• - الموافق2026/08/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مقابلة خاصة مع  الدكتور محمد أكرم الندوي

كيف استطاع محمد أكرم الندوي أن يجمع بين أصالة التكوين الشرعي والانفتاح المعرفي، وما رؤيته لدور العلم والمرأة والتعليم في نهضة المسلمين، ومواجهة التفرق والتخلف والفقر، وبناء جيل واعٍ يجمع التراث بعلوم العصر ويستشرف مستقبلهم بثقة؟


 

تستضيف مجلة البيان في هذا العدد أحد أبرز العلماء والباحثين في العالم الإسلامي المعاصر؛ العالم الجليل الدكتور محمد أكرم الندوي، الذي جمع بين العمق التراثي والوعي الفكري، وبين أصالة التكوين في مدرسة ندوة العلماء وانفتاح الدراسات العليا في بريطانيا.

البيان:  نبدأ من البدايات كيف تصفون نشأتكم الأولى في الهند، وما أثر تلك البيئة في تكوينكم العلمي؟

وُلِدْتُ في ذي الحجة سنة 1382 من الهجرة في قرية جمدهان، مديرية جونفور شمالي الهند، ونشأت في بيئةٍ قرويةٍ هادئةٍ، لم تكن تعرف من زخرف الحياة إلا أقله، ولا من أسباب الحضارة إلا أيسرها، ولكنها كانت -على فقرها المادي- غنيةً بصلاحها، عامرةً بما فيها من طمأنينةٍ وصفاء. نشأتُ تحت رعاية أبوين كريمين، وجَدٍّ وجَدّةٍ غلبت عليهما نزعة الخير، فكان لذلك أثرٌ عميق في تكوين نفسي منذ الصغر؛ إذ تعلّمت في تلك البيئة الأولى معنى الانضباط، وحبّ السكينة، والركون إلى البساطة.

على أن أعجب ما أذكره من تلك المرحلة؛ أن حبّ العلم قد نشأ في قلبي نشأةً غريبة؛ إذ نشأتُ في بيئةٍ لم تكن تُعنَى بالعلم عنايةً تُذكَر، وكان أكثر من حولي يميلون إلى الفلاحة والعمل في المزارع، بينما كنتُ أنا عاكفًا على الكتب، لا أجد لذّةً تعدل لذّة القراءة. كنتُ أقضي يومي في المدرسة، ومسائي في أداء الواجبات ومطالعة الكتب، ولم أكن أستريح إلا يوم الجمعة، على حين كان زملائي يفرحون بالعطلة، وكنتُ أنا أضيق بها؛ لأنها تصرفني عن لذّتي الكبرى.

وهكذا أستطيع أن أقول: إن تلك البيئة -على فقرها وقلة حيلتها- قد أسهمت إسهامًا عظيمًا في تكويني العلمي؛ إذ غرست في نفسي حبّ العلم، وعلّمتني الصبر على طلبه، وربّتني على الزهد في مظاهر الحياة، والإقبال على ما ينفع ويبقى. وكانت هذه الخلال هي الأساس الذي قمتُ عليه فيما بعد، وما كان لما تلاها من مراحل أن يستقيم لولاها.

البيان: كيف كانت تجربتكم في مدرسة ندوة العلماء؟

التحقتُ بدار العلوم لندوة العلماء سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائةٍ وألف، في السنة الثانية من الدراسات العالية، وقد دخلتُها وأنا أحمل في نفسي شعورًا مزدوجًا؛ شوقًا إلى العلم لا يكاد يُحَدّ، وحياءً شديدًا من أن أُثقِل على أبي، الذي كان يتكفَّل بالنفقة عليَّ وعلى الأسرة كلها. ولذلك كنتُ أقتصد في مطالبي، فلا أسأل إلا عن الضروري الذي تستقيم به حياتي الدراسية، مكتفيًا بالقليل، راضيًا به، حريصًا على ألّا يكون طلبي للعلم سببًا في إرهاق مَن أُحِبّ.

