بدائع (التكرار) في القرآن المجيد

لقد نزل القرآنُ بلسان العرب، ومِن مذاهبهم التكرار للتأكيد والإفهام، أوْ للتذكير بالنِّعم، أوْ لدلائل الإعجاز. وقد جاء التكرار في نظْم القُرآن على عدة صور


التكرار فنٌّ قولي من أساليب العربية المعروفة، وهو من محاسن الفصاحة. وقد قيل عن فائدته: «إنَّ الناس لوْ استغنوا عن (التكرير) وكُفُوا مؤونة البحث والتنقير لقلَّ اعتبارهم. ومَن قلَّ اعتباره قلَّ عِلمه، ومَن قلَّ عِلمه قلَّ فضله، ومَن قلَّ فضله كثُر نقصه، ومَن قلَّ عِلمه وفضله وكثُر نقصه لم يُحمَد على خيرٍ أتاه، ولم يُذمَّ على شرٍّ جناه، ولم يجد طعم العزِّ، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين ولا راحة الأمن...»[1].

 فهذا لوْ استغنى البشر في الكلام عن التكرار؛ فما بالك بكلام ربِّ البشر سبحانه؟!

فالحديث يُعاد على قدر عِظَـم الـمُحدَّث عنه ومَبْلَغ مكانته؛ فمثلاً: كرَّر القرآنُ قضية التوحيد وحقيقة البعث بأساليبَ متنوعة، وبألوانٍ مختلفةٍ؛ لأنهما ركنا السعادة، وقِوامَا الخير والصلاح. أيضاً: الصلاة والصبر ذَكَرَهُما القرآنُ أكثر مِن سبعين مرة، وقرَنَهما في بعض المواضع لِـمَا لهما مِن عظيم الخطَر، وبعيد الأثر في التربية والتهذيب... كذلك الحال في كلِّ ما كرَّر مِن الفوائد مِن مواعظَ وعِبرٍ وقَصص وأنباء.

يقول السيوطي في كتابه (الإتقان): للتكرار فوائد، منها:

التقرير: فالكلام إذا تكرَّر تقرَّر، وقد نبَّه سبحانه على السبب الذي لأجله كرَّر الأقاصيص والإنذار في القرآن بقوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113].

زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ومنه: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ 38يَا قَوْمِ إنَّمَا هَذِهِ الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} [غافر: 38 - 39]، فإنه كرَّر فيه النداء لذلك.

إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أُعِيد ثانيها تطرية له وتجديداً لعهده، ومنه: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} [النحل: 119]، {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} [النحل: 110]، {وَلَـمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} [البقرة: 89] إلى قوله: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89]، {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ} [آل عمران: 118]، {إنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ} [يوسف: ٤].

التعظيم والتهويل: نحو {الْـحَاقَّةُ 1 مَا الْـحَاقَّةُ} [الحاقة: ١ - ٢]، {الْقَارِعَةُ 1 مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: ١ - ٢].

نعم؛ لقد نزل القرآنُ بلسان العرب، ومِن مذاهبهم التكرار للتأكيد والإفهام، أوْ للتذكير بالنِّعم، أوْ لدلائل الإعجاز. وقد جاء التكرار في نظْم القُرآن على عدة صور، منها:

تكرار أداة تؤدي وظيفة في الجملة بعد أن تستوفي ركنيْها الأساسييْن: مثل قوله تعالى: {ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 110]، فقد تكرَّرت (إنَّ) في الآية مرتيْن، وكان من الممكن الاكتفاء بـ (إنَّ) الأولى، ولكن لـمَّا طال الفصل بينها وبين خبرها {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ كُرِّرت {إنَّ} مرة ثانية، حتى لا يتنافى طول الفصل مع الغرض المسوقة له (إنَّ) وهو التوكيد؛ فاقتضت البلاغة تكرارها لتلحظ النسبة بين ركني الجملة على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد. يقول الزركشي: «وحقيقته إعادة اللفظ أوْ مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به»[2].

ومن هذه الصور أيضاً: تكرار (حرف الجر) كما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: ٨]. فقد أعاد المولى سبحانه (الباء) مع حرف العطف في قوله: {وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ}، وهذا لا يكون إلاَّ للتوكيد، وليس في القُرآن غير هذا الموضع. والسرُّ في ذلك: أنَّ هذا حكاية لكلام المنافقين، وهم أكدوا كلامهم نفياً للريْبة وإبعاداً للتهمة، فكانوا في ذلك كما قيل: «يكاد المريبُ يقول: خُذوني!» فنفَى اللهُ الإيمانَ عنهم بأوكد الألفاظ، فقال: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}. وذلك حينما جاء بضمير الجمع للغائب {هُم} مسبوقاً بالنفي، فأخرج ذواتهم وأنفسهم من طوائف المؤمنين، وجاء الإيمان مطلقاً كأنه قال: ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.

وأيضاً قد يكون المكرَّر كلمة مع أختها لداعٍ، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها:

ومِن أمثلته قوله تعالى في أول سورة البقرة عن جزاء المؤمنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [البقرة: ٥]؛ فقد تكرَّر اسم الإشارة {أُولَئِكَ}، والسرُّ في ذلك إظهار مزيد العناية بشأن المشار إليهم، والتنبيه على أنهم كما ثبتَ لهم الاختصاص بالهُدى ثبتَ لهم الاختصاص بالفلاح، وأنَّ كل واحدة من الصفتيْن كافية في تمييزهم عن غيرهم.

فلوْ لم تُكرَّر {أُولَئِكَ} لأوْهَمَ ذلك أنَّ (الواو) في: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ}. حاليَّة وما بعدها حال، ولكن (الواو) عاطفة؛ لاختلاف الجملتيْن؛ فالهدى في الدنيا والفلاح في الآخرة، ولوْ لم تُكرَّر {أُولَئِكَ} لربما فهم اختصاصهم بالمجموع، فيوهم تحقُّق كلٍّ من الهدى أو الفلاح منفرداً فيمن عداهم، ولكن كل واحدة كافية في تمييزهم عن غيرهم.

وقد يكون المكرَّر آية بعينها: كقوله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 17]. يقول (صاحب الكشَّاف): وفائدة التكرار هنا: أنْ يُجدِّدوا عند استماع كلِّ نبأ مِن أنباء الأولين ادِّكاراً واتعاظاً، وأنْ يستأنفوا تنبيهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحثَّ على ذلك والبعث عليه. وهذه حِكَم التَّكْرار في قوله جلَّ سلطانه: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15] عند كلِّ آية أَوْرَدَها، وكذلك تكرار الأنباء والقصص في أنفسها؛ لتكونَ تلك العبرة حاضرةَ القلوب، مُصوَّرةً للأذهان، مذكورةً غير منسيةٍ في كلِّ آن.

 كذلك كرَّر في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} عند كل نعمة عدَّها. والسرُّ في ذلك التكرار: أنَّ الله تعالى خاطب في تلك السورة الثقَليْن، وعدَّد عليهم نِعمه وآلاءه، فكلما ذَكَر نِعمةً أعقبها بتلك الآية؛ طلباً لإقرارهم، واقتضاءً لشكرها؛ فالتكرار هنا لتعدُّد المتعلق. فقد تكرَّرت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة: ثمانِ مرات عقب الآيات التي تحدَّثت عن عجائب خَلْق الله من الآية (16 - 34)، ثمَّ تكرَّرتْ سبع مرات عقب ذِكْر النار وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وحسن ذِكْر الآلاء عَقبها لأنَّ في صرفها ودفعها نِعماً توازي النِّعم المذكورة، أوْ لأنها حلَّت بالمجرمين، وذلك يُعدُّ أكبر النعماء من الآية (34 - 45)، ثمَّ ثمانٍ في وصف جنتيْ المقرَّبين من الآية (47 - 61)، ثمَّ ثمانٍ أخرى لجنتيْ الأبرار من الآية (63 - 75). كأنه يقول: مَن اعتقد الثمانية الأولى وعمِلَ بموجبها استحقَّ كلتا الثمانيتيْن في وصف الجِنان مِن الله، ووقاهُ السبعةَ التي جاءت في النار.

هذا، وقد قسَّمَ العلماءُ التكرار في القرآن إلى نوعيْن: أحدهما الذي نجده في اللفظ والمعنى، والآخَر الذي نجده في المعنى دون اللفظ[3].

أمَّا التكرار الذي نجده في اللفظ والمعنى: فهو ما تكرَّر فيه لفظ بعينه دون اختلاف في عدَّة مواضع من القرآن، أيْ: أنَّ الكلمة أوْ العبارة أوْ الآية تأتي بالصيغة والمفردات نفسها. وهذا التكرار ينقسم إلى نوعيْن: موصول، ومفصول.

فالتكرار الموصول: تتكرَّر فيه إمَّا كلمات، كما جاء في قوله تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِـمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون: 36]، وقوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ 15 قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} [الإنسان: 15 - 16]. وإمَّا مقاطع، كما جاء في قوله تعالى: {كَلَّا إذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا 21 وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْـمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21 - 22]. وإمَّا آيات، كما جاء في قوله: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ 19 ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ} [المدثر: 19 - 20]، وقوله عزَّ وجلَّ: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى 34 ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34 - 35]، وقوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ 4 ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: ٤ - ٥]، وقوله سبحانه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ 17 ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} [الانفطار: 17 - 18]، وقوله: {فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً 5 إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} [الشرح: ٥ - ٦]، وقـوله سـبحانه: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ 3 ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: ٣ - ٤].

 وأمَّا التكرار المفصول: فهو يقع إمَّا في سُورةٍ بعينها، كما جاء فيما وقع فيه الفصل بين المكرَّرين في سورة الشعراء: {وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} التي تكرَّر فيها (8) مرات. أوْ قوله تعالى في سورة النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ الذي تكرَّر فيه (5) مرات. أوْ قوله تعالى في سورة القمر: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} الذي تكرَّر فيه (4) مرات في السورة. أوْ قوله في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} التي تكرَّر فيها (31) مرة. أوْ قوله في سورة المرسلات: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} التي تكرَّر فيها (10) مرات.

