• - الموافق2026/02/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هل وجود إدارة ترامب فرصة للمنطقة؟

بين بايدن وترامب، هل تغيّرت واشنطن فعلًا أم تبدّل الأسلوب فقط؟ من خطاب القيم إلى منطق الصفقات، ومن إدارة الأزمات إلى فرض النتائج بالقوة، تقف المنطقة أمام مفترق حساس. فأي النهجين كان أقل كلفة على قضايا العرب والمسلمين؟


بعد مرور أكثر من عام على وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وتوليه مهام رئاسة أكبر قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية عالمية في الوقت الحاضر، يثور كثير من التساؤلات والجدل حول تأثير هذه الإدارة ومسلكها السياسي على وضع الأمة وقضايا المنطقة.

ففي حين يرى البعض أن وصول هذه الإدارة التي يغلب عليها الاندفاع، قد شكلت فرصة يجب على صناع السياسة وأصحاب القرار في المنطقة انتهازها لتحسين وضع دولهم في خريطة الصراعات الإقليمية والدولية.

يرى آخرون أن وجود هذه الإدارة قد أضر بقضايا العرب والمسلمين الأساسية في المنطقة، خاصة أن الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب يمتلك علاقات أيديولوجية مع التيار اليميني الصهيوني في أمريكا.

للوصول إلى فهم أعمق لتأثير إدارة ترامب على إقليم الشرق الأوسط، وقضاياه وما يجري فيه من صراعات، يجب علينا في البداية فهم الفروق بين سياسات الادارة الديمقراطية السابقة بقيادة جو بايدن، والإدارة الجمهورية الحالية، سواء في الفكر السياسي الذي تنبع منه القرارات وصولا إلى المواقف الفعلية والعملية على أرض الواقع إزاء قضايا المنطقة.

بايدن وقراراته

تنتمي فلسفة إدارة بايدن في السياسة الخارجية إلى مدرسة الليبرالية الدولية المتجددة، وهي تختلف عن الليبرالية التقليدية بأنها أكثر واقعية وحذرا، وتضع الداخل الأمريكي في قلب كل قرار خارجي.

وتعتمد تلك السياسة على عدة ركائز:

قوة الاقتصاد، السياسة الأخلاقية (مثل الديمقراطية مقابل الاستبداد)، المؤسساتية في العلاقات الدولية، الدبلوماسية أولا مع الردع المتكامل.

فالحرب عند بايدن هي الخيار الأخير، وأن التفاوض هو الأداة المفضلة، بشرط أن يكون مدعوماً بقوة عسكرية وتكنولوجية، وأخيرا الواقعية.

والواقعية لدى بايدن وإدارته كانت تعني إدارة الأزمات لا حلها، وهذا ما رأيناه في موقف تلك الإدارة من حرب غزة.

ولكن تأييدها المطلق للكيان في حرب الإبادة التي شنها غزة وعجزها عن إيقاف تلك الحرب، وضع إدارة بايدن في مواجهة الاختبار الأخلاقي والسياسي الأعنف، وكشف الفجوة الهائلة بين الشعارات والواقع.

فموقفه المؤيد المطلق للإبادة في غزة جعلنا نفهم واقعية بايدن الذي يقدّم مصالح الدولة العليا والاعتبارات الأيديولوجية الداخلية على المبادئ المعلنة.

فأمن الكيان أظهر العقيدة الصهيونية في شخصية لبايدن، الذي ما فتئ يردد "ليس من الضروري أن تكون يهودياً لتكون صهيونياً".

وبالنسبة لبايدن، أمن الكيان ليس مجرد ملف سياسي، بل هو قناعة وجودية نشأ عليها سياسيا منذ السبعينيات، ووجود الدولة الصهيونية القوية هو الضمان الوحيد لعدم تكرار المحرقة، وهذا التصور الشخصي طغى على تقارير الخبراء في وزارتي الخارجية والدفاع التي حذرت من تداعيات الحرب.

لذلك رأت إدارة بايدن أن أي وقف لإطلاق النار قبل تفكيك حماس هو انتصار للقوى المعادية للصهيونية. فالواقعية للإدارة تقتضي منح الكيان الوقت والسلاح، مع محاولة تجميل المشهد إنسانيا لتخفيف الضغط الداخلي والدولي.

كذلك خشي بايدن من أن الصدام مع اللوبي المؤيد للكيان الصهيوني أو خسارة المتبرعين الكبار في الحزب الديمقراطي قد يؤدي لضياع فرص فوزه في انتخابات 2024 قبل انسحابه.

فالفكرة السياسية لبايدن، تعني تقديم المصلحة الانتخابية الحزبية على دماء المدنيين في غزة.

وبينما كان بايدن يرفع شعار "الديمقراطية مقابل الاستبداد" فكان في نفس الوقت يصف بوتين الديكتاتوري بمجرم حرب في أوكرانيا، في حين يمد الكيان بقذائف الفسفور والذكاء الاصطناعي لقتل أطفال ونساء غزة.

وهذا يثبت لنا ان الواقعية الانتقائية، تظهر أن شعار الدفاع عن الديمقراطية هو أداة جيوسياسية تستخدم ضد الأعداء: روسيا والصين، وتُستثنى منها المصالح الحيوية مع الكيان الصهيوني. هذا التناقض هو ما تسبب في فقدان أمريكا لما يسمى بالسلطة الأخلاقية، التي طالما تغنى بها الحزب الديمقراطي في قيادته للعالم.