وكان من عادتي -التي لازمتني في تلك المرحلة- أن أقرأ كتابين من خارج المقررات؛ أحدهما بالأُردية، والآخر بالعربية، فكان ذلك يفتح لي آفاقًا جديدة، ويُنمِّي فيّ مَلَكة المُطالَعة، حتى أصبحت القراءة عادةً لا أستطيع عنها فكاكًا. ولم أكن أجد صعوبةً تُذكَر في العلوم والفنون، بل كنتُ أقبل عليها جميعًا بمحبةٍ ورغبة، وإن كان الحديث والفقه قد استأثرا بنصيبٍ أوفر من عنايتي في أواخر أيامي بدار العلوم.

ثم مضت تلك الأيام، كما تمضي كل الأيام، وبقي أثرها في نفسي عميقًا لا يُمحَى، لأنها لم تكن مجرد مرحلةٍ من مراحل الدراسة، بل كانت مدرسةً للحياة، أسهمت في تكوين عقلي، وتهذيب خُلقي، وتحديد طريقي الذي سرتُ عليه بعد ذلك.

 البيان: ماذا أضافت إليكم لندن في مسيرتكم العلمية؟

أما لندن -وما يتصل بها من بيئة أكسفورد العلمية-؛ فقد كانت في حياتي منعطفًا حاسمًا، لا يقل أثرًا عن ذلك المنعطف الأول الذي عرفتُه في «ندوة العلماء»، بل لعلي أقول: إنها نقلتني من طور التكوين إلى طور الامتحان، ومن الاطمئنان إلى ما يشبه القلق المُنتِج، الذي يُوقِظ العقل ويشحذ الهمة.

وقد عشتُ في هذه البيئة الجديدة حياةً متقلّبة، تتنازعها حالتان؛ غربةٌ موحشة، تكاد تصرفني عن لذة كل شيء، وانكشافٌ معرفيٌّ رَحْب، يفتح أمامي آفاقًا لم أكن أعرفها من قبل، فأجد في نفسي سكونًا ورضًا. كنتُ أحضر المحاضرات والندوات، وأقرأ كتب الفلاسفة المحدثين، وأتصفّح بحوث المستشرقين، فإذا بي أُلقى في معتركٍ فكريٍّ واسع، لا مكان فيه للركون أو الغفلة، بل لا بد فيه من يقظةٍ دائمة، ودفاعٍ واعٍ عن الدين، وعن القرآن والسنة، وعن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتاريخ الإسلام.

ولقد امتدت صلتي بمركز الدراسات الإسلامية نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، كانت -على طولها- كأنها درسٌ متصل، أتعلم فيه كل يومٍ شيئًا جديدًا، وأُعيد فيه النظر فيما تعلمتُه من قبل، حتى خرجتُ من هذه التجربة وقد امتلأتُ يقينًا بأن العلم الحقّ لا يعرف حدودًا جغرافية، وأنه قادرٌ على أن يجمع بين البيئات المختلفة، إذا صُحب بالإخلاص، وقُرن بالبصيرة.

البيان: مؤلفاتكم، وخاصة حول المُحدِّثات من النساء، لاقت صدًى واسعًا. ما الدافع وراء هذا الاتجاه؟

أما اتجاهي إلى التأليف في المُحدِّثات من النساء، فلم يكن وليد خاطرٍ عابر، ولا استجابةً لدعوةٍ معاصرة، وإنما نشأ -كما تنشأ الأفكار الراسخة- من معاناةٍ طويلةٍ مع النصوص، ومخالطةٍ دقيقةٍ لكتب التراجم، ومعايشةٍ واعيةٍ لعالم الإسناد والرجال.

فقد كنتُ كلما قرأتُ في كتب الطبقات، والمشيخات، والأثبات، ومعاجم الشيوخ، وقفتُ على أسماء نساءٍ عالِمات، لهنّ شيوخ وتلاميذ، وروايات وأسفار، ومجالس عِلْم، فإذا بي أجد أمامي عالمًا قائمًا بذاته، ولكنه مُبعثَرٌ في بطون الكتب، لا يجمعه جامع، ولا يُعرَض عرضًا يكشف عن حقيقته.