 وإمَّا أنه يقع في مواضع مختلفة من القرآن: كما جاء في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْـمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْـمَصِيرُ} الذي تكرَّر مرتيْن في القرآن: الأُولى في سورة التوبة، والثانية في سورة التحريم. ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ الذي تكرَّر في ثلاثة مواضع من القرآن: سُوَر (النمل، يس، المُلْك). أوْ ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فقد تكرَّرت هذه الآية في موضعيْن: في النحل، وفي الأنبياء.

وأما التكرار في المعنى دون اللفظ: فهو ما يَرِد كثيراً في القَصَص، كما هو الحال في قَصَص الأنبياء، أوْ الحديث عن العذاب والنعيم في الآخرة، وبعض الظواهر الكونية كخلْق السماوات والأرض... إلخ، فمع أنَّ هذه القَصَص والظواهر المذكورة تتكرَّر في السوَر القرآنية، إلاَّ أنها تجيء في كل مرَّةٍ بصيغة مختلفة، وبمفردات مختلفة، ومِن ثمَّ فهي تَعرِض لأهداف مختلفة. فالألفاظ المستعملة في سياق هذه القَصَص تختلف من موضع لآخَر، كذلك تختلف طُرق الصياغة وعرض الفكرة: كقصة آدم عليه السلام التي ذُكِرتْ في القُرْآن سبع مرات: في (البقرة، الأعراف، الحِجْر، الإسراء، الكهف، طه، ص)، وهذا التكرار في القصص له عدة فوائد:

أولاً: تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم  والمؤمنين بذِكْر ما حدثَ للأنبياء من الإيذاء والتكذيب، قال تعالى: {وَكُلّاً نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْـحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120]. وقد كان الإيذاء للرسول متكرراً، فكان قصص الأنبياء متكرراً أيضاً.

ثانياً: لإظهار الفصاحة؛ فإبراز القصة الواحدة بطرق كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة، فكان تكرار القصص أسلوباً من أساليب إظهار فصاحة القُرآن، وهذا يُسمَّى عند البلغاء (اقتداراً).

ثالثاً: يأتي التكرار في القصص لذكْر ما لم يُذكَر في المواضع الأخرى؛ فمثلاً قصة آدم عليه السلام في سورة البقرة، جاء فيها عدة أمور لم تأتِ في المواضع الأخرى: كقول الله تعالى للملائكة: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]. وتعليم آدم أسماءَ المسمَّيات {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]. في حين جاءت في سورة الأعراف الكلمات التي تلقَّاها آدمُ من ربِّهِ فتابَ عليه {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْـخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]. وفي سورة الحِجْر أخبرنا عن بداية مراحل خَلْق آدم {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 28]. وفي سورة الإسراء: أطلعنا على ما أضمره إبليس من الشر لذرية آدم {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 62]. وفي سورة الكهف: أخبرنا بأصل إبليس وأنه من الجن {وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْـجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]. وفي سورة طه: كشفَ لنا عن الحيلة التي استخدمها إبليس لإغواء أبينا آدم {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْـخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} [طه: 120]. وفي سورة (ص): نجد إشارة إلى أنَّ أَمْر السجود كان صادراً لجماعة من الملائكة، وليس لجميع الملائكة، وهم ﴿العَالِينَ﴾ أصحاب المنازل الرفيعة كحملة العرش وغيرهم. {قَالَ يَا إبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِـمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75]. كما تميَّز كل مشهد قرآني لهذه القصة بحوارٍ عجيب، وفوائد كثيرة، ودلالات بعيدة.

 وهذا النوع من التكرار ينطبق على مختلف قصص الأنبياء مع أقوامهم: كقصة نوح، وهود، وصالح، وشُعيْب، وإبراهيم، ويونس، وأيوب، وعيسى، وموسى وهارون، وداود وسليمان، وزكريا ويحيى، وغيرهم؛ فقد ذَكَر اللهُ هذا القصص في عدة مواضع من القرآن، ليُبيِّن في كل موضعٍ منها من الاعتبار والاستدلال نوعاً غير النوع الآخَر.

فتكرار القصص وجه من وجوه الإعجاز في القُرآن؛ إذ عجِز العربُ عن الإتيان بمثل آية من القُرآن، وكرَّر القصص تأكيداً لعجزهم، وتبكيتاً لعقولهم.

مِن العرض السابق لصوَر التكرار في القُرآن الكريم، يتبيَّن أنَّ الأسباب الداعية إليه، هي كالتالي:

التقرير والتوكيد، التعظيم، تعدُّد المتعلَّق، إظهار الفصاحة، إظهار الإعجاز، التذكير بالنِّعم، واقتضاء شكرها، إظهار العناية بالأمر المكرَّر ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبيْن، دفْع تَوهُّم غير المعنَى المراد، بسط الموعظة وتثبيت الحُجَّة، فالأمر إذا تكرَّر تقرَّر.


 


[1] رسائل الجاحظ، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

[2] البرهان، للزركشي، دار الصحوة للنشر والتوزيع.

[3] خصائص التعبير القرآني، عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، القاهرة


أعلى