استنزاف روسيا.. خطة الغرب في الحرب الأوكرانية

وفقًا لتقارير فإن الروس يتكبدون خسائر فادحة بسبب القتال في أوكرانيا، إذ تفوق خسائرهم الخسائر العسكرية الأمريكية مجتمعة في 20 عامًا من القتال في العراق وأفغانستان.


 قد تنتهي الحروب بجانب منتصر وآخر مهزوم، لكن في النهاية فإن الجانبين يتكبدون الكثير من الخسائر، عادةً ما تندلع الحروب وتستمر بسبب سوء تقدير الجانبين فيما يتعلق بقوتهما النسبية، وتحت ضغط هائل من العواطف والنزوات والدوافع غير المنطقية تواصل المدافع إطلاق قذائفها، وتستمر المستشفيات في استقبال القتلى والجرحى، في الحالة الأوكرانية؛ أخطأت روسيا خطأً كبيرًا حين قللت من عزم الأوكرانيين على القتال، فبدأت القوات الروسية في شنّ هجمة قوية باستخدام القصف المدفعي الثقيل في جنوب وشرق أوكرانيا، جنبًا إلى جنب مع ضربات جوية في الغرب، كان الروس يهدفون إلى تعطيل خطوط الإمداد اللوجيستية التي قد يستخدمها الغرب لدعم كييف، لكن المفاجأة كانت أن الناتو نجح في إيصال الدعم العسكري للأوكرانيين، وعمد إلى خلق حالة من الدعم والتعاطف العالمي مع الشعب الأوكراني، صحيح أن هذا الدعم لا يؤمّن هزيمة روسيا في ساحة المعركة، لكنه على الأقل منع سقوط أوكرانيا كصيد سهل في يد الروس كما كان يطمح فلاديمير بوتين، والنتيجة هي أن حرب استنزاف طويلة الأمد قد بدأت، ولا أحد يعلم موعد نهايتها.

عندما هاجم الروس أوكرانيا، كان من الواضح أنهم توقعوا نصرًا سريعًا وسهلًا، استهانت روسيا إلى حد كبير بترقية الجيش الأوكراني بعد سنوات من الدعم والتدريب من قبل الأمريكيين والبريطانيين وغيرهما منذ عام 2014، علاوة على ذلك استهان الروس أيضا بالتكنولوجيا العسكرية لحلف الناتو، ظنوا أن الناتو لن يساعد الأوكرانيين، لكن يبدو أن الناتو كان أكثر ذكاءً من الروس حتى الآن، لقد رفض الحلف ضم أوكرانيا منذ عدة سنوات وحتى الآن، حرصًا على عدم زيادة حدة التوتر مع روسيا، استند الناتو في ذلك إلى شروط قبول عضوية دولة جديدة ضمن صفوفه، ومنها منع انضمام دولة على أرضها قوات أجنبية، حيث يتمركز الروس في دونباس شرقي أوكرانيا، إضافة إلى أن الشروط تقتضي ألا تكون الدولة في حالة حرب أو بها اضطراب أهلي، وهو ما تشهده أوكرانيا الآن، ولو افترضنا جدلًا دخول أوكرانيا للحلف الآن، فإن هذا سيجعل الأخير مضطرًا للدفاع عنها وفقًا للمادة الخامسة من ميثاقه، في ظل هذا الوضع المعقد، فَطِنَ الناتو إلى استراتيجية أخرى تقوم على استنزاف روسيا اقتصاديًا، ومحاربتها عسكريًا بالوكالة من خلال الأوكرانيين، يخشى الناتو من أن المواجهة المباشرة قد تودي إلى استعمال موسكو للسلاح النووي، وهو ما ستكون عواقبه وخيمة على الجميع.

تخشى دول الناتو، لا سيّما الدول الأوروبية التي تعتمد على موارد الطاقة الروسية، من أن تمتد آثار الحرب الأوكرانية لتلتهم اقتصادها ببطء هي الأخرى، لكن في نفس الوقت فإنها تأمل في تحقيق رد فعل منطقي وقوي على همجية الروس وغزوهم غير المبرر لدولة جارة، ففي البداية كان الدعم الغربي لأوكرانيا يستهدف التصدي للاجتياح الروسي عليها فحسب، أما الآن قد زاد الطموح الغربي، إنها فرصة سانحة لإضعاف روسيا نفسها، بدأ الغرب بالعقوبات المالية، صحيح أنها أقل شمولًا وفعالية بكثير مما تعترف به الحكومات التي فرضتها، كما أنها لا ترقى لمستوى العقوبات ضد فنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وغيرها، لكنها مُصَمّمة بطريقة لإحداث ركود بطيء للاقتصاد الروسي، وفي نفس الوقت على الإضرار بالاقتصادات الغربية التي ينخر فيها التضخم بسبب هذه الحرب، إضافة إلى كون روسيا مورد كبير للطاقة والغذاء في الأسواق الدولية، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، سينكمش الاقتصاد الروسي بنحو 8.5٪ في عام 2022، وهو أمر سيئ ولكنه ليس كارثيًا.