ومن هنا نشأ العزم على أن أُفرد هذا الموضوع بعملٍ شامل، لا يكتفي بالإشارة، ولا يرضى بالاختصار، بل يَستقصي ويجمع، ويُحلّل ويُبرز. فكان كتاب «الوفاء بأسماء النساء» الذي اعتكفتُ عليه أكثر من خمس عشرة سنة، أجمع مادته من مصادرها المتنوعة، مطبوعةً ومخطوطةً، متنقلًا بين مكتباتٍ في الشام، ومصر، وتركيا، والهند، وأوروبا، حتى اجتمع لي من ذلك تراثٌ واسع، يضم تراجم ما يقرب من عشرة آلاف امرأة، من عهد النبوة إلى العصور المتأخرة.

ولم يكن قصدي من هذا العمل مجرد الجمع والتدوين، بل كان هدفي أن أُقدِّم صورةً علميةً متكاملة، تُبرز مكانة المرأة في الحياة العلمية الإسلامية، وتكشف عن أدوارها الحقيقية في نقل الحديث، وفهمه، وتعليمه، والإجازة فيه. وقد دلّت الشواهد -وهي كثيرةٌ متظاهرة- على أن هؤلاء العالمات بلغن من الضبط والإتقان مبلغًا عظيمًا، حتى إن علماء الجرح والتعديل لم يعرفوا فيهنّ ما عرفوه في بعض الرجال من التُّهَم، بل كانت رواياتهن موضع قبولٍ واطمئنان.

البيان:  ما الذي يُميِّز المنهج العلمي لعلماء الهند في نظركم؟

أول ما يلفت النظر في منهج علماء الهند -كما يتمثل في الإمام شاه ولي الله الدهلوي- هو الجمع بين سعة التحصيل وعُمقه، وبين التنوع والتكامل. فقد نشأ في بيت علم وصلاح، وتلقّى عن أبيه علومًا شتى، ثم لم يلبث أن استوعب -في سنٍ مبكرة- علوم التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله، والمنطق، والكلام، والحكمة، حتى كأن هذه العلوم لم تكن عنده مواد متفرقة، بل كانت أجزاءً من بناءٍ واحد، يُكمّل بعضه بعضًا. وهذه السعة لم تكن سطحية، بل كانت مصحوبةً بقدرةٍ على التمييز، والنقد، والترجيح.

ثم إن من أبرز خصائص هذا المنهج، الجمع بين النقل والعقل، على وجهٍ متوازن، لا يُغلّب فيه أحدهما على الآخر. فقد خاض هذا الإمام في مذاهب الفقهاء، ونظر في أدلتهم من الحديث، ثم سعى إلى أن يردّ الفروع إلى أصولها، والأحكام إلى عِلَلها، حتى بلغ في ذلك مبلغًا جعله يتّجه إلى ما يمكن أن يُسمى «فقه الأسرار»، أو عِلْم الحِكَم والمقاصد، الذي تجلّى أتمّ ما يكون في كتابه «حجة الله البالغة». ولم يكن هذا الاتجاه نزوعًا إلى التعليل المجرد، بل كان سعيًا إلى فَهْم الشريعة فهمًا كليًّا، يُدرك غاياتها، ويكشف عن حِكَمها، ويُعين على تنزيلها على الواقع.

ثم نلحظ في هذا المنهج نزعةً إصلاحيةً واضحة؛ فقد ظهر الشاه ولي الله في زمانٍ اضطربت فيه الأحوال، وضعفت فيه الصلة بالقرآن والحديث، وغلب التقليد، وانتشرت البدع، فنهض يدعو إلى إحياء السُّنة، وردّ الناس إلى الأصول، وتصحيح مناهج التفكير. ولم يكن إصلاحه جزئيًّا، بل كان شاملًا، يتناول العلم، والتعليم، والسلوك، والفهم العام للدين.

البيان: ما أبرز التحديات التي تُواجه المسلمين في الهند؟ وما السبل التي ترونها لتعزيز مستقبلهم؟

أحسب -بعد طول تأملٍ ومعايشة- أن أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في الهند يمكن ردّها إلى ثلاثة أصول كبرى، تتداخل فيما بينها، وتتساند، حتى يكاد بعضها يُغذِّي بعضًا، ويُفضي إليه.

