الحرب على الدين في مالي

الحرب على الدين في مالي



 

بدأت فرنسا يوم الجمعة الماضية حربا على الجماعات الإسلامية التي تسيطر على "إقليم تمبكتو" شمالي مالي، حرب تشارك فيها موريتانيا والجزائر والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس"، واعتبرت فرنسا أن هذه الحرب ذات أهمية كبيرة لوقف زحف الحركات الإسلامية على جنوبي مالي، ووقف نشاطاتها "الإرهابية" ومنعها من إقامة دولة راعية لـ"الإرهاب"، وغير ذلك من الأسباب، مع تهيئة إعلامية كبيرة، وعلى الرغم من أن سوريا يقتل فيها مئات الأشخاص يوميا، إلا أن ذلك لم يحرك ضمير هذه الدول لوقف تلك المجازر، بدلا من شن حرب على جماعات إسلامية حققت الأمن والاستقرار في بلد مضطربة سياسيا.

إن الأمر في حقيقته بعيد كل البعد عن الإرهاب، ولكي تتضح الصورة، فلابد من سرد سريع لما شهدته تلك البلاد خلال العام الماضي، حيث قام مجموعة من ضباط الجيش المالي بقيادة الرائد "آمادو هيا سنوغو" في مارس 2012، بانقلاب عسكري ضد الرئيس السابق "آمادو توماني توري"، لم يصمد طويلا حيث اضطر قادة الانقلاب تحت ضغط "الإيكواس" والدول الغربية لتعيين رئيس البرلمان ديونكوندا تراوري رئيسا مؤقتا للبلاد في أبريل من العام نفسه، ولينسحبوا هم إلى قاعدة عسكرية، ليديروا البلاد من خلف الستار.

أثار ذلك الانقلاب الحركة الأزوادية العلمانية في شمال مالي "حركة تحرير الأزواد"، التي قادت حربا ضد الجيش المالي للمطالبة بإقامة دولة منفصلة للطوارق، فاستطاعت تحقيق الكثير من الانتصارات عليه، بفضل ما يملكه الطوارق من سلاح حصلوا عليه من مخازن السلاح الليبي وقتما كانوا يقاتلون في صفوف الزعيم الليبي السابق معمر القذافي.

وجدت الحركات الإسلامية المنتشرة في مالي العلمانيين الطوارق يسيطرون على الإقليم ويتجهون به نحو الانفصال وإقامة الدولة العلمانية، فهبوا دفاعا عن وحدة البلاد، وحماية لهويتها الإسلامية، ولتطبيق الشريعة الإسلامية، فخاضت قتالا مع "حركة تحرير الأزواد" وسيطرت على الإقليم، وطردت ما تبقى من قوات الجيش المالي.

ثارت ثائرة الغرب، أنى للإسلاميين أن يحكموا وأن يطبقوا الشريعة؟!، وهاجوا وماجوا ودقوا طبول الحرب، لكنهم يدركون أن الأمر ليس بالسهولة التي يتخيلها البعض، فجربوا سبيل المفاوضات مراهنين على عامل الوقت وفشل حركة "أنصار الدين" التي كان لها النفوذ الأكبر في الإقليم، بالإضافة إلى حركة "التوحيد والجهاد" التابعة لتنظيم القاعدة، في إدارة الإقليم وتسيير حركة المواطنين، ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، ونجحت الحركة في إدارة الإقليم، بل وعاد الكثير من السكان الذين نزحوا إلى الجنوب عندما بدأت المعارك، لما وجدوه من حسن الإدارة ومحاربة الفساد وتوفير الاحتياجات.

بعدما نجحت الحركات الإسلامية في إدارة الإقليم وبسط سيطرتها عليه بشكل كامل، وانتهى بشكل شبه نهائي الوجود العسكري لـ"حركة تحرير الأزواد" بدأت حركة "أنصار الدين" في الزحف نحو الجنوب، وسيطرت على مدينة "كونا" وذلك يوم الخميس الماضي، وهي مدينة استيراتيجية مهمة، فانتفضت فرنسا لتعلن في اليوم التالي مباشرة بدء حملة عسكرية مشتركة ضد الجماعات الإسلامية في شمال مالي، بعد أن كان الهدف هو إعادة تشكيل الجيش المالي لتمكينه من استعادة السيطرة على الشمال، دون أن يتدخلوا بشكل مباشر.

لقد أرادت فرنسا ومن ورائها حلف الناتو الصليبي والولايات المتحدة الأمريكية، إيقاف تقدم الجماعات الإسلامية نحو الجنوب، لإدراكها أنه إذا لم يتم إيقاف هذا الزحف فإن هذه الجماعات ستسيطر على كافة أجزاء مالي بوقت قصير، لما يعانيه جنوب مالي من أزمات سياسية وصراع بين القوى المختلفة منذ الانقلاب العسكري العام الماضي، حيث يعاني الجنوب من تجاذب النفوذ بين قادة الانقلاب الذين يديرون الدولة من وراء الستار وبين القوى المدنية الأخرى، وبالتالي فهناك العديد من مراكز النفوذ في الجنوب، ويستعد الجنوب لانتخابات رئاسية في أبريل المقبل، ما يعني تزايد ذلك الصراع بين الأجنحة المختلفة، وهو ما يسهل تقدم القوى الإسلامية القادمة من الشمال.

كما تدرك فرنسا وحلفاؤها أن هذه الجماعات كلما طال بقاؤها في منطقة زاد نفوذها وصار من الصعب هزيمتها، وأن قيامها بالزحف نحو الجنوب يعني أنها قد تمكنت من إحكام السيطرة على الشمال، وبالتالي كان لابد من وقف هذا الزحف، وإحداث خلخلة في سيطرتها على الشمال، حتى يتم وضع الخطة الكاملة للحرب عليهم.

ويتميز إقليم تمبكتو بشمال مالي بكثرة الثروات الطبيعية، حيث أنه غني باليورانيوم والغاز والفوسفات، كما أن شركة توتال الفرنسية أثبتت وجود احتياطات هامة من النفط في حوض تاودني الموجود بموريتانيا والمتوغل شرقا نحو إقليم أزواد، وقد منحت الحكومة المالية في عهد الرئيس السابق عقود تنقيب لست شركات أجنبية مختلفة.

وتخشى فرنسا حلفاؤها من إحكام هذه الجماعات الإسلامية، سيطرتها على ثروات شمال مالي، لأنه إذا انتبهت هذه الجماعات إلى هذه الثروات وأحكمت السيطرة عليها وبدأت في استغلالها، فإنها قطعا ستحرم منها الدول الغربية، ولن يحصلوا عليها إلا بمقابل وليس كما تحصل عليه من الحكومات الموالية لهم، ولأن هذا المقابل سيكون في صالح تلك الجماعات، إذ به تثبت نفوذها وتقوي سلطتها، وترسخ أقدامها، وهو أمر لا يرضاه الغرب بأي حال من الأحوال، إذ أن من أهم أولوياته عدم السماح بقيام أي دولة إسلامية، والسيطرة على ثروات الدول الفقيرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الجزائر ومجموعة دول "إيكواس" تخشى من أن تؤدي سيطرة الجماعات الإسلامية على شمال مالي إلى نزوعها إلى الانفصال بالإقليم مستقبلا، وإقامة دولة خاصة بالطوارق، وهو ما سيشكل الكثير من المتاعب والأزمات لتلك الدول، حيث أن الطوارق مشتتون في الكثير من الدول الإفريقية، بناء على التقسيم الذي قامت به الاحتلال الفرنسي في القرن الماضي.

وهنا يدور التساؤل المهم، لماذا فرنسا تحديدا هي التي تقود تلك الحملة وليس حلف الناتو أو الولايات المتحدة الأمريكية؟!

إن قيام فرنسا تحديدا بقيادة العملية العسكرية في مالي، يؤكد أن الهدف الحقيقي ليس مصلحة الشعب المالي، بل إن ذلك الأمر ليس في حسبان فرنسا ولا العملية العسكرية التي تقوم بها مطلقا، ولكنها حرب على الإسلام متمثلا في الجماعات الإسلامية لمنعها من إقامة دولة إسلامية، وللسيطرة على مقدرات وثروات البلاد.

فقد وقعت الدول الأعضاء في حلف الناتو الصليبي في قمة لشبونة عام 2009، اتفاقا لتنظيم عملية الدفاع الجماعي للناتو عن أعضائه أو مصالحهم في العالم، وذلك بتوزيع أعباء التدخل في منطقة النزاع على جميع الأعضاء، بحيث تتصدر الدولة الأقرب لتلك المنطقة المشهد بصفة فردية وليس باسم الناتو، فيما تدعمها بقية الدول عسكريًا ولوجستيًا واستخباراتيًا، وهو ما عرف باسم سياسة "الباب المفتوح".

وجاء اختيار فرنسا للقيام بالعملية العسكرية في مالي على اعتبار أنها أقرب دول حلف الناتو إلى تلك المنطقة من العالم "منطقة غرب إفريقيا"، حيث إن هذه المنطقة خضعت للاستعمار الفرنسي لعقود طويلة، ولا يزال هناك تأثر في تلك المنطقة بالاستعمار الفرنسي، والدليل شيوع اللغة الفرنسية حتى الآن في تلك المنطقة ومنها الدول العربية المغرب وتونس والجزائر، كما لا يزال لفرنسا نفوذ لدى حكومات تلك الدول التي كانت تخضع لها سابقا، بالإضافة إلى التقارب الجغرافي بين فرنسا ومالي، بخلاف بقية دول حلف الناتو.

كما أن الولايات المتحدة –والتي كانت تتصدر هذه الحروب- لا تريد أن تشارك في أي عمل عسكري بشكل مباشر، بعد أن خسرت الحرب في العراق وخرجت منه بأعجوبة وهي تجر أذيال الخيبة وقد تحطم كبرياؤها على صخرة صمود الشعب العراقي ومقاومته، وها هي تخرج من أفغانستان منكسرة ذليلة بعد 11 عاما، وتستجدي حركة طالبان للتفاوض معها، بالإضافة إلى أنها لا تزال تعاني من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي شهدتها.


اقرأ أيضاً:

- لماذا يقاتل الفرنسيون في مالي؟!

- النصرة المصرية لمالي.. ضرورة إنسانية وثوابت حضارية

- أزمة اللاجئين في مالي.. وغفلة المسلمين 


:: موقع مجلة البيان الالكتروني

أعلى