• - الموافق2026/02/27م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
إسرائيل الكبرى: من أساطير التوراة إلى طموحات هاكابي

هل الدعم الأمريكي لإسرائيل تحالف استراتيجي عابر، أم أنه امتداد لمشروع أيديولوجي عميق يجمع الصهيونية السياسية بالصهيونية المسيحية تحت مظلة “إسرائيل الكبرى”؟ وكيف تحوّل الوعد الديني إلى معادلة قوة تعيد رسم خرائط المنطقة وتؤثر في القرار الأمريكي؟


أعاد الحوار الذي جمع الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون بالسفير الأمريكي لدى الدولة العبرية مايك هاكابي فتح نقاش قديم متجدد حول الطبيعة الحقيقية للدعم الأمريكي للدولة العبرية، وما إذا كان هذا الدعم يستند فقط إلى اعتبارات استراتيجية، أم أنه يعكس مشروعًا أيديولوجيًا أعمق يرتبط بتصورات دينية وسياسية تتجاوز حدود الدولة القائمة نحو فكرة "إسرائيل الكبرى".

فخلال الحوار، لم يُخفِ هاكابي أن قطاعات واسعة من التيار الإنجيلي الأمريكي تنظر إلى قيام الدولة العبرية وتوسعها بوصفه تحقيقًا لوعد ديني تاريخي، وهو طرح يعكس تداخلًا متزايدًا بين العقيدة الدينية وصناعة القرار السياسي في واشنطن، خاصة داخل التيارات المحافظة المؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية.

غير أن مفهوم "إسرائيل الكبرى" لا يُعد نتاجًا حديثًا للخطاب الديني الإنجيلي، بل يمتد جذريًا إلى أدبيات الحركة الصهيونية منذ نشأتها أواخر القرن التاسع عشر، حين لم تكن الحدود الجغرافية للدولة اليهودية المقترحة محددة بصورة نهائية، بل طُرحت ضمن تصورات توسعية مفتوحة.

ففي المؤتمر الصهيوني الأول عام ١٨٩٧، الذي قاده تيودور هرتزل، لم يُحسم النقاش حول الحدود السياسية المستقبلية، إذ ركز المشروع الصهيوني المبكر على إنشاء "وطن قومي" قابل للتمدد وفق الظروف السياسية والديموغرافية. وقد أشار هرتزل في مذكراته إلى أن المشروع الصهيوني يمثل "حركة استعمارية منظمة"، وهو توصيف يعكس الطبيعة التوسعية الكامنة في الفكر الصهيوني المبكر.

لاحقًا، ظهرت تصورات أكثر وضوحًا داخل الخطاب الصهيوني حول المجال الجغرافي للدولة المنشودة، حيث نُسب إلى عدد من القيادات الصهيونية في مطلع القرن العشرين الحديث عن حدود تمتد "من النيل إلى الفرات"، وهو تصور استند إلى تأويلات دينية لنصوص وردت في سفر التكوين بالعهد القديم، حيث جاء: "لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات".

ومع تطور المشروع الصهيوني سياسيًا، تحولت هذه الرؤية من خطاب أيديولوجي إلى عنصر حاضر ضمن النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن والعمق الجغرافي. وقد عبّر رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق دافيد بن غوريون في أكثر من مناسبة عن أن حدود الدولة لا تُرسم بالنصوص أو الاتفاقيات، بل "بما تفرضه القوة والواقع على الأرض"، في إشارة واضحة إلى مركزية التوسع كأداة تأسيسية في المشروع الصهيوني.

وفي السياق ذاته، قدّم رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في كتابه مكان بين الأمم تصورًا قائمًا على ضرورة السيطرة الأمنية الدائمة على الأراضي الفلسطينية، معتبرًا أن أي انسحاب جغرافي قد يحول تلك المناطق إلى تهديد استراتيجي مستقبلي، وهو طرح يعيد إنتاج مفهوم "الأمن عبر التوسع".

أما في الخطاب السياسي المعاصر، فقد أعادت تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني السابق يائير لابيد المحسوب على اليسار؛ الجدل حول حدود الدولة، حين شدد في تصريحات حديثة على أن "أرض إسرائيل التاريخية" تمثل أساس الهوية القومية، وأن الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية في محيطها الإقليمي يعد ضرورة وجودية، وهو خطاب يُفسَّر لدى العديد من المراقبين باعتباره استمرارًا للرؤية التوسعية الاستعمارية.

وفي الولايات المتحدة، وجدت هذه الرؤية حاضنة أيديولوجية قوية داخل تيار الصهيونية المسيحية، الذي يقوده قساوسة وشخصيات دينية بارزة مثل جون هاغي، مؤسس منظمة المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل، حيث يُنظر إلى دعم الدولة العبرية باعتباره التزامًا دينيًا مرتبطًا بتحقيق نبوءات توراتية.

هذا التلاقي بين الصهيونية السياسية والصهيونية المسيحية أسهم في إعادة تعريف العلاقة الأمريكية مع الدولة العبرية، بحيث لم تعد قائمة فقط على المصالح الجيوسياسية، بل على شراكة عقائدية ترى في توسع الدولة العبرية جزءًا من مسار تاريخي ديني أوسع. ومن هنا، فإن تعيين شخصيات ذات خلفية إنجيلية واضحة، مثل هاكابي خلال إدارة دونالد ترامب، يعكس انتقال هذا التحالف من مستوى التأثير الفكري إلى موقع الفعل السياسي المباشر.

يكشف تتبع خطاب الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، مرورًا بالأدبيات السياسية لقادتها، وصولًا إلى التصريحات المعاصرة، أن فكرة "إسرائيل الكبرى" لم تختفِ من الوعي السياسي الصهيوني، بل أعيدت صياغتها عبر الزمن بما يتلاءم مع التحولات الدولية، لتبقى حاضرة كإطار فكري يربط بين الدين والسياسة والقوة في رسم مستقبل المنطقة.

أعلى