هل تبدأ أزمة كثير من الفتيات من خارج المنزل فعلًا، أم أن جذورها الأولى تنبت داخل الأسرة؟ وكيف تصنع التربية الواعية امرأة واثقة بدل نفسٍ مثقلة بالجراح؟
يُعدّ إعداد الأنثى وتنشئتها فنًّا من أدق الفنون التربوية؛ فبناء نفسية البنت يشبه
النقش على الحرير؛ يحتاج إلى رقة في التعامل ودقة في التوجيه.
إن الأجواء الأُسرية تؤدّي دورًا حاسمًا في تربية البنات، بخلاف تربية البنين، وهذا
بحكم انطوائية البنات وارتباطهن أكثر بالأسرة، بخلاف البنين الذين يجدون متنفَّسًا
معقولًا خارج النطاق الأُسري، خصوصًا في فترة المراهقة وما يليها.
ومن هذا المنطلق؛ فإن الأنماط الأسرية لها بصمة لا يُستهان بها في تكوين شخصية
البنت، بل إن بصمة الأم أكثر تأثيرًا عن غيرها من أفراد الأسرة؛ لالتصاق البنت
بأمها، سلوكيًّا ووجدانيًّا، فهي المرآة التي ترى فيها الفتاة مستقبلها، والقدوة
التي تستقي منها معاني الأنوثة والاحتواء.
إضافةً إلى كل هذا لا نستطيع أن نُهمل المشاعر الحسَّاسة للبنات، والتأثر المفرط
بكل ما يدور حولهن، وهذا وإن كان من طبيعة المرأة الفطرية إلا أنه عامل شديد
الحساسية في حياة البنات، وبالأخص المراهقات؛ حيث تصبح الكلمة العابرة جرحًا
غائرًا، والنظرة القاسية حصارًا نفسيًّا يُضيّق عليهن الخناق.
إن البنت كائن يقتات على الكلمة الطيبة واللمسة الحانية، وبدونها تذبل روحها وتفقد
بريق ثقتها بنفسها.
الأم الصارمة أو الجافية، الدلال الزائد، فقدان الأب أو الأم، زوج الأم الجافي،
التفكك الأسري... كلها مطبّات تربوية تترك أثرًا كئيبًا على الصفحة البيضاء الناصعة
لنفسية بناتنا، وتوتر أحاسيسهن بدرجات متفاوتة قد تصل إلى منعطفات نفسية كارثية،
وتُربك الإشباع العاطفي والنفسي للفتاة، وتوقعها ضحية لأفكار سوداء، أو للتمرد
والعناد كنوع من الدفاع عن الذات، وكل هذا يُنتج «حطام أنثى»، أو ما يُعرَف
بالانتحار الذاتي؛ حيث تعيش الفتاة بجسدها بينما روحها مُهشَّمة تحت وطأة الإهمال
أو القسوة.
إن البنت عندما تتأثر عاطفتها نجد منها الانطوائية والانكفاء على الذات مع عدم
الثقة بالنفس وفقدان القدرة على اكتساب مختلف المهارات الاجتماعية التي تصوغ
شخصيتها وأنوثتها لاحقًا فيما يُعرَف بالعزلة الشعورية. هذه العزلة ليست مجرد صمت،
بل هي صرخة مكتومة تُعبِّر عن عجز الفتاة عن مواجهة عالم تراه موحشًا أو غير
مُتفهِّم لاحتياجاتها.
وقد تصبح الفتاة أكثر تأثرًا بآراء الآخرين تزامنًا مع قلة الثقة بنفسها، وهذا ما
يجعلها تنفجر أمام مواقف عادية؛ لعدم قدرتها على احتوائها. كما أنها تتصوّر المواقف
والكلمات كلها ضدّها، وهذا ما يجعلها دائمة التوتر أمام أدنى إشارة أو لفتة، وتجدها
تعترض على سلوكيات الأم والأخوات كنوع من إثبات الوجود الجريح، وكثيرًا ما يؤدي هذا
الاعتراض إلى البكاء والتأثر السريع والشديد.
