كيف انتقلت هيبة اللغة في بعض البيئات من العربية إلى غيرها، حتى صار الأجنبي معيارًا للتقدم والتميّز، وهل يبدأ إصلاح العربية بمطاردة الألفاظ، أم باستعادة مكانتها في التفكير والتعليم والإنتاج وبناء المستقبل وتعزيز الثقة بها اليوم؟
التأجنب
ليست كلُّ هجرةٍ عن اللغةِ تأجنبًا، كما أنَّ استعمالَ لغةٍ أخرى ليس في ذاتِه
دليلًا عليه.
التأجنبُ: انتقالُ مركزِ التعظيمِ من الذاتِ الحضاريَّةِ إلى المرجعِ الخارجيّ،
حتَّى يُصبحَ ما عندَ الآخرِ هو المعيارَ الضمنيَّ للحُكمِ على الذاتِ.
وبهذا المعنى لا يُرادُ بالتأجنبِ مجردُ استعمالِ لغةٍ أجنبيَّةٍ، ولا الانفتاحُ
على ثقافاتِ الأممِ، وإنَّما انتقالُ معيارِ الاعتبارِ إليها.
فالتأجنبُ لا يبدأُ حين يتعلَّمُ الإنسانُ لسانًا غيرَ لسانِه، ولا حين ينتفعُ بما
عند غيرِه؛ وإنَّما يبدأُ حين ينتقلُ معيارُ التعظيمِ من داخلِ حضارتِه إلى
خارجِها، فيغدو ما كان يُوزَنُ بميزانِه يُوزنُ بميزانٍ مستعارٍ.
وليس التأجنبُ خاصًّا باللغةِ، وإنَّما تبدو اللغةُ أوضحَ ميادينِه؛ لأنَّها أسرعُ
المَواطنِ كشفًا لانتقالِ الهيبةِ من مركزٍ إلى آخرَ، حتَّى تغدو الألسنةُ شاهدًا
على تحوُّلاتٍ أعمقَ منها، لا سببًا لها.
ومن هنا يثورُ سؤالٌ يتجاوزُ حدودَ اللغةِ إلى بنيةِ الوعي نفسِها: حين يضيقُ
اللسانُ بالعربيَّةِ، فهل الذي ضاقَ هو اللغةُ، أم موضعُها في ميزان التعظيمِ؟
وليس المقصودُ بالمعيارِ هنا عددَ المتحدِّثينَ، ولا النفوذَ السياسيَّ، ولا السبقَ
التقنيَّ، ولا كثرةَ الإنتاجِ المعرفي؛ فهذه أوصافٌ لأحوالِ الأممِ، لا خصائص كامنة
في اللغاتِ نفسِها، وإنَّما المقصودُ ذلك الميزانُ الضمنيُّ الذي تُوزَنُ به
اللغاتُ في الوعي، فتبدو إحداها أقدرَ على حملِ المعرفةِ، وأجدرَ بالتعبيرِ
الدقيقِ، قبل أن يُنظرَ في قدرتِها الحقيقيَّةِ على البيانِ.
فإذا اختلَّ هذا المعيارُ، لم تَعُدِ المشكلةُ في اللغةِ، وإنَّما في العينِ التي
تنظرُ إليها، ومن هنا يبدأُ التأجنبُ.
أزمةُ معيارٍ لا أزمةُ قدرة
ليست أزمةُ العربيَّةِ اليومَ أنَّها عجزتْ عن حملِ المعنى، ولا أنَّها قصرتْ عن
استيعابِ ما استجدَّ من مفاهيمَ ومعارفَ.
فما من لغةٍ تُقاسُ قدرتُها بما لم يُنتجْ بها، وإنَّما بما تملكُه من طاقةٍ على
الإنتاجِ، لكنَّ الأزمةَ الأعمقَ تقعُ في موضعٍ آخرَ.
إنَّ كثيرًا من العقولِ لم تعدْ تنظرُ إلى العربيَّةِ من داخلِها، بل من خلالِ
مرآةٍ استعارَتْها من غيرِها، فلم يعدِ السؤالُ الكامنُ في الوعي: ماذا تستطيعُ هذه
اللغةُ أن تُنتجَ؟ بل: إلى أيِّ حدٍّ تُشبهُ ما يُنتجُه غيرُها؟
ومن هنا يبدأُ التحوُّلُ الحقيقيُّ: ما التأجنبُ؟
ولعلَّ هذا التحوُّلَ هو ما يمكنُ تسميتُه بـ التأجنبِ، وليس المقصودُ بالتأجنبِ
تعلُّمَ اللغاتِ، ولا الانتفاعَ بما عند الأممِ؛ فالحكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ،
والانفتاحُ على المعارفِ بابٌ من أبوابِ القوَّةِ.