فأما الأصل الأول، فهو التفرّق المذهبي والفِرَقي، وما يتصل به من شيوع العصبية في أوساط العامة والخاصة على السواء. وليس الاختلاف في ذاته مذمومًا، بل هو من طبيعة الفكر الإنساني، ومن لوازم الاجتهاد، ولكن المذموم حقًّا هو أن يتحول هذا الاختلاف إلى عصبيةٍ عمياء، تُغلق باب الفهم، وتُعطّل مَلكة النقد، وتُفضي إلى تنازعٍ يُبدّد القوى، ويُضعف الكيان. وقد ابتُلي المسلمون في الهند -في غير قليلٍ من أحوالهم- بهذا اللون من التفرُّق، حتى أصبح الانتماء إلى المذهب أو الجماعة مُقدَّمًا عند بعضهم على الانتماء إلى الأُمّة، بل على الانتماء إلى الدين في روحه الجامعة. ومن شأن هذا أن يُعطِّل أيّ مشروعٍ إصلاحي جامع، وأن يُبقي الجهود مبعثرةً، لا يلتقي بعضها ببعض.

وأما الأصل الثاني، فهو التخلّف الثقافي، وهو -في حقيقته- ليس مجرد نقصٍ في المعلومات، بل هو ضعفٌ في البنية المعرفية نفسها، وفي أدوات التفكير، وفي القدرة على التعامل مع معطيات العصر. فنحن نجد طائفةً من المسلمين لم تَنَلْ حظًّا كافيًا من العلوم الحديثة، التي أصبحت -في هذا العصر- شرطًا للمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع، كما نجد طائفةً أخرى لم تُحْسِن الاتصال بتراثها اتصالًا واعيًا، فاكتفت منه بالقشور، أو وقفت عند ظواهره دون أن تنفذ إلى مقاصده وأسراره. وهكذا يقع كثيرٌ منهم بين جهتين: جهلٍ بالقديم، وجهلٍ بالجديد، أو معرفةٍ جزئيةٍ مضطربة، لا تُثمر وعيًا ناضجًا، ولا تُعين على اتخاذ موقفٍ سليم.

وأما الأصل الثالث، فهو الفقر المادي، وهو -كما قدمت- نتيجةٌ وأثرٌ في آنٍ واحد. فهو نتيجةٌ طبيعية للتخلّف الثقافي؛ إذ إن ضعف التعليم وقصور المهارات يؤديان إلى ضعف الإنتاج، وضيق فرص العمل، كما أنه -في الوقت نفسه- سببٌ في استمرار هذا التخلّف؛ لأن الفقر يَحُدّ من إمكانات التعلم، ويجعل همّ الإنسان منصرفًا إلى الضرورات الأولية، دون أن يجد فسحةً للعناية ببناء نفسه علميًّا وفكريًّا. وإذا اجتمع الفقر مع التفرّق والتخلّف، كان ذلك أدعى إلى دوام الضعف، وتعذّر النهوض.

وأول هذه السبل، بل هو أساسها الذي لا غِنَى عنه، هو العناية بالتعليم عنايةً شاملةً متوازنة. وليس المقصود بالتعليم هنا مجرد إدخال الأطفال المدارس، أو تحصيل الشهادات، بل المقصود بناء إنسانٍ قادرٍ على الفهم، والتحليل، والإنتاج، والتفاعل مع واقعه. وهذا لا يتحقق إلا إذا جمع التعليم بين العلوم العصرية والعلوم الدينية جمعًا صحيحًا، لا يطغى فيه أحد الجانبين على الآخر.

كما أن معالجة التخلّف الثقافي تقتضي إصلاح المناهج، وتشجيع البحث، وربط التعليم بحاجات المجتمع، والانفتاح على المعارف الإنسانية، مع الاحتفاظ بالهوية. وأما الفقر، فإن علاجه لا ينفصل عن التعليم، بل يمرّ عبره، ثم عبر بناء اقتصادٍ قائمٍ على العمل، وتنمية المهارات، واستثمار الطاقات البشرية.

