خلفيات الحرب وأبعاد الصراع في إثيوبيا

محاولة جبهة تحرير تجراي لاحتلال اقليم العفر، قد باءت بالفشل، وذلك بفضل ابناء العفر المسلمين، الذين تصدوا لتلك المحاولة وردوا قوات الجبهة على أعقابها. كما أن محاولة الجبهة تطويق العاصمة أديس ابابا، لم تكن سوى محاولة استعراضية، ليس إلا


صارت اثيوبيا فجأة محط أنظار العالم، ومحل تركيز عدسات وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعد التقدم الكاسح الذي أحرزته جبهة تحرير شعب تجراي المتمردة، ضد الجيش الحكومي، في الحرب الأهلية الجارية بينهما منذ أكثر من عامين، ومحاولة الجبهة تطويق العاصمة أديس أبابا بالتنسيق مع جبهة تحرير أروميا، من جهة، واحتلال اقليم العفر المسلم لقطع الشريان الحيوي الذي يربط أثيوبيا بجيبوتي، نافذتها الوحيدة إلى العالم لتصدىر منتجاتها واستيراد احتياجاتها، من جهة اخرى.

رد فعل الحكومة الأثيوبية الاتحادية

تقدم جبهة تحرير تجراي على هذا النحو المذهل، بعد استعادة سيطرتها على اقليم تجراي، الذي كان الجيش الحكومي قد طردها منه في وقت سابق، وترنح هذا الجيش تحت ضرباتها الموجعة، ووقوع الآلاف من أفراده أسرى في يدها، وسيطرة الجبهة على مخزون ضخم من أسلحته وعناده، بجانب تصاعد دعوات الحكومات الغربية لرعاياها بمغادرة أثيوبيا، كل هذه العوامل وغيرها، دفعت آبي أحمد رئيس الوزراء الأثيوبي، إلى نزع الزي المدني وارتداء الزي العسكري، ومن ثم، النزول إلى ميدان المعركة لقيادة الحرب بنفسه ضد جبهة تحرير تجراي، أو بالأحرى لإعادة الثقة للجيش الحكومي المترنح والمنهار، كي يستعيد زمام المبادرة في تلك الحرب من جديد، وليس ذلك فحسب، إنما دعوة الشعب الأثيوبي للانتفاضة وحمل السلاح واللحاق بجبهة القتال. بيد أن محاولة جبهة تحرير تجراي لاحتلال اقليم العفر، قد باءت بالفشل، وذلك بفضل ابناء العفر المسلمين، الذين تصدوا لتلك المحاولة وردوا قوات الجبهة على أعقابها. كما أن محاولة الجبهة تطويق العاصمة أديس ابابا، لم تكن سوى محاولة استعراضية، ليس إلا، نظرا لافتقار الجبهة للمقاتلين الذين سيمكنونها من تحقيق ذلك، من جهة، ولعدم وجود أي شعبية لها في العاصمة أدبس أبابا، والواقعة أساسا في منطقة شوا التابعة لأقليم أروميا، ذي الأغلبية المسلمة. ذلك أن نسبة أقلية التجراي لا تتجاز 6% من مجموع سكان أثيوبيا، البالغ أكثر من 110 مليون نسمة، ينتمون إلى حوالي 80 أقلية عرقية، أكبرها أقلية الأرومو ذات الأغلبية المسلمة (40%)، ثم أقلية الأمهرة ذات الأغلبية النصرانية (27%).

المحرك الأساسي للحرب ضد التجراي

ويمكن القول أن أقلية الأمهرة، المهيمنة تاريخيا على حكم الحبشة، والتي ينتمي إليها جل أباطرة أثيوبيا المعاصرين، هي الطرف الأساسي في الصراع ضد جبهة تحرير تجراي، وهي التي تقف وراء التحركات الأخيرة لرئيس الوزراء آبي أحمد وحكومته، ضد أقلية التجراي، ممثلة بجبهة تحرير تجراي، رغم أن كل منهما (الأمهرة والتحراي) تنتمي إلى ملة واحدة وهي النصرانية الأرثوذكسية، ولكن الصراع احتدم بينهما في العقدين الأخيرين، لأسباب سياسية وعرقية. ويرجع هذا الصراع إلى عام 2018، ولكن جذوره تمتد، إلى عام 1991، وهو العام الذي سقط فيه الحكم الشيوعي في إثيوبيا، بقيادة الطاغية منجستو هيلا ماريام، رئيس المجلس العسكري، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط الشوعية في مزبلة التاريخ، وبالتالي، استيلاء التجراي على السلطة برئاسة ملس زيناوي، زعيم جبهة تحرير تجراي المعارضة، والتي لعبت دورا محوريا في إسقاط منجستو، بدعم أمريكي وغربي، وبمساعدة الأحزاب الإسلامية وبخاصة الحركة الإسلامية لتحرير أروميا، وأيضا بالتحالف مع جبهة تحرير إرتيريا بزعامة أسياسي أفورقي، قبل اندلاع الحرب بينهما بعد وصول كل منهما إلى الحكم في بلاده. وقد تبوأ زيناوي، الذي اعتبر حليف أمريكا والكيان الصهيوني القوي، ويدهما الضاربة في مواجهة المد الإسلامي في القرن الأفريقي تحت لافتة "مكافحة الأرهاب"، رئاسة الحكومة بعد فوز الأئتلاف التي قادته الجبهة، تحت مسمى "الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا"، في انتخابات عام 1995، واضعا بذلك حدا لهيمنة أقلية الأمهرة على السلطة في اثيوبيا والمستمرة منذ عشرات السنين، ومن ثم، تدشين مرحلة جديدة في تاريخ اثيوبيا المعاصر، هي هيمنة أقلية التجراي.