إنَّما التأجنبُ أعمقُ من ذلك، إنَّه انتقالُ مركزِ التعظيمِ من الداخلِ إلى
الخارجِ، أن تتحوَّلَ اللغةُ الأجنبيَّةُ من وسيلةٍ للتعلُّمِ إلى معيارٍ للحكمِ،
ومن أداةٍ للمعرفةِ إلى مرجعٍ تُوزنُ به المعرفةُ.
وحينئذٍ لا يعودُ المرءُ يستعملُ لسانًا آخرَ فحسب، بل يبدأُ في النظرِ إلى لغتِه
بعينٍ ليست عينَها، وهنا لا تُدانُ العربيَّةُ لعجزٍ فيها، بل تُحاكَمُ أمامَ
ميزانٍ لم يُصنعْ لها أصلًا.
لماذا العربيَّةُ أصلًا؟
وقبل أن يُسألَ: هل العربيَّةُ قادرةٌ على حملِ المعرفةِ، أو مُواكبةِ العصرِ،
ينبغي أن يُسألَ سؤالٌ أسبقُ: لماذا اختارَ اللهُ العربيَّةَ لآخرِ رسالاتِه؟
فإذا كان اللهُ سبحانهُ قد ختمَ رسالتَه بكتابٍ جعلَه هدايةً للعالمينَ، وتكفَّلَ
بحفظِه إلى قيامِ الساعةِ، ثم اختارَ له لسانًا بعينِه، فإنَّ هذا الاختيارَ لا
يمكنُ أن يكونَ خارجَ دلالةِ الحكمةِ؛ إذ لا ينفصلُ وعاءُ الوحيِ عن طبيعةِ
الرسالةِ التي يحملُها، ولا اللسانُ الذي اصطفاهُ اللهُ عن البيانِ الذي أرادَه
لعبادِه.
ومن هنا، فإنَّ السؤالَ لا ينبغي أن يكونَ: هل العربيَّةُ لغةٌ عظيمةٌ؟ فذلك فرعٌ
عن سؤالٍ أعمقَ: لماذا اختارَها اللهُ لسانًا لخاتمِ رسالاتِه؟ إنَّه سؤالٌ عن
الحكمةِ، لا عن المفاضلةِ.
ولذلك لم يكتفِ القرآنُ العظيم بالإخبارِ عن لغةِ التنزيلِ، بل قرنَ عربيَّةَ
الوحيِ بأصلِ الوحيِ، وبالبيانِ، وبالتعقُّلِ؛ فقالَ تعالى: ﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، وقالَ
سبحانهُ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]، وقالَ -عزَّ
وجلَّ-: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى:
7].
وليس المقصودُ من ذلك أنَّ العربيَّةَ وحدَها تُدركُ بها الحقائقُ، أو أنَّ غيرَها
من الألسنةِ تعجزُ عن البيانِ؛ وإنَّما المقصودُ أنَّ اللهَ اختارَ أن يكونَ طريقُ
تلقِّي آخرِ رسالاتِه بهذا اللسانِ، فصارَ فهمُه جزءًا من إحكامِ الصلةِ بخطابِ
الوحيِ، لا لأنَّه غايةٌ في نفسِه، بل لأنَّه الطريقُ الذي اصطفاهُ اللهُ لبيانِ
كتابِه.
ولم يكنِ اختيارُ العربيَّةِ للوحيِ أمرًا سابقًا على القرآنِ ثم استعملَه القرآنُ،
بل كان اللسانُ العربيُّ جزءًا من الكيفيَّةِ التي شاءَ اللهُ أن يتجلَّى بها
وحيُه؛ فكما أنَّ معانيَ القرآنِ منزَّلةٌ، فإنَّ نظمَه وبيانَه العربيَّ داخلانِ
في الهيئةِ التي نزلَ بها، حتَّى غدا هذا اللسانُ شريكًا في حملِ الإعجازِ
البيانيّ، لا مجردَ وعاءٍ خارجيٍّ له.
وقد نَبَّه الإمام الحافظُ ابنُ كثيرٍ إلى بعض حكمة هذا الاختيار عند تفسيرِ قولِه
تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[يوسف: 2]؛ فقال -رحمهُ اللهُ-: «وذلك لأنَّ لغةَ العربِ أفصحُ اللغاتِ وأبينُها
وأوسعُها، وأكثرُها تأديةً للمعاني التي تقومُ بالنفوسِ؛ فلهذا أُنزلَ أشرفُ الكتبِ
بأشرفِ اللغاتِ، على أشرفِ الرسلِ، بسفارةِ أشرفِ الملائكةِ، وكان ذلك في أشرفِ
بقاعِ الأرضِ، وابتُدئَ إنزالُه في أشرفِ شهورِ السنةِ وهو رمضانُ، فكملَ من كلِّ
الوجوهِ» (تفسير ابن كثير: ٤/٣١٣).