ثم إن أدنى اندفاع يُسبّب لها الشعور باليأس والإحباط العميق لضعف القدرة على
التكيُّف العقلاني مع الظروف والأحداث، وربما تحاول الفتاة إرضاء الآخرين بطرق
مختلفة قد تكون على حساب كرامتها أو قِيَمها، خصوصًا بعد أن تحدث مواقف متشنجة،
فإذا كانت الأم تجهل آلية احتواء البنت، ومر الموقف من دون اكتراث منها أو إبداء
اهتمام؛ انعكس ذلك سلبًا على الفتاة، وسبَّب لها جراحات نفسية من الصعب أن تندمل،
فتظل تبحث عن هذا الاحتواء المفقود في طرقات قد لا تكون آمِنة.
أساسيات تربية البنات
خريطة الذات نرسمها -ابتداءً- من صورة الآخرين عنا، فكيف إذا كان هؤلاء الآخرون هم
الوالدين؟
ولذلك، من المهم جدًّا عدم التركيز بصورة مباشرة على المنعطفات النفسية والسلوكية
السلبية للبنت، وهذا يشمل تجنُّب النقد اللاذع الذي يكسر الخاطر، والاتهامات
المتكررة التي تبني جدارًا من الريبة، والمراقبة الدائمة التي تُشعرها بانتهاك
خصوصيتها وتجعلها في موقف المتَّهم الدائم، بل إن تدعيم الصفات الحميدة والثناء على
الإنجازات الصغيرة يفتح شهية البنت ذات الحسّ المرهف ونفسيتها إلى تقبُّل النقد
البَنّاء، والانسجام مع محاولات التخلُّص من السلبيات، والانخراط الإيجابي مع
الواقع المحيط، وتفريغ مشاعرها وأحاسيسها بصورة سليمة تحميها من الانفجار النفسي.
الحجاب الشرعي بما يُمثّله من صيانة وعفَّة، والثقة المنضبطة التي تمنحها القوة دون
تهوُّر، والمصارحة حتى في الموضوعات الحساسة لكسر حاجز الخوف، والحب القائم على
الاحترام المتبادل، والقدوة النموذجية في سلوك الوالدين، والمشاركة الوجدانية في
أفراحها وأتراحها... كلها إيجابيات تربوية وبَلْسم يذيب كل العُقَد النفسية
والمشكلات السلوكية التي تنتاب بناتنا المرهفات في فترات عمرهن المختلفة، وهي
بمثابة الحصن المنيع ضد تيارات التغريب والفساد.
استشارتها فيما يناسبها من قضايا ويلائم مرحلتها العمرية والفكرية، كأخذ رأيها في
شؤون المنزل أو ترتيبات معينة، وهذا من شأنه أن يفتح جسور التواصل التي ردمتها فجوة
الأجيال، ويدعم ثقتها بنفسها، ويُدرّبها على اتخاذ القرار ومهارات النقاش العقلاني،
ويُشعرها بأنها عنصر فعَّال ومؤثر في كيان الأسرة وليس مجرد تابع يُنفِّذ الأوامر.
تؤدي الأم الدور الكبير مع ابنتها المراهقة؛ إذ تنتهي قوانين الطفولة الصارمة لتبدأ
مرحلة الحوار المفتوح في كل ما يخص الشابَّة اليافعة، مع الانتباه إلى ضرورة ترك
مجال لخصوصيتها الشخصية غير المخدشة للحياء، كالانفراد المعقول في غرفتها، وترك
الحرية لها في ترتيبها بلمساتها الخاصة، واقتناء الأشياء التي تُشبع دافع الفضول
لديها وتُنمّي ذوقها، وبالتالي ندعم خصوصيتها وهويتها الشخصية التي تساعدها في
ترسيخ جوانب الإبداع في حياتها، والتفريق بين ما ينبغي وما لا ينبغي من خلال
التجربة والملاحظة لا الزجر المستمر؛ لأن المراهق أشبه بالصغير الذي يتعلم المشي
لأول مرة ويستفيد من كبواته في إتقان توازن جسمه، فالبنت تحتاج لمن يُمسك يدها عند
التعثر لا لمن يلومها على السقوط.
التدريب على حفظ الأسرار، خصوصًا الأسرار الأُسرية؛ لما لها من صلة يومية مباشرة
بكل أفراد الأسرة، هو جزء أصيل من بناء الشخصية الرزينة، فليس كل ما يُعلَم يُقال،
والبيوت عورات يجب سَتْرها. ومن رجاحة العقل ترتيب المنطق وحسن اختيار الكلام. فعن
أنس -رضي الله عنه- قال: أتى عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب مع
الغلمان. فسلَّم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأتُ على أمي، فلما جئتُ قالت: ما
حبَسَك؟ قلت: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت:
إنها سرّ. قالت: لا تُحدّثن بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا[1].