الخلاصة:

في قضية غزة، تحولت واقعية بايدن إلى تواطؤ متغلغل. لقد أثبتت الحرب أن ركيزة القيم والديمقراطية تنهار تماما عندما تتعارض مع الأمن القومي للكيان الصهيوني الذي تراه الإدارة جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي.

ما نراه الآن في عام 2026 هو أن إرث بايدن في المنطقة سيُذكر دائماً من خلال هذه الفجوة؛ حيث تحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، بينما كان يزود الطرف الذي يحطم هذه القواعد بكل أدوات القوة.

ولكن ماذا فعل ترامب؟

ترامب والصفقات

مع اكتمال ملامح عهد ترامب الثاني، نجد اختلافات جوهرية بينه وبين بايدن في الأسلوب والمنطلقات الفكرية التي تنطلق منها سياساته، سواء في ملف غزة أو في الموقف من التغيير في سوريا.

وتستند مواقف ترامب إلى ثلاث ركائز فكرية أساسية تختلف تماماً عن ليبرالية بايدن:

أولى هذه الاختلافات هي عقيدة السلام بالقوة

فترامب يؤمن بأن الحروب لا تنتهي بالمفاوضات الطويلة والمؤسسات الدولية، بل بإظهار القوة المفرطة التي تجبر الخصوم على الجلوس إلى الطاولة.

وهذا يفسر دعمه للكيان الصهيوني لضرب حماس بقوة في البداية، ثم ضغطه على الكيان لإنهاء الحرب فورا، عندما رأى أن الاستمرارية تضعف صورة أمريكا وقدرتها على القيادة.

ثم نأتي لثاني الاختلاف بين إدارة بايدن وإدارة ترامب، وهي البراغماتية وأسلوب الصفقات.

فإذا تأملنا إلى نظرة ترامب للعالم، فنجدها ليست صراعا بين ديمقراطية واستبداد كما يراه بايدن، بل هي سوق عالمي.

ويتجلى هذا النهج في سوريا، فأيديولوجية الشرع لا يعترف بها ترامب، وينظر إليها نظرة عدائية، ولكن براجماتيته، تجعله يعتبر وصول الشرع إلى السلطة، جانبا يمكن استغلاله في تحقيق أهدافه في سوريا، والتي تتمحور حول سحب القوات الأمريكية وأخذ التعهد على النظام الجديد بمحاربة داعش، وفي نفس الوقت قدم النظام الجديد لترامب اغراء الاستثمار في حقول النفط السورية.

أما ثالث الاختلافات فتتمثل في القومية الانعزالية والتي يؤمن بها ترامب.

فهذا التيار الذي ينتمي إليه ترامب أو كان متحالفًا معه، يرفع شعار أمريكا أولاً، ويرى  أن الالتزامات العسكرية الطويلة في الرمال المشتعلة بالشرق الأوسط هي مضيعة للثروة الأمريكية.

وهذه الركيزة في مشروع ترامب، تفسر رغبته في إنهاء حرب غزة سريعًا وإعادة القوات من سوريا. وهو يريد تصفير المشاكل العسكرية في المنطقة ليتفرغ للمواجهة الاقتصادية مع الصين، الأمر الذي يجعله أكثر جرأة في اتخاذ قرارات حاسمة، مثل الانسحاب أو فرض اتفاقيات سلام قسرية.

بإيجاز: بينما كانت إدارة بايدن تتحرك ضمن قيود القانون الدولي والمؤسسات، تتحرك إدارة ترامب بمنطق النتائج الملموسة والصفقات الكبرى، مما يجعل مواقفها أكثر تقلبا ولكنها أيضا أكثر قدرة على تغيير الوضع القائم الذي ظل مجمدا لسنوات.

ولكن كيف يفيد هذا الاختلاف قضايا العرب والمسلمين؟

لا شك أن الاختلاف بين نهج بايدن ونهج ترامب لا يعني بالضرورة أن أحدهما خير والآخر شر لقضايا العرب والمسلمين، بل يعني أن كل نهج يقدم مكاسب مختلفة مقابل أثمان مختلفة.

ولذلك فالرجوع إلى قاعدة أهون الشرين، هي الأساس، وهي من سمات وطبيعة غالبية مسائل العمل السياسي، حيث لا يتم الاختيار بين الحسن والسيء، بل بين الأقل سوء وتمييزه عن الأكثر سوء.

لقد استفاد أهل غزة بالفعل من ضغط ترامب على نتانياهو لإيقاف حرب الإبادة للبشر والشجر والحجر، ومهما قيل من أن قتل الفلسطينيين لم يتوقف، ولكن علينا أن نتذكر أنه قبل الهدنة الأخيرة كان الصهاينة يقتلون في حدود ١٥٠ فلسطينيا يوميا، ولكن بعد توقف الحرب قل المعدل إلى ثلاثة أفراد يوميا. وهنا الفارق وكما قلنا ليس الاختيار بين الخير والشر، بل بين الأقل سوء والأكبر.

أما في الملف السوري، فقد استفاد أهل سوريا من وصول ترامب للرئاسة، والذي أقنعته السعودية وتركيا بأن التعامل مع النظام الجديد سيحقق أهدافه وصفقاته، فأخذ ترامب خطوات حثيثة في الاعتراف بالنظام الجديد وألغى العقوبات ضده، ولجم نتانياهو عن بعض من توغلاته في سوريا.

والأهم أنه سمح الشرع بمد نفوذ الحكومة إلى مناطق قسد والتي كانت تستحوذ على ما يقرب من ٢٨٪ من الأراضي السورية.

هكذا بدت إدارة ترامب الخيار الأقل سوء في قضايا المسلمين والعرب.

أعلى