البيان:  ما رسالتكم للشباب المسلم اليوم عامة، ولطلبة العلم خاصة؟

إذا سُئلتُ عن الرسالة التي أُوجّهها إلى الشباب المسلم اليوم بصفة عامة، وإلى طلبة العلم بصفة خاصة، لم أجدني أُطيل التردد، ولا أُكثر التفصيل؛ لأن الأمر -في حقيقته- واضح الأصول، بَيِّن المعالم، وإن تعقَّدت طرقه وتباينت وسائله. ذلك أني أعتقد -عن نظرٍ وتجربة- أنه لا نهضة للمسلمين تُرْجَى، ولا مستقبل لهم يُؤمَّل، إلا إذا عادوا إلى دينهم عودةً واعية، لا عودةَ تقليدٍ جامد، ولا عودةَ انفعالٍ عابر، بل عودةَ فهمٍ وتدبرٍ وعمل.

فأول ما أُوصي به هؤلاء الشباب، أن يجعلوا القرآن الكريم أصلهم الذي إليه يرجعون، ومنه يَصْدرون، وأن لا يكتفوا بتلاوته تلاوةً لفظية، بل يتدبّروه تدبرًا يُحيي العقول والقلوب معًا، ويكشف لهم عن سنن الله في الأنفس والآفاق، وعن القِيَم التي يقوم عليها بناء الإنسان والمجتمع. فالقرآن -إذا أُحسن تدبُّره- لا يقتصر على الهداية الروحية فحسب، بل يُنشئ عقلًا متوازنًا، قادرًا على الفهم، وعلى التمييز، وعلى إدراك موقعه من العالم.

ثم أوصيهم بأن يُعنوا بالسيرة النبوية عنايةً صادقة، لا على أنها أخبارٌ تُروَى، أو مواقف تُحفَظ، بل على أنها نموذجٌ حيٌّ لتطبيق الوحي في الواقع. فإن في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانًا لكيفية تنزيل النصوص على الحياة، وكيف تتحوَّل المبادئ إلى سلوك، والقِيَم إلى نظامٍ يُدار به المجتمع. ومن لم يفقه السيرة هذا الفقه، عسر عليه أن يفهم الدين في حركته، وأن يُحسن التعامل مع قضايا عصره.

على أن العودة إلى الدين -بهذا المعنى الذي ذكرت- لا تعني الانصراف عن العلوم الحديثة، أو الزهد في الفنون والصناعات، بل تعني -على العكس- أن يُقبل الشباب على هذه العلوم إقبالًا جادًّا، وأن يسعوا فيها إلى التقدّم والتميّز، بروح الاجتهاد، والبحث، والتحقيق. فإن الأمم لا تقوم اليوم إلا بالعلم، ولا تُحفَظ كرامتها إلا بما تُنتجه من معرفةٍ وقوة. وليس في ديننا ما يَحُول دون ذلك، بل فيه من الحوافز ما يدعو إليه، ويُباركه.

أما طلبة العلم خاصة، فإني أُشدِّد عليهم في أمرين: أحدهما الإخلاص، فإن العلم لا يُؤتي ثماره إلا لمن طلبه لوجه الله، لا لطلب الجاه أو الشهرة؛ والثاني الصبر، فإن طريق العلم طويل، لا يُقطَع بالعجلة، ولا يُنال بالاقتصار على المختصرات، بل لا بد فيه من معاناةٍ ومكابدة، وملازمةٍ للكتب، وصحبةٍ للعلماء، وتمرينٍ مستمر على الفهم والنقد.

ثم إني أوصيهم أن يجمعوا بين علوم التراث وعلوم العصر، فلا يكونوا أَسْرى لأحدهما دون الآخر، بل يجعلوا من هذا أساسًا، ومن ذاك وسيلة، حتى يكتمل لهم البناء. وأن يُربّوا في أنفسهم مَلكة البحث والتحقيق، فلا يكتفوا بالنقل، بل يسعوا إلى الفهم العميق، والنظر المستقل، في حدود ما تسمح به أصول العلم وقواعده.

أعلى