماسي سريع يخدم أجندات انتخابية أو
داخلية، أو رغبتها في التفرغ لمسارح عمليات أخرى (مثل بحر الصين الجنوبي أو
أوكرانيا)، مما يمنح إيران مساحة لفرض شروط أعلى.
الاعتبار الثاني، هندسة التنازلات المسبقة وتحديد سقف المباحثات.
في أدبيات التفاوض، يُتوقع من الطرف المُبادر بالتفاوض أن يقدم التنازل الأول أو
ما يُعرف بعربون النوايا الحسنة، لمجرد إقناع الطرف الآخر بالجلوس إلى الطاولة.
فمعرفة من أراد التفاوض حقاً تساعد في تفسير التنازلات التكتيكية التي قد تسبق أي
إعلان رسمي، وتحدد مسبقاً الإطار الذي ستدور فيه المحادثات: هل هي محادثات استسلام
وتنازل، أم محادثات ندية وتقاسم مصالح؟
الاعتبار الثالث، التوظيف الداخلي.
فهناك ارتباط وثيق بين السياسة الخارجية والجمهور المحلي.
وكل من الدولتين يواجهان جمهوراً داخلياً معبأً ضد الآخر.
ففي الولايات المتحدة، تبني الإدارة الأمريكية صورتها الإعلامية، بأن أمريكا هي
الطرف الذي خضعت له إيران، وهذا ضروري لتسويق أي اتفاق محتمل وتجنب اتهامات الضعف.
أما في إيران، فالنظام يحتاج بشدة إلى تسويق التفاوض على أنه انتصار لسرديته بأنه
صمد في وجه الهجمة الأمريكية الصهيونية، وأن الولايات المتحدة هي من جاءت صاغرة.
لذلك، يُصنع هذا الغموض والاضطراب أحياناً بشكل متعمد من كلا الطرفين كستار دخان
لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام المحلي.
أما الاعتبار الأخير، فيتعلق بالإشارات الاستراتيجية للحلفاء والخصوم.
فمعرفة المُبادر تبعث برسائل حاسمة للأطراف الإقليمية الفاعلة:
بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة، إذا ظهرت أمريكا بمظهر المتهافت على التفاوض، فقد
يثير ذلك ذعر حلفائها من إمكانية التخلي عنهم أو عقد صفقات على حساب أمنهم.
أما حلفاء إيران، إذا ظهرت إيران كمبادرة للتفاوض تحت الضغط، فقد يُضعف ذلك تماسك
حلفائها ويضرب معنويات أذرعها الإقليمية.
الاضطراب الحالي هو في الغالب تكتيك مدروس؛ فكل طرف يسعى لجني ثمار التفاوض دون
دفع الضريبة السياسية للظهور بمظهر الطرف المحتاج.
ولكن هناك عدة دلالات توحي بأن ما يقوله الأمريكان بالنسبة لإيران، ليس صحيحًا
استسلامًا، ولكنه أقرب إلى صيغة تنازل من الجانب الإيراني، وذلك بدلالتين:
الدلالة الأولى: مقال لجواد ظريف وزير الخارجية الإيراني السابق، نشره في دورية
فورين أفير الأمريكية، وهي دورية تحظى باحترام ليس في الأوساط السياسية الأمريكية
بحسب، ولكن في دوائر السياسة العالمية.
والمثير أن هذا المقال تم نشره قبل الإعلان عن الهدنة بعدة أيام، والأكثر إثارة هو
عنوان المقال: “كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب؟ صفقة يمكن لطهران قبولها".
في هذا المقال يحذر ظريف من الانجرار وراء الرغبات العاطفية للانتقام واستمرار
القتال الذي لن يجلب سوى دمار البنية التحتية، ودعا إلى توظيف المكاسب الميدانية
(على حد زعمه) لإعلان النصر وتحويله إلى تسوية سياسية دائمة عبر طاولة المفاوضات.
وطرح ظريف في مقاله ما أسماه "صفقة لا يمكن لواشنطن رفضها"، وتضمنت خطوات عملية
لتبديد المخاوف الدولية، أبرزها، الموافقة على وضع قيود صارمة للبرنامج النووي،
وخضوع المنشآت النووية لرقابة دولية دائمة.
كما دعا إلى حرية الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل.
ووفق مقال ظريف تضمنت المطالب الإيرانية، رفع العقوبات، وتوقيع معاهدة عدم اعتداء
متبادلة وملزمة مع أمريكا، ومساهمتها في تمويل تكاليف إعادة إعمار ما دمرته آلة
الحرب.
وأكد ظريف في ختام رؤيته أن هذا الاتفاق سيمثل مكسباً استراتيجياً كبيراً؛ مشدداً
على قاعدة تاريخية كما يدعي، مفادها أن "التاريخ غالباً ما يُخلّد أولئك الذين
يصنعون السلام".
لقد كان هذا المقال بمنزلة بالون اختبار سياسي، ووثيقة استراتيجية بالغة الأهمية،
عكست رغبة واضحة من دوائر صنع القرار الإيراني لتهيئة المسرحين الداخلي والدولي
لتقبل فكرة الهدنة، وهو ما مهد الطريق فعلياً للتطورات التي أعقبت نشره.
أما الدلالة الثانية على الرغبة الإيرانية في المفاوضات، هي البراجماتية الإيرانية
التاريخية.
فإيران لديها تاريخ طويل فيما اشتهر بثقافة تجرع السم، كما وصف الخميني قبول وقف
إطلاق النار مع العراق في 1988.
هذه الثقافة تهدف إلى الحفاظ على النظام، فالأولوية القصوى لنظام الملالي هي
استمرار الدولة التي أقاموها عام 1979.
وعندما أصبح التهديد الأمريكي يمس العمق الاستراتيجي، والبنية التحتية الحيوية بشكل
غير مسبوق في مارس 2026، تحركت البراجماتية الإيرانية لتقديم تنازلات مؤلمة، مثل
فتح مضيق هرمز مقابل وقف تدمير الآلة العسكرية.
وهكذا استعملت إيران ما أطلق عليه في بعض أدبيات علم السياسة بالانحناء للعاصفة،
فالتنازل الإيراني الحالي يُقرأ كخطوة تكتيكية لامتصاص حملة ترامب العسكرية،
والحصول في مقابل تنازلاتها على مكاسب إقليمية تحت المظلة الأمريكية الصهيونية.