يتزامن الاستنزاف الاقتصادي لروسيا مع الاستنزاف العسكري للقوات الروسية، وقد عبّر عن ذلك صراحةً مسؤولون غربيون بارزون؛ على رأسهم لويد أوستن، وزير الدفاع الأمريكي، الذي قال إن "الهدف هو رؤية روسيا في وضع أضعف"، لقد زاد الغزو الروسي لأوكرانيا من مخاوف أعضاء الحلف في أوروبا الشرقية، فبدأ الحلف في تعزيز تواجده في جمهوريات البلطيق في الشمال إلى رومانيا في الجنوب، وشكّل قوة رد يبلغ قوامها 40 ألف جندي في دول أوروبا الشرقية المتاخمة لروسيا وأوكرانيا، هناك الآن 100 طائرة مقاتلة في حالة تأهب قصوى، و120 سفينة، من بينها 3 مجموعات من حاملات الطائرات، تقوم بدوريات في البحار من أقصى الشمال إلى شرق البحر المتوسط، حالة الاستنفار والتأهب تلك لم يكن من المتاح في السباق مجرد التدريب عليها، الآن يمكن للناتو يشكل حاجز صد سريع ومنظم في حالة وقوع أي هجوم روسي على أي دولة من دوله الأعضاء، يُضاف إلى ذلك الدعم الذي تقدمه المخابرات الأمريكية والأوروبية لأوكرانيا، وهو ما ساعدها في قتل عدد من الجنرالات الروس وإغراق الطراد "موسكوفا" الذي كان يمثل أكبر سفينة في الأسطول الروسي بالبحر الأسود، ووفقًا لتقارير فإن الروس يتكبدون خسائر فادحة بسبب القتال في أوكرانيا، إذ تفوق خسائرهم الخسائر العسكرية الأمريكية مجتمعة في 20 عامًا من القتال في العراق وأفغانستان.

بعد مرور 3 أشهر من بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، يعتقد كل طرف أنه سينتصر في الحرب، لكن الطرفين سيخسران، التنبؤ بموعد انتهاء الهجوم الروسي أمر معقد للغاية، في صراع طويل كهذا يسعى فيه الطرفان إلى استنزاف الخصم من خلال الخسارة التدريجية للأفراد والمعدات والإمدادات، أما قضية المفاوضات فهي لا تزال ملحة وعاجلة للتوصل إلى اتفاق، يحتاج الطرفان إلى إعادة ضبط توقعاتهما، يجب على أوكرانيا تكثيف البحث عن سلام تفاوضي مع الروس الذين يشترطون حياد أوكرانيا، ستحتاج أوكرانيا إلى ضمانات دولية لأمنها وجدول زمني لمعالجة القضايا الخلافية مثل وضع شبه جزيرة القرم ودونباس، انهارت المفاوضات عدة مرات، لا سيّما بعد التقارير التي تحدثت عن مجزرة بوتشا، على الجانب الآخر فإن روسيا تخشى من أن الناتو يتعدى على مناطق نفوذها من خلال استقطاب أعضاء جدد في أوروبا الشرقية، ومن أن قبول أوكرانيا في الحلف سيجلب قوات الناتو إلى فنائها الخلفي، قد يكون من الصعب التكهن بعقلية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، صحيح أنه يمكنه إيقاف غزو قواته لأوكرانيا في أي لحظة، إلا أنه لم يبد حتى الآن أي استعداد لإنهاء تلك الحملة، ومع استمرار الحرب، ستبدأ روسيا في الشعور بالآثار الاقتصادية للعقوبات، والتي من المحتمل أن تكون لها عواقب عملية على طموح بوتين السياسي إذا لم يتم تدارك الأمور في أقرب وقت، والأخطر من ذلك كله، أنه ما دامت الحرب مستمرة، فإن خطر التصعيد النووي حقيقي، خاصةً إذا تم دفع القوات التقليدية الروسية نحو الهزيمة، فقد يلجأ بوتين نحو استخدام الأسلحة النووية التكتيكية.

إن حقيقة التهديد النووي تعني أنه لا ينبغي للطرفين أبدًا التخلي عن إمكانية إجراء مفاوضات لحل الأزمة، هذا هو أهم الدروس الذي يمكن استخلاصها من التاريخ، ولا سيّما من أزمة الصواريخ الكوبية التي حدثت قبل 60 عامًا، لقد نجح الرئيس الأمريكي جون كينيدي حينها في إنقاذ العالم من خلال التفاوض على إنهاء الأزمة، في تلك الأثناء وافق كينيدي على عدم غزو كوبا مرة أخرى وأن بلاده ستزيل صواريخها من تركيا مقابل سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، لم يكن ذلك استسلامًا للابتزاز النووي السوفييتي، في مسألة الحرب بالذات يجب التفكير بالنتائج قبل الدوافع، وستظل أعظم حرب يتم الانتصار بها، هي تلك التي يمكن تجنبها.

أعلى