ومن هنا لم تكنِ العربيَّةُ وعاءً خارجيًّا للوحي، بل دخلتْ في الهيئةِ التي تجلَّى
بها للناسِ؛ فكان اللسانُ جزءًا من بناءِ الخطابِ، لا مجردَ وسيلةٍ لنقلِه.
ولهذا قالَ الإمامُ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ-: «اللسانُ الذي اختارَه اللهُ -عزَّ
وجلَّ- لسانُ العربِ، فأنزلَ به كتابَه العزيزَ، وجعلَه لسانَ خاتمِ أنبيائِه محمدٍ
-صلى الله عليه وسلم-، ولهذا نقولُ: ينبغي لكلِّ أحدٍ يقدرُ على تعلُّمِ العربيَّةِ
أن يتعلَّمَها؛ لأنَّها اللسانُ الأَولى» (الرسالة: 34).
ولم يكنِ الإمام الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ- يؤسِّسُ تعظيمَ العربيَّةِ على مجردِ
الانتماءِ إليها، وإنَّما كان يلفتُ إلى أنَّ اختيارَها داخلٌ في حكمةِ الرسالةِ
نفسِها، وأنَّ فهمَها ليس تعظيمًا للسانٍ من حيثُ هو لسانٌ، بل تعظيمٌ للطريقِ الذي
اختارَه اللهُ لخطابِه.
ولهذا قرَّرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمهُ اللهُ- أصلًا بالغَ الأهميَّةِ؛
فقالَ: «فإنَّ اللسانَ العربيَّ شعارُ الإسلامِ وأهلِه، واللغاتُ من أعظمِ شعائرِ
الأممِ التي بها يتميَّزونَ»، وقالَ أيضًا: «إنَّ نفسَ اللغةِ العربيَّةِ من
الدينِ، ومعرفتَها فرضٌ واجبٌ» (اقتضاء الصراط المستقيم: ١/٥١٩).
ولم يكنْ مرادُه -رحمهُ اللهُ- أن يجعلَ العربيَّةَ غايةً مستقلَّةً، وإنَّما أنَّ
طريقَ فهمِ الوحيِ لا ينفصلُ عن فهمِ اللسانِ الذي نزلَ به؛ فاللغةُ ليست مجردَ
ألفاظٍ تُنقلُ بها المعاني، بل هي النظامُ الذي تنتظمُ به الدلالاتُ، وتتحدَّدُ به
وجوهُ البيانِ، ويتشكَّلُ به الفهمُ.
ولهذا لم يكنِ السلفُ يعدُّونَ العربيَّةَ زينةً ثقافيَّةً، ولا شعارًا قوميًّا، بل
من جملةِ الآلاتِ المؤسِّسةِ للفهمِ.
وإذا كانتِ العربيَّةُ من جملةِ الآلاتِ المؤسِّسةِ للفهمِ، بقيَ أن يُسألَ: ما
أثرُ قوَّةِ الصلةِ بها أو ضعفِها في تلقِّي الوحيِ وفهمِه؟
العربيَّةُ.. طريقُ الفهمِ لا مجرد لُغتِه
إذا ثبتَ أنَّ العربيَّةَ إنَّما اكتسبتْ منزلتَها لأنَّها اللسانُ الذي اختارَه
اللهُ لوحيِه، فإنَّ أثرَ هذا الاختيارِ لا يقفُ عند بيانِ منزلتِها، بل يمتدُّ إلى
طبيعةِ الفهمِ نفسِه؛ إذ ليس كلُّ مَن تلقَّى المعنى قد تلقَّى من البيانِ ما
تلقَّاه من باشرَ ألفاظَه، ولا كلُّ من عرفَ الحكمَ قد وقفَ على دقائقِ دلالتِه.
فالوحيُ لم ينزلْ بمعانٍ مجرَّدةٍ تُكسى بعد ذلك ألفاظًا، وإنَّما نزلَ خطابًا
عربيًّا متكاملًا، تتداخلُ فيه المفردةُ، والتركيبُ، والسياقُ، والإيقاعُ، وأساليبُ
البيانِ؛ بحيثُ يصبحُ اللسانُ جزءًا من كيفيَّةِ تشكُّلِ المعنى، لا مجردَ وسيلةٍ
لنقلِه.
ولهذا كان السلفُ يعدُّونَ تعلُّمَ العربيَّةِ من أعظمِ ما يعينُ على إحكامِ
الفهمِ، لا لأنَّها تزيدُ الإنسانَ إيمانًا بذاتِها، ولكن لأنَّها تُقرِّبُه من
النصِّ كما نزلَ، وتَختصرُ الوسائطَ بينَه وبين فهمِه.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ-: «فعلى كلِّ مسلمٍ أن يتعلَّمَ من لسانِ
العربِ ما بلغَه جهدُه»، ولم يكنْ مرادُه -رحمهُ اللهُ- أن يتحوَّلَ الناسُ جميعًا
إلى أئمَّةٍ في العربيَّةِ، وإنَّما أن يبلغَ كلُّ واحدٍ منها القدرَ الذي يستقيمُ
به فهمُه، ويصحُّ به تلقِّيه، بحسبِ وسعِه وحاجتِه.
