إسرائيل حيال الأزمة الأوكرانية.. بين نار الحياد ولهيب الصدام

قد تكون خطوة إغلاق الوكالة اليهودية في روسيا مجرد إشارة تحذير من موسكو وليست أكثر من ذلك بكثير، خاصةً وأن روسيا بدأت في مضايقة عمليات الوكالة اليهودية على أراضيها منذ 8 سنوات تقريبًا


مع بدء الغزو الروسي على أوكرانيا، أدركت إسرائيل منذ اللحظة الأولى أن النزاع بين المعسكر الروسي والدول الداعمة له من جهة، ومعسكر أوكرانيا وداعميه من دول غربية في مقدمتها الولايات المتحدة، سيكون له تبعات كبيرة إذا ارتمت في أحضان أحد المعسكرين على حساب الآخر، حاول الساسة الصهاينة أن يجدوا طريقة تمكنهم من الإمساك بالعصا من المنتصف، عملوا على الوقوف في نقطة توازن بالرغم من الوضع المعقد للنزاع، عرض رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت خدماته كوسيط، وتجنبت إسرائيل تقديم الدعم العلني ـ ولو على سبيل التصريحات الرسمية ـ للرئيس الأوكراني اليهودي فولوديمير زيلينسكي، كما أنها رفضت صراحةً تسليم أسلحة لكييف، ولم تحترم العقوبات المفروضة على روسيا، في نفس الوقت لا يرغب الإسرائيليون في إغضاب حلفائهم الغربيين على الجانب الآخر، لذا أعلنوا انتقادهم للغزو الروسي عبر التصويت لصالح اقتراح الأمم المتحدة الذي يطالب بانسحاب فوري للقوات الروسية من أوكرانيا، وكذلك لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعليق مشاركة روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة.

في دوائر واسعة في إسرائيل ـ خاصةً على المستوى الأمني ـ يُنظر إلى هذا الحياد بشكل متزايد على أن تكلفته تفوق فائدته، فهذا الحياد يثير غضب الروس وحنق الأمريكيين على حد السواء، لكن بأي حال لم تدم حالة الحياد الإسرائيلي ـ إن جاز لنا تسميتها كذلك ـ طويلًا، فبعد أيام من قدوم رئيس الوزراء المناوب يائير لابيد إلى السلطة، أعلنت روسيا عن نيتها إغلاق نشاط الوكالة اليهودية على أراضيها، في ضربة موجعة للمنظمة التي تشجع هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل، بالنسبة لإسرائيل فإن مثل هذه الخطوة تمثل إعلانًا للحرب على المصالح الإسرائيلية في روسيا، السبب الظاهر لإغلاق مكاتب الوكالة اليهودية هو انتهاك المنظمة غير الحكومية للقوانين الروسية، إلا أن موسكو في الكواليس تندد بالأشخاص الذين يغادرون وطنهم في الأوقات الحرجة ويختبئون في إسرائيل للتحريض على كراهية الروس، المقصود هنا هم اليهود الروس الذين يتركون روسيا ويذهبون إلى إسرائيل في ظل الأوضاع الراهنة، إضافة إلى الشعور الروسي بالخيبة من الحياد الإسرائيلي وبعض المواقف الدبلوماسية التي قامت بها إسرائيل مؤخرًا في مخالفة صريحة للسياسة الروسية، وفي ظل هذا التوتر تضاعفت المواد التي تحتوي على إيحاءات معادية للسامية والتي تنشرها وسائل الإعلام الروسية المختلفة.

تأسست الوكالة اليهودية (سخنوت)، وهي منظمة تعني بضمان العلاقات بين اليهود حول العالم وتسهيل الهجرة اليهودية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1929، تمثل هجرة اليهود إلى إسرائيل أحد أهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي، ومع وجود مئات الآلاف من اليهود الذين لا يزالون يعيشون في روسيا، فإن تعليق ذراع الهجرة الإسرائيلية يشكل إشارة واضحة على إعاقة أحد شرايين التواصل للكيان المغتصب الذي يتغذى على قدوم اليهود من كل حد وصوب لبناء مجتمع الدولة اليهودية، تعمل المكاتب التمثيلية للوكالة اليهودية في روسيا منذ عام 1989، الحديث عن إغلاق هذه المكاتب اليوم يزيد من المخاوف الإسرائيلية من خلق وضع جديد يستحيل فيه عمل المنظمات اليهودية والإسرائيلية الأخرى، كالمراكز الثقافية ومراكز تعليم اللغة العبرية.

