عدوى الأرواح

لقد عاقب المولى - سبحانه وتعالى - بني إسرائيل وكثيراً من الأمم عقوبة شديدة بسبب إصرارهم على تعطيل عقولهم ونسيان ما هم فيه من النعم فبقوا في التيه أربعين سنة ثم رحمهم بعد ذلك


العدوى كما تصيب الجسد تصيب الروح، وعدوى الروح تمثِّل خطراً كبيراً على من أصيب بها، كما أنها تشكِّل خطراً أكبر على المجتمع وخصوصاً عندما يقلُّ العلم والفهم ويضعف الإيمان. وهذه العدوى لا تصيب الأرواح إلا عنـدما يكـون عنـدها استعداد وتهيؤ وقابلية لذلك، وقد بيَّن لنا القرآن الكريم ذلك في أكثر من موضع؛ إذ كان يتحجج المشركون دائماً في عبادتهم للأوثان والأحجار وغيرها من الآلهة الباطلة بأنهم وجدوا آباءهم على ذلك وأن هذه العدوى إرث توارثوه جيلاً عن جيل: {بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف:22] {إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].

الآيتان السابقتان - وغيرهما كثير - تبينان بياناً واضحاً أن عدوى التقليد التي تصيب العقائد لا مستند لها، وأن المقلدين لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية، وقد اعترفوا أنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم، يقول فتح البيان في مقاصد القرآن: «إنه لا مستند لهم من حيث العيانُ ولا من حيث العقلُ ولا من حيث السمعُ والبيانُ سوى تقليد آبائهم... وقد ظنوا أنفسهم مهتدين باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة»[1].

وقد ظهرت تلك العدوى جليّاً في بني إسرائيل الذين شاهدوا معجزات حسية عديدة كان آخرها نجاتهم من فرعون وجنوده، من خلال تحويل الماء لهم إلى يابسة، ثم إغراق فرعون ومن معه أمام أعينهم، ثم بعد كل هذه المعجزات يطلبون ما توارثوه عن الأجيال قبلهم ويقعون في مرض العدوى: {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138].

لقد عاقب المولى - سبحانه وتعالى - بني إسرائيل وكثيراً من الأمم عقوبة شديدة بسبب إصرارهم على تعطيل عقولهم ونسيان ما هم فيه من النعم فبقوا في التيه أربعين سنة ثم رحمهم بعد ذلك فمنَّ عليهم بالسلوى وبالغمام والنعم الكثيرة ولكن ما زالت العدوى (عدوى الأرواح) سارية في قلوبهم وعقولهم: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْـمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57].

ثم سار موسى - عليه السلام - إلى طور سيناء ليأتيهم بالتوراة فاتخذوا العجل وطلبوا منه أن يروا الله جهرة: {وَإذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 53 وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 54 وَإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 53 - 55].

وفي السنة المطهرة يوضح لنا نبينا صلى الله عليه وسلم  هذه العدوى الروحية في أكثر من خبر، منها ما رواه أبو سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع؛ حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال فمن»[2].

وهذا الحـديث النبوي المعجز يبيِّن لنا أن عدوى التقليد والاتباع الأعمى قد انتقلت إلى بعض المسلمين؛ إذ اتبعوا طريقة اليهود والنصارى في كل شيء في مظهرهم وعاداتهم بل أفكارهم، يقول أحد المصابين بعدوى التقليد والاتباع الأعمى (سلامة موسى): «آن الأوان لكي نعتاد عادات الأوروبيين، ونلبس لباسهم، ونأكل طعـامهم، ونصطنع أساليبهم في الحكومة والعائلة والاجتماع والزراعة والصناعة... نحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان».

ويقول أيضاً: «يجب علينا أن نخرج من آسيا (ديانة) وأن نلتحق بأوروبا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني. وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها. هذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي، سرّاً وجهراً... فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب».