ملابسات تنصيب آبي أحمد رئسا للحكومة

وقد تمكنت أقلية التجراي في ظل رئاسة زيناوي للحكومة لسنوات طويلة، واستمرار قبضته الحديدية على مقاليد الأمور، من دون منازع، حتى وفاته سنة 2012، من السيطرة على مفاصل الدولة الحيوية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وذلك رغم نسبتها الضئيلة. وهي المرحلة التي انتهت عام 2018 بعد انفراط عقد الأئتلاف التي كانت تهيمن عليه جبهة تحرير تجراي، وأيضا بعد احتجاجات شعبية شديدة في العاصمة، ومختلف الأقاليم، وبخاصة من قبل شعب الأرومو المضطهد، وعندها نجح تحالف مكون من بعض الأحزاب القومية، قادته الأقلية الأمهرية، في إزاحة التجراي من الواجهة السياسية، بعد فوز هذا التحالف في انتخابات ذلك العام، وبالتالي، تنصيب آبي أحمد رئيسا للحكومة، وهو أول رئيس وزراء من قومية الأرومو، ذات الأغلبية المسلمة، يحكم اُثيوبيا، ولكنه غير مسلم، كما قد يتبادر إلى الذهن، إنما هو مسيحي بروستانتي، من أب مسلم وأم نصرانية. وربما كانت الأقلية الأمهرية، هي التي وقفت وراء عملية تنصيبه، وذلك لأجل تهدأة شعب الأرومو الثائر، وللإلتفاف على مطالبه، من جهة، وليكون آبي أحمد واجه لها، للامساك بزمام الأمور في البلاد مجددا، من جهة أخرى. وفعلا تمكنت أقلية الأمهرة من خلال أبي أحمد، رئيس الحكومة الذي يعتبره الكثير من الأثيوبيين دمية في يدها، ليس فقط من استعادة السطة السياسية في إثيوبيا، إنما أيضا في استعادة سيطرتها على المؤسسة العسكرية، وبالتالي، إقصاء القادة العسكريين الذين ينتمون لأقلية التجراي، عن موقع القيادة في الجيش الحكومي، بعد أن كانوا يشكلون أكثر من 35% من مجمل قادته، وفقا لتقارير صحفية.

أسباب تمرد جبهة تحرير تجراي

جاء ذلك بعد سلسلة القرارات الموجهة والمدروسة، التي اتخذها آبي رئيس الحكومة، وأهمها قرار إقالة كل من رئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطنية المنتمين لأقلية التجراي، أضافة إلى القرارات التي اتخذها في المحال السياسي والتي استهدفت مسئولي الجبهة، بجانب تقديم بعض مسئوليها للمحاكمة بتهم الفساد. كل هذا وغيره قد أدى إلى سريان التذمر والاستياء والغضب في صفوف أقلية التجراي، وبخاصة بعد قيام آبي بتطبيع العلاقات مع إريتيريا، التي رأت أقلية التجراي عدو أرتيريا اللدود، أنها المستهدفة من اتفاقيته معها. وهي الاتفاقية التي حصل آبي على جائزة نوبل بسببها. هذه العوامل، بجانب زوال سيطرتها على السلطة، وهو العامل الأهم، دفعت جبهة تحرير تجراي، إلى تعزيز قبضتها على اقليم تجراي، في الشمال، والذي ظلت مهيمنة عليه سياسيا واجتماعيا وإداريا، رغم هيمنتها على الحكومة المركزية في إديس، على مدى 27 عاما من حكمها لأثيوبيا، وصولا إلى مطالبة هذه الجبهة بالانفصال، وفك الارتباط بالحكومة الاتحادية، وحمل السلاخ ضدها. وهكذا ابتدأت الحرب بين جبهة تحرير تجراي وبين الحكومة الاتحادية، في نوفمير2020. وهي الحرب التي وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، دون وجود أية مؤشرات، إلى امكانية الحسم من قبل أي طرف في القريب العاجل. والخاسر الأكبر من هذه الحرب، هم المسلمون، بقومياتهم المختلفة الأرومو، والعفر، والصومالي، وبني شنقول، وغيرها، والتي اقتضت سياسة الغرب منذ أكثر من قرن، أن لا يكون لها أي دور في سياسة هذا البلد، رغم كثافتها السكانية الهائلة، وكونها باتت مجتمعة تشكل الأغلبية من مجموع سكانه.  

أعلى