قد تكون خطوة إغلاق الوكالة اليهودية في روسيا مجرد إشارة تحذير من موسكو وليست أكثر من ذلك بكثير، خاصةً وأن روسيا بدأت في مضايقة عمليات الوكالة اليهودية على أراضيها منذ 8 سنوات تقريبًا، ربما تكون هذه الخطوة أيضا رسالة إلى لبيد، الذي تبنى موقفًا أكثر صرامة من بينيت بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا منذ أن وزيرًا للخارجية، ومن الواضح أنه لا يزال ينحاز إلى جانب أوكرانيا الآن، في موقف يتماشى مع غالبية الدول الغربية. بالرغم من ذلك، قام لبيد بتغيير موقفه وتبنى صورة أقل صدامية، إذ أمر كبار المسؤولين في حكومته بتشكيل وفد للذهاب إلى موسكو للتشاور حول الازمة، ووجّه بالتوقف عن التحدث علناً بشأن هذه المسألة. رئيس الكيان الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الذي شغل منصب رئيس الوكالة اليهودية لمدة 3 سنوات قبل توليه الرئاسة، طالب بضرورة نزع فتيل الأزمة، ودعا إلى ما أسماه "إخماد النيران"، مضيفًا: "بعض الأشياء من الأفضل ألا تقال، أعتقد أنه كلما قلَّ الحديث عن ذلك في الصحافة، كلما كان أفضل، الهدوء سيسمح لنا بمعالجة مناسبة لهذه المشكلة". الروس من جانبهم قللوا من أهمية الأزمة، وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحفيين، إنه "لا ينبغي تسييس الوضع أو عرضه على مجمل العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية".

لم تبدأ الأزمة بين ليلةً وضحاها، فروسيا قلقة من تضاعف أعداد اليهود الروس المهاجرين منها إلى إسرائيل مؤخرًا، خاصةً وأن أغلبهم من الأثرياء ومن ذوي الكفاءات، على النقيض تتهم إسرائيل المركز الثقافي الروسي في تل أبيب بتشجيع اليهود من أصل روسي بالعودة إلى وطنهم الأم، هناك أكثر من مليون إسرائيلي من أصول روسية يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تشكل الهجرة العكسية أحد الكوابيس لإسرائيل، يُضاف إلى ذلك بعض التصريحات التي أحدثت أزمات سريعة خلال الفترة الماضية، إذ أثارت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن هتلر كان له "دم يهودي"، استنكارًا واسعًا وحالة من الغضب في إسرائيل، إذ قال لافروف في إطار إجابته عن سؤال حول رغبة روسيا في استئصال النازية من أوكرانيا رغم كون رئيسها يهوديًا: "الأمران لا يتناقضان؛ ما الفرق حتى إذا كان زيلينسكي يهوديًا؟، لقد كان لأدولف هتلر أيضاً دم يهودي، واليهود المستنيرون يعرفون جيدًا أن أكثر المعادين للسامية حماسة هم عادة يهود"، ولكن بقدر ما كانت هذه الأزمة بين موسكو وتل أبيب غير متوقعة، بقدر ما تم تجاوزها بسرعة، ولم يتوقف عندها الجانبين طويلًا، وفي أوائل أبريل الماضي، تحدث لبيد عن جرائم حرب روسية في أوكرانيا، فردت الخارجية الروسية بأن هذا التصريح لا يعدو كونه "تمويهًا ضعيفًا لاستغلال الوضع في أوكرانيا، لصرف انتباه المجتمع الدولي عن أقدم نزاع لم يتم حله"، وهو الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

بالرغم من احتدام المواجهة الدبلوماسية والشد والجذب في التصريحات، لا يزال التنسيق العسكري العملياتي الإسرائيلي ـ الروسي بشأن سوريا كما هو دون تغيير، تحتاج إسرائيل إلى التنسيق مع الروس قبل شنّ الطيران الإسرائيلي لغاراته ضد الوجود الإيراني في الداخل السوري، فقدان الإسرائيليين لهذا التنسيق يعني أن بطاريات الصواريخ الروسية "إس -300" و"إس -400" المضادة للطائرات والموجودة على الأراضي السورية يمكن أن تحاصر طائرات سلاح الجو الإسرائيلي في أي لحظة، ومن الوارد إسقاطها في لحظة من لحظات الخطأ غير المقصود على أقل تقدير، في سيناريو كهذا، يمكن أسر طيار إسرائيلي وربما نقله إلى إيران، أو الاستيلاء على مكونات حساسة من الطائرة التي سيتم إسقاطها، وهذه كوابيس بالنسبة للإسرائيليين، يخشى قادة الكيان الصهيوني أيضا من أن تقوم روسيا في الوضع الحالي بتعزيز علاقاتها مع إيران، وهو ما يقتضي تباعدًا مع إسرائيل، لذا فإنهم لا يرغبون في مواجهة الروس كليًا حتى لا يحل الإيرانيون محلهم في الأجندة الروسية.

يبدو أن الأمور بين البلدين قد بدأت تسوء بالفعل، وبالتبعية يتم توظيف الأزمة مع روسيا في الحملات الانتخابية في إسرائيل، حيث يتهم أتباع زعيم المعارضة، بنيامين نتنياهو، لبيد بتقويض العلاقات الاستراتيجية التي أقامها نتنياهو مع بوتين على مر السنين، على النقيض يقول أنصار لبيد إن العالم الغربي بأسره أفسد علاقاته مع بوتين بعد غزوه لأوكرانيا، مذكرين بحالة الحرج والإهانة التي وضع بوتين فيها نتنياهو، عندما جعله ينتظر لساعات عديدة قبل لقائه في سوتشي قبيل الانتخابات الإسرائيلية 2019، قد يكون من المبكر الحديث عن انفجار العلاقات تماما بين إسرائيل وروسيا، لكن الفهم السائد لما يحدث الآن هو أنهما على مسار التصادم، لقد اكتوت إسرائيل من نار الحياد، وهي مقبلة الآن على الاكتواء بلهيب الصدام.

أعلى