ولذلك كان الفهمُ مراتبَ، كما أنَّ العلمَ مراتبُ؛ فليس من أدركَ ظاهرَ اللفظِ كمن
أدركَ وجوهَ دلالتِه، ولا من عرفَ المعنى الإجماليَّ كمن تذوَّقَ دقائقَ البيانِ،
ولا من قرأَ الترجمةَ كمن باشرَ الخطابَ بلغتِه التي نزلَ بها.
ولعلَّ أدقَّ ما يُبيِّنُ ذلك أنَّ الإنسانَ كلَّما قويَ اتصالُه بالعربيَّةِ قصرتِ
المسافةُ بينَه وبين النصِّ، وكلَّما ضعفتْ صلتُه بها طالَ طريقُه إلى الفهمِ،
وازدادتِ الوسائطُ بينَه وبين فهمِ الوحيِ.
وليس في هذا انتقاصٌ من الترجمةِ، ولا من كتبِ التفسيرِ والشروحِ؛ فهي من أجلِّ ما
خدمَ كتابَ اللهِ العظيم وسُنَّةَ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، لكنَّها تبقى
وسائلَ تعينُ على الوصولِ، ولا تُغني عن أصلِ الطريقِ.
ولهذا فإنَّ ضعفَ العربيَّةِ ليس مجردَ ضعفٍ في أداةِ التعبيرِ، بل قد يكونُ ضعفًا
في بعضِ أسبابِ الفهمِ نفسِه؛ إذ إنَّ نقصانَ الصلةِ بلسانِ الوحيِ يورثُ نقصانًا
في مباشرةِ دلالاتِه، وإن لم يحلْ بين المسلمِ وبين أصلِ الهدايةِ.
ومن هنا لا يعودُ ضَعْفُ الصلةِ بالعربيَّةِ قضيَّةً لغويَّةً معزولةً، بل يصبحُ
قضيَّةً معرفيَّةً تمسُّ كيفيَّةَ تلقِّي الوحيِ وفهمِه؛ لأنَّ اللسانَ الذي نزلَ
به الوحيُ ليس وعاءً خارجيًّا لمعانيه، بل أحدُ مفاتيحِ بيانِها.
وحين يستقرُّ هذا الأصلُ، يبرزُ سؤالٌ آخرُ لا يقلُّ أهميَّةً: إذا لم تكنِ
المشكلةُ في العربيَّةِ نفسِها، فكيف صُنِعَ التأجنبُ في النفوسِ حتَّى ضعفتْ
هيبتُها، وانتقلَ التعظيمُ إلى غيرِها؟
اللسانُ.. شعارٌ لا أداةٌ
قد يُظنُّ أنَّ وظيفةَ اللغةِ تنتهي عند نقلِ المعاني، فإذا أدَّتْ هذا الغرضَ
استوى أن تكونَ هذه اللغةُ أو تلك.
غيرَ أنَّ الأممَ لم تنظرْ إلى ألسنتِها يومًا على أنَّها أدواتٌ للتواصلِ فحسب، بل
جعلتْها من أبرزِ شعائرِ هويَّتِها، وعنوانَ حضورِها الحضاريِّ، والوعاءَ الذي
تحفظُ فيه ذاكرتَها الجمعيَّةَ، وتتوارثُ به رؤيتَها للعالمِ.
وهذا المعنى لم يكنْ غائبًا عن نظرِ علماءِ الإسلامِ؛ فقد نبَّهَ شيخُ الإسلامِ
ابنُ تيميةَ إلى أنَّ أثرَ اللسانِ يتجاوزُ حدودَ التخاطبِ، فقال: «واعلمْ أنَّ
اعتيادَ اللغةِ يؤثِّرُ في العقلِ، والخُلُقِ، والدينِ تأثيرًا قويًّا بيِّنًا،
ويؤثِّرُ أيضًا في مشابهةِ صدرِ هذه الأمَّةِ من الصحابةِ والتابعينَ، ومشابهتُهم
تزيدُ العقلَ والدينَ والخُلُقَ» (اقتضاء الصراط المستقيم: ١/٥٢٧).
ولا يتحدَّثُ الإمام ابنُ تيميةَ -رحمهُ اللهُ- هنا عن الألفاظِ بوصفِها أصواتًا أو
أدواتٍ للتعبيرِ، وإنَّما عن اعتيادِ اللسانِ بوصفِه عاملًا من عواملِ التكوينِ؛ إذ
يتركُ أثرَه في طرائقِ التفكيرِ، وأنماطِ السلوكِ، وشعورِ الإنسانِ بالانتماءِ.