ففي هذا التوجيه النبوي والتربوي من الأم تأكيد على قيمة الأمانة والخصوصية التي
يجب أن تنشأ عليها الفتاة لتكون مستودعًا للثقة في بيتها المستقبلي.
يقول الإمام عبدالحميد بن باديس -رحمه الله-: «إذا علَّمتَ ولدًا فقد علَّمت فردًا،
وإذا علَّمت بنتًا فقد علَّمت أُمَّة». وتعليم البنت ليس محصورًا في حشو الدماغ
بالمقررات الدراسية أو الحصول على الشهادات الأكاديمية فقط، بل هو مفهوم أرفع وأرحب
من هذا بكثير. إنه تعليم يقوم على تنشئة أنثى سوية في نفسيتها وسلوكياتها، أنثى
تعرف أبجديات العفّة والأمومة وفنون الحياة الأسرية والزوجية، وتُدرك دورها المحوري
في بناء المجتمع. وهذا يتطلَّب أولًا من الآباء تعديل نظرتهم إلى البنت الرقيقة
وأمّ المستقبل، وإعطاءها قَدْرها وحقها من الرعاية كما يرتضيه ديننا وقيمنا، بعيدًا
عن نظرات الانتقاص أو التفضيل الجائر للذكور.
لقد ضرب لنا السلف أمثلة رائعة في تقدير البنات؛ فقد دخل عمرو بن العاص على معاوية
-رضي الله عنهما- وعنده ابنته عائشة. فقال: مَن هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه
تفاحة القلب. قال: انبذها عنك فإنهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويورثن الضغائن.
قال: لا تقل هذا يا عمرو؛ فوالله ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى، ولا أعان على
الأحزان إلا هُنّ، وإنك لواجد خالًا قد نفعه بنو أخته. فقال عمرو: ما أراك يا أمير
المؤمنين إلا وقد حبَّبتهن إليَّ بعد بُغْضي لهن.
وخطب صعصعة بن معاوية إلى عامر ابن الظرب -حكيم العرب- ابنته عمرة، وهي أم عامر بن
صعصعة، فقال: «يا صعصعة، إنك أتيتني تشتري مني كبدي، وأرحم ولدي عندي، والحسيب كفء
الحسيب، والزوج الصالح أبٌ بعد أبٍ. وقد أنكحتك خشية أن لا أجد مثلك»[2].
هذه المشاعر الأبوية الفيَّاضة هي التي تخلق من البنت امرأة سوية قادرة على العطاء.
والبنت المُراهقة -خاصةً- ترى في أبيها الباب الذي تدخل منه إلى عالم الرجال، فهو
النموذج الأول الذي تقيس عليه كل رجل ستقابله في حياتها، وهو الهادي الأمين الذي
يُبصِّرها بضروب الرجولة وسماتها. ومن هذا المنطلق ينبثق دور الأب التربوي في حياة
ابنته الشابَّة، فهو محور حياتها الذي باستطاعته أن يُنبت لنا زوجة وأُمًّا مثالية؛
إذا منحها الأمان والعطف. أو على النقيض: امرأة مُعقَّدة تكره كل ما يَمُتّ إلى
الرجولة بصِلة؛ إذا كان غليظ القلب أو غائبًا عن تفاصيل حياتها.
كما أن العدل بين الأبناء وعدم التمييز بين الولد والبنت من أهم الأمور التي ينبغي
أن نُوليها اهتمامًا بالغًا؛ لما عكّر صفوها كثير من التقاليد البالية التي تكسر
نفسية البنت وتُفقدها الثقة بجنسها، بل ربما تتنكّر لأنوثتها، فتفرز المرأة
الرجولية التي تحاول استعادة حقها بالندية الصارخة.
ولذلك، لا غرابة في أن نجد شريعتنا السمحة تُولي هذه القضية عناية خاصة، فقال -صلى
الله عليه وسلم-: «اعدلوا بين أولادكم في النِّحَل؛ كما تُحبّون أن يعدلوا بينكم في
البِرّ واللُّطف»[3]؛
فلا يوجد صاحب ديانة وخُلق دَيْدَنه الظلم والجور. كما أن انتظام المعاش والمعاد
إنما يدور مع العدل، والتفاضل بينهم يَجُرّ إلى الشحناء والتباغض ومحبة بعضهم له
وبُغْض بعضهم إياه، وينشأ عن ذلك العقوق ومنع الحقوق، وتشويه صورة العدل في عين
الفتاة.