ثم تبلغ جرأته أقصاها حين يسخر من الإسلام وأهله - كما يفعله الآن كثير من بني جلدتنا - قائلاً: «وها نحن أولاء نجد أنفسنا الآن مترددين بين الشرق والغرب، لنا حكومة منظمة على الأساليب الأوروبية، ولكنَّ في وسط الحكومة أجساماً شرقية مثل وزارة الأوقاف والمحاكم الشرعية تؤخر تقدم البلاد، ولنا جامعة تبعث بيننا ثقافة العالم المتمدنين، ولكن كلية جامعة الأزهر تقف إلى جانبها تبث بيننا ثقافة القرون المظلمة، ولنا أفندية قد تفرنجوا، لهم بيوت نظيفة، ويقرؤون كتباً سليمة، ولكنَّ إلى جانبهم شيوخاً لا يزالون يلبسون الجبب والقفاطين، ولا يتورعون من التوضؤ على قوارع الطريق في الأرياف، ولا يزالون يسمون الأقباط واليهود كفاراً، كما كان يسميهم عمر بن الخطاب  قبل 1300 سنة»[3].

وهكذا تنتقل العدوى من جيل إلى آخر، وتتوارث الأجيال - إلا من رحم ربي - تلك الأفكار المعدية؛ فهناك ببغاوات يرددون كلام سلامة موسى نفسه ويصفون التراث الإسلامي بالظلام الذي لا بد أن يبدَّد على يد الحداثيين والتنـويريين، وأن الأزهر الشريف هو مصدر الإرهاب والتطرف، وأن مناهجه مفرخة للجماعات الإرهابية، وانطلقت تلك العدوى في كثيـر من وسائل الإعلام وشنت تلك الوسائل حرباً قاسية عاتية ضد التراث الإسلامي والأزهر... وهو في الحقيقة ليس هجوماً على الأزهر لذاته ولكنه هجوم على ما يحمله الأزهر من ثقل عالمي؛ إذ يشهد مساره التاريخي بأنه أنار العالم كله، وأنه قبلة العلم لكثير من طالبي العلم، وأن الأزهر هو الذي وقف علماؤه ضد العدوان الخارجي، ولقن الاحتلال دروساً قاسية، ولم يستطع أحد اختراقه، وأنه وقف أمام التطرف والإرهاب، وحارب الأفكار الشاذة، ووقف في وجه الشيعة والتشيع.

وكما يشهد التاريخ أن تلك الأفكـار التي يعتقد أصحابها أنها تنويرية هي سبب التعاسة والميوعة الفكرية التي نراها، وهي سبب في الإرهاب، وهي سبب في الإلحاد والتمرد الفكري على كل قديم وإن كان نافعاً.وهذا هدم للبناء الحضاري وإنكار واضح للجهود العلمية والفكرية التي اعترف بها بعض الغربيين واستفادوا منها وكفر بها التنويريون وجحدوها! فمن لا ماضي له لا حاضر له.

ونقول لهؤلاء الجاحدين للجهود العلمية المتطفلين فكـرياً: ارفعوا أيديكم عن تراثنا وعن أزهرنا فلم تستطيعوا من قبل ولن تستطيعوا من بعدُ أن تناطحوا السحاب أو أن تحجبوا نور القمر.

كما أن الهجمة الشرسة على التراث والأزهر تحتم علينا أن نكون على وعي كامل بالمؤامرة التي تدبَّر بليل، وأن نبذل قصارى جهدنا للتصدي لها، وأن نطوِّر من أنفسنا ونبذل جهداً علمياً منهجياً ودعوياً تحت رعاية مجموعة من الباحثين والدارسين تحت إشراف العلماء الربانين الذين يجمعون بين الأصالة والمعاصرة؛ كي نفوِّت الفرصة على المخرفين والمستأجَرين والجاهلين.

 


 


[1] فتح البيان في مقاصد القرآن، أبو الطيب محمد صديق خان 12/339 بتصرف.

[2] أخرجه البخاري - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم  (لتتبعن سنن من كان قبلكم )، ومسلم - كتاب العلم - باب اتباع سنن اليهود والنصارى.

[3] الفكر التربوي العربي الحديث ص 146، تأليف د. سعيد إسماعيل علي.

 


أعلى