ومن هنا كانتِ اللغةُ أبعدَ أثرًا من أن تكونَ مجردَ وسيلةٍ للتواصلِ؛ لأنَّها
تُسهمُ في تشكيلِ العقلِ، وصياغةِ الهويَّةِ، وتوجيهِ المرجعيَّةِ التي ينظرُ
الإنسانُ من خلالِها إلى نفسِه وإلى العالمِ.
ولهذا لا يكونُ اللسانُ مجردَ وسيلةٍ للتعبيرِ، بل يصبحُ شعارًا للانتماءِ؛ فإذا
ضعفَ حضورُه في موطنِه، لم يكنِ المتغيِّرُ ألفاظًا فحسب، بل صورةَ الأمَّةِ عن
نفسِها، وموقعَها من تاريخِها، ومرجعَها الذي تستمدُّ منه اعتبارَها.
ومن هنا قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمهُ اللهُ-: فإنَّ اللسانَ العربيَّ
شعارُ الإسلامِ وأهلِه، واللغاتُ من أعظمِ شعائرِ الأممِ التي بها يتميَّزونَ.
ولم يكنْ مقصودُه أنَّ العربيَّةَ تُعظَّمُ لذاتِها، وإنَّما أنَّ اللسانَ ليس
أداةً محايدةً؛ فهو يحملُ في طيَّاتِه تاريخَ الأمَّةِ، وذاكرتَها، ومفاهيمَها،
وصورتَها عن نفسِها.
ولهذا كان تبدُّلُ اللسانِ، أو تهميشُه، أبعدَ أثرًا من مجردِ تبدُّلِ وسيلةِ
التعبيرِ؛ لأنَّه يمسُّ أحدَ أبرزِ شعائرِ الهويَّةِ، وأظهرَ علاماتِ الانتماءِ.
ومن هنا لا يكونُ السؤالُ: بأيِّ لسانٍ نستطيعُ أن نتواصلَ؟ بل: أيُّ لسانٍ
يُعبِّرُ عن مرجعيَّتِنا، ويحملُ ذاكرتَنا، ويُجسِّدُ هويَّتَنا؟
وعند هذا الموضعِ يبدأُ الانتقالُ من الحديثِ عن اللغةِ بوصفِها قيمةً حضاريَّةً،
إلى النظرِ في السؤالِ الأهمِّ: إذا كانتِ العربيَّةُ كذلك، فلماذا تبدو في نظرِ
بعضِ أهلِها وكأنَّها عاجزةٌ عن مُواكبةِ العصرِ؟
العربيَّةُ لم تضعفْ... بل عُطِّلتْ وظيفتُها
من أكثرِ الأحكامِ شيوعًا في الحديثِ عن العربيَّةِ القولُ إنَّها لغةٌ ضعفتْ، أو
عجزتْ عن مواكبةِ العصرِ، حتَّى أصبحَ هذا الوصفُ يُتداولُ وكأنَّه حقيقةٌ لا
تحتاجُ إلى برهانٍ.
غيرَ أنَّ أولَ ما يحتاجُ إلى المراجعةِ في هذه القضيَّةِ هو هذا التشخيصُ نفسُه؛
إذ ليست كلُّ لغةٍ قلَّ حضورُها قد ضعفتْ، ولا كلُّ لغةٍ اتَّسعَ استعمالُها قد
كانتْ أقوى منها في ذاتِها.
فاللغاتُ لا تُقاسُ بما تملكُه من ألفاظٍ وقواعدَ فحسب، وإنَّما تُقاسُ أيضًا
بموضعِها في حياةِ أهلِها، وبالمجالاتِ التي تُستعملُ فيها، وبالثقةِ التي يمنحُها
أهلُها لها.
فإذا ضاقَ مجالُ استعمالِ لغةٍ، أو أُقصيتْ عن ميادينِ التعليمِ والمعرفةِ
والإدارةِ، لم يكنْ ذلك دليلًا على عجزِها، بقَدْرِ ما هو دليلٌ على أنَّ بيئتَها
الحضاريَّةَ قد عطَّلتْ وظائفَها.
غيرَ أنَّ اللغةَ لا تؤدِّي وظيفتَها بمجردِ وجودِها، وإنَّما حين تُمنحُ موضعَها
الطبيعيَّ في حياةِ الأمَّةِ؛ فاللغةُ التي تُكتَبُ بها العلومُ، وتُدارُ بها
المؤسَّساتُ، وتُنتَجُ بها المعرفةُ، وتُصاغُ بها التصوُّراتُ؛ تظلُّ لغةً حيَّةً
فاعلةً، وإن قلَّ عددُ المتكلِّمينَ بها.