سلطة الابن الأكبر في غياب الوالد، بالسفر أو الموت، من أكبر المشكلات التي تُواجه
البنت في أُسَرنا العربية؛ حيث يتحوَّل الأخ أحيانًا إلى «سجّان»؛ يمارس وصاية
قمعية تفتقر إلى حكمة الأب وحنان الأم، خصوصًا أن مجتمعاتنا العربية غالبًا ما
تُعلي من شأن الذَّكر وتُفضّله على الأنثى، ومعظم الأُسَر تغرس هذه النظرة الجائرة،
مما يجعل الولد ينظر إلى أخته على أنها مخلوق أدنى منه، والشيء نفسه لدى البنت التي
تعتقد أنها أدنى من أخيها، وأنه أفضل مكانة، بالإضافة إلى حُبّ التسلُّط لدى الابن
الأكبر الذي يرى التحكم في قرارات الأسرة نوعًا من الإحساس برجولته وسيادته، الأمر
الذي ينعكس سلبًا على البنت كسيرة الجناح، وقد يصل بها الأمر إلى رفض الرجال
عمومًا، ونَبْذ فكرة الزواج خصوصًا؛ هربًا من سلطة ذكورية لم تذق منها إلا القهر.
الجوال، الإنترنت، وبالأخص مواقع التواصل الاجتماعي والشات... أصدقاء جدد حلّوا في
حياة أبنائنا، واقتحموا أسوار البيوت دون استئذان، بالإضافة إلى أصدقاء المدرسة
والجيران والأقارب؛ فالحذر الحذر، والحرص الحرص، والمراقبة المعقولة من دون تخوين
أو تشكيك يزرع الجفاء.
أما إذا علم الوالدان من ابنتهما شرًّا أو فسادًا فلا مانع مطلقًا من تتبُّع
تصرفاتها؛ لمنع هذا الشر، وتجنُّب شر وفساد أكبر وأعظم؛ فالحزم هنا رحمة. فالحذر من
انفراد الأولاد بالإنترنت في غُرَف مُغلَقة، بل يُفضّل أن يوضع جهاز الكمبيوتر في
مكان بارز؛ حيث أفراد الأسرة يروحون ذهابًا وإيابًا، وينطبق هذا الكلام على منع
السهر الطويل على الإنترنت بينما أفراد الأسرة نائمون، وأن تكون جميع مواقع التواصل
والبريد الإلكتروني بكلمة سر معلومة للوالدين في إطار من الثقة المتبادَلة لا
التجسُّس المحض.
والمحك الإيماني مُهمّ في هذا الموضوع، بتربية الأبناء على مخافة الله، في السر
والعلن، وأن الرقابة الذاتية هي الأبقى، مع تقديم القدوة الإيمانية الطيبة في
الوالدين، مع المزيد من الحنان والصراحة كي لا يشرد فلذات أكبادنا إلى محاضن أخرى
خدّاعة تستقطبهم بوعود كاذبة وتُهلكهم في غياهب الانحراف.
في النهاية، إن تربية البنات ليست مجرد واجب يومي أو التزام مادي، بل هي استثمار في
مستقبل أُمّة بأكملها، ومهمة تتطلب قلبًا يتّسع لاحتواء تقلباتهن، وعقلًا يدرك
حساسية تكوينهن.
إن الفتاة التي تنشأ في حضن التقدير والاحترام، وتتشرب قِيَم الدين والاعتزاز
بالذات، ستكون -بإذن الله- اللبنة الصالحة التي تبني بيتًا، وتُربّي جيلًا، وتنشر
النور في مجتمعها. فليتقِ الله الآباء والأمهات في هذه القوارير، ولْيعلموا أن
الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزِعَ من شيء إلا شانه، وأن «تفاحة القلب»
تستحق منا كل رعاية وصبر لتبقَى يانعةً بجمال أخلاقها وقوة إيمانها.
[1] أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، رقم (٢٤٨٢).
[2] ثمار القلوب للثعالبي (1/341).
[3] أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥١٠٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢١/ ٧١)
(٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١٠٤٦).