أمَّا إذا نُزعتْ عنها هذه الوظائفُ، وأُحيلتْ إلى دائرةِ المناسباتِ، أو الخطابةِ،
أو التراثِ، فإنَّ الذي يتعطَّلُ هو وظيفتُها الحضاريَّةُ، لا بنيتُها اللغويَّةُ.
ولهذا فإنَّ السؤالَ الصحيحَ ليس: هل ضعفتِ العربيَّةُ؟ وإنَّما: في أيِّ المواضعِ
عُطِّلتْ عن أداءِ وظائفِها؟ ففرقٌ بين لغةٍ فقدتْ قدرتَها على البيانِ، ولغةٍ
حُرمتْ من ميادينِ البيانِ، وفرقٌ بين عجزِ اللسانِ، وبين تعطيلِ اللسانِ.
ويشهدُ لذلك واقعٌ تتكرَّرُ صورُه في حياتِنا المعاصرةِ؛ فكثيرٌ من البيئاتِ
العلميَّةِ والإداريَّةِ تُقدِّمُ المصطلحَ الأجنبيَّ، وتستبقيه حتَّى مع وجودِ
مقابلٍ عربيٍّ دقيقٍ، لا لأنَّ العربيَّةَ عجزتْ عن التعبيرِ، بل لأنَّ غيرَها
أصبحَ هو المرجعَ الأولَ في التسميةِ.
وكذلك الحالُ في كثيرٍ من الأجهزةِ والبرامجِ الرقميَّةِ التي تتيحُ واجهاتٍ
عربيَّةً مكتملةً، ثم يُعرضُ عنها إلى الواجهاتِ الأجنبيَّةِ، لا لقصورٍ في
التعريبِ، وإنَّما لأنَّ اللغةَ الأجنبيَّةَ غدتْ عند كثيرينَ الصورةَ الذهنيَّةَ
للتقنيةِ والتقدُّمِ.
وهذه الشواهدُ لا تدلُّ على ضعفِ العربيَّةِ في ذاتِها، وإنَّما تدلُّ على أنَّ
مواضعَ استعمالِها قد ضاقتْ، وأنَّ معيارَ المفاضلةِ بينها وبين غيرِها لم يَعُدْ
قائمًا على قدرتِها على البيانِ، بل على اعتباراتٍ خارجةٍ عن اللغةِ نفسِها.
ومن هنا يتبيَّنُ أنَّ الأزمةَ ليست في قدرةِ العربيَّةِ على الوفاءِ بحاجاتِ
العصرِ، ولا في قابليَّتِها للتوليدِ والتعبيرِ، وإنَّما في الموضعِ الذي أُنزِلتْ
إليه في وعي كثيرٍ من أهلِها؛ إذ لم تَعُدِ اللغةُ تُقوَّمُ بما تؤدِّيه من وظائفَ،
ولا بما تملكُه من طاقةٍ على البيانِ، بل بما استقرَّ في النفوسِ من معاييرِ
المفاضلةِ بينها وبين غيرِها.
ولهذا فإنَّ السؤالَ الذي ينبغي أن يُطرحَ ليس: كيف نُثبتُ قدرةَ العربيَّةِ؟ فقد
أثبتَ التاريخُ والواقعُ أنَّها قادرةٌ متى مُنِحَتْ مجالَها الطبيعيَّ، وإنَّما
السؤالُ الأعمقُ هو: كيف انتقلَ المعيارُ حتَّى أصبحَ كثيرٌ من الناسِ يحاكمونَ
العربيَّةَ إلى غيرِها، بدلَ أن يحاكموا غيرَها إليها؟
فإذا لم يكنِ الخللُ في اللغةِ، بل في المعيارِ الذي تُقاسُ به، لم يَعُدْ إصلاحُ
العربيَّةِ يبدأُ بالمعاجمِ، ولا بالمصطلحاتِ، ولا بكثرةِ الدعواتِ إليها، وإنَّما
يبدأُ بإصلاحِ الموضعِ الذي تتكوَّنُ منه أحكامُ الناسِ عليها وتُبنَى فيه معاييرُ
تعظيمِها.
وهنا يبرزُ السؤالُ الذي تمضي هذه الدراسةُ للإجابةِ عنه: كيف يُصنَعُ التأجنبُ،
حتَّى تنتقلَ هيبةُ اللسانِ من لغتِه إلى غيرِها؟
كيف يُصنعُ التأجنبُ؟
لا يُولدُ الإنسانُ مُعظِّمًا للغتِه، كما لا يُولدُ مُستصغرًا لها؛ وإنَّما
تتشكَّلُ هذه الموازينُ في نفسِه مع الزمنِ، حتَّى يغدوَ ما يراه متكرِّرًا
طبيعيًّا، وما يراه مُعظَّمًا جديرًا بالاتباعِ، وما يراه مُهمَّشًا جديرًا
بالإهمالِ.
ومن هنا، فإنَّ التأجنبَ لا يبدأُ في اللسانِ، وإنَّما يبدأُ في موضعِ الهيبةِ من
النفسِ؛ إذ لا تلبثُ اللغةُ أن تعكسَ ما استقرَّ فيها من موازينِ التعظيمِ.
فالإنسانُ لا يسكنُ اللغةَ التي تعلَّمَها فحسب، وإنَّما يسكنُ اللغةَ التي عاشَ
بها، وتشكَّلَ وجدانُه في ظلِّها، وربطَ بينها وبين معاني الجِدِّ، والمعرفةِ،
والمكانةِ.
ولهذا فإنَّ أولَ ما يُصنَعُ في الإنسانِ ليس اللغةَ ذاتَها، وإنَّما موضعَها من
قلبِه؛ فإذا استقرَّ التعظيمُ في موضعِه الصحيحِ، جاءَ اللسانُ تابعًا له، وإذا
اختلَّ ذلك الموضعُ، لم تكنِ الألفاظُ إلا آخرَ ما يكشفُ عن هذا الاختلالِ.
ولا يتشكَّلُ هذا المعيارُ في النفسِ دفعةً واحدةً، بل ينمو مع التجربةِ
اليوميَّةِ، ويتكوَّنُ من خلالِ ما يراه الإنسانُ ويعيشُه قبلَ ما يسمعُه ويُلقَّنُ
إيَّاه.
ولهذا كان البيتُ أولَ البيئاتِ أثرًا في صناعةِ هذا التعظيمِ أو إضعافِه؛ ففيه
يسمعُ الطفلُ أولَ ألفاظِه، ويرى أولَ نماذجِه، ويتعلَّمُ -من حيثُ يشعرُ أو لا
يشعرُ- أيّ اللغاتِ تُستعمَلُ عند الجدِّ، وأيُّها تُؤخَّرُ إلى الهامشِ، وأيُّها
تُربَطُ بالعلمِ والمكانةِ، وأيُّها تُربَطُ بالحياةِ اليوميَّةِ.
فإذا نشأَ الطفلُ وهو يرى أنَّ العربيَّةَ هي لغةُ الحديثِ، والقراءةِ، والتفكيرِ،
والتعلُّمِ، استقرَّتْ في نفسِه منزلتُها قبلَ أن يَعرفَ كيف يُعبِّرُ عنها.
وإذا نشأَ على أنَّ مَواطنَ الجِدِّ والمعرفةِ والنجاحِ لا تُنالُ إلا بلسانٍ آخرَ،
انتقلَ هذا المعنى إلى وجدانِه قبلَ أن ينتقلَ إلى ألفاظِه؛ لأنَّ النفسَ تتلقَّى
موازينَ التعظيمِ بالمعايشةِ أكثرَ ممَّا تتلقَّاها بالمواعظِ.
ولا يقفُ أثرُ هذا التشكيلِ عند البيتِ، بل تمتدُّ آثارُه إلى سائرِ البيئاتِ التي
تصوغُ وعيَ الإنسانِ؛ فالمدرسةُ، والجامعةُ، والمؤسَّساتُ العلميَّةُ، والإعلامُ،
والمنصَّاتُ الرقميَّةُ، كلُّها تشاركُ بقصدٍ أو بغيرِ قصدٍ في ترسيخِ المعيارِ
الذي ينظرُ الإنسانُ من خلالِه إلى اللغاتِ.
فإذا قُدِّمتِ العربيَّةُ في هذه البيئاتِ بوصفِها لغةً صالحةً للتعليمِ، والبحثِ،
والإنتاجِ، والتفكيرِ؛ ازدادَ موضعُها رسوخًا في النفوسِ.
أمَّا إذا اقترنتْ مَواطنُ الجِدِّ والتميُّزِ والإنجازِ دائمًا بلسانٍ آخرَ، بينما
حُصرتِ العربيَّةُ في دائرةِ التراثِ أو المناسباتِ أو الاستعمالِ المحدودِ، فإنَّ
الرسالةَ التي تستقرُّ في النفسِ لا تحتاجُ إلى تصريحٍ؛ إذ يتكوَّنُ فيها تدريجيًّا
أنَّ المعرفةَ الكاملةَ لا تُنالُ إلا بذلك اللسانِ، وأنَّ العربيَّةَ وإن بقيَ لها
قدرُها لم تعدْ لغةَ المجالِ الذي تُصنعُ فيه الريادةُ.
وهكذا لا تُصنعُ موازينُ التعظيمِ بخطابٍ مباشرٍ، وإنَّما بتكرارِ الرسائلِ
الصامتةِ التي يتلقَّاها الإنسانُ في حياتِه اليوميَّةِ، حتَّى تصبحَ أحكامُه على
اللغاتِ جزءًا من تكوينِه، لا مجردَ رأيٍ يتبنَّاه.
ومن هنا نفهمُ أنَّ مظاهرَ التأجنبِ لا تبدأُ بالألفاظِ، وإنَّما تسبقُها تحوُّلاتٌ
صامتةٌ في موازينِ التعظيمِ؛ فما يجري على اللسانِ ليس إلا الأثرَ الأخيرَ لما
استقرَّ في النفسِ.
فالإنسانُ لا يستعيرُ اسمًا، ولا يقدِّمُ مصطلحًا، ولا يُؤثِرُ لسانًا على آخرَ
لمجردِ أنَّ الكلمةَ أعجبتْه، وإنَّما لأنَّه سبقَ أن منحَ ذلك اللسانَ في داخلِه
منزلةً لم يمنحْها لغيرِه.
ولهذا فإنَّ الأممَ لا تستعيرُ أسماءَ غيرِها، ولا مصطلحاتِها، ولا رموزَها؛
لأنَّها أعجزُ عن الوضعِ أو التوليدِ، وإنَّما لأنَّها استبطنتْ قبلَ ذلك أنَّ
المرجعَ الذي جاءتْ منه تلك الأسماءُ أحقُّ بالاتباعِ، وأولى بالاعتبارِ، فإذا
انتقلتِ الهيبةُ، تبعتْها الأسماءُ، وإذا تحوَّلَ المعيارُ، تبعتْه الألفاظُ.
ولهذا فإنَّ الألفاظَ لا تكونُ أولَ ما يتغيَّرُ، ولا أولَ ما يُصلَحُ؛ لأنَّها
ليست إلا آخرَ الشهودِ على ما استقرَّ في النفسِ من تعظيمٍ أو استخفافٍ.
فإصلاحُ اللسانِ لا يبدأُ بالألفاظِ، وإنَّما يبدأُ بإصلاحِ موضعِ التعظيمِ؛ فإذا
عادتِ الهيبةُ إلى موضعِها، لحقتْ بها الألفاظُ من تلقاءِ نفسِها.
حين تنتقلُ الهيبةُ.. الألفاظُ آخرُ الشهودِ
اختلالُ التعظيمِ لا يبدأُ في اللسانِ، وإنَّما يبدأُ في موضعِ الهيبةِ من النفسِ؛
وما يستقرُّ فيها من تعظيمٍ أو استخفافٍ لا يظلُّ حبيسَ التصوُّراتِ طويلًا، بل
يتسرَّبُ شيئًا فشيئًا إلى اختياراتِ الإنسانِ اليوميَّةِ، حتَّى تغدو عاداتُه،
ورموزُه، وأنماطُ تعبيرِه، مرآةً صامتةً لما استقرَّ في باطنِه.
ولهذا فإنَّ أولَ ما يلفتُ الأنظارَ في التأجنبِ ليس منشأَه، بل أثرَه؛ إذ تُرى
الألفاظُ الأجنبيَّةُ، وتُسمَعُ التسمياتُ المستعارةُ، فيُظنُّ أنَّ المشكلةَ بدأتْ
هناك، مع أنَّ اللسانَ لم يكنْ إلا آخرَ الشهودِ على تحوُّلٍ سبقَ وقوعُه في
موازينِ الهيبةِ.
فالألفاظُ تُظهرُ ما استقرَّ في النفسِ، لكنَّها لا تُنشئُه، واللسانُ يكشفُ
التحوُّلَ، لكنَّه لا يصنعُه.
فالأممُ لا تستعيرُ أسماءَ غيرِها، ولا مصطلحاتِها، ولا رموزَها؛ لأنَّها أعجزُ عن
الوضعِ أو التوليدِ، وإنَّما لأنَّها استبطنتْ قبلَ ذلك أنَّ المرجعَ الذي صدرتْ
عنه تلك الأسماءُ أحقُّ بالاتباعِ، وأولى بالاعتبارِ.
فإذا انتقلتِ الهيبةُ إلى المرجعِ، لحقتْ بها أسماؤُه، وتبعتْها مصطلحاتُه ورموزُه؛
لأنَّ اللسانَ لا يسبقُ الموازينَ التي استقرَّتْ في النفوسِ، وإنَّما يسيرُ في
أثرِها.
ومن هنا فإنَّ ما يظهرُ على اللسانِ من ألفاظٍ أو تسمياتٍ ليس منشأَ التحوُّلِ،
وإنَّما علامتَه الظاهرةَ؛ إذ تكشفُ الكلماتُ عن الموضعِ الذي استقرَّتْ فيه
الهيبةُ، ولا تصنعُه.
ومن شواهدِ ذلك: اعتمادُ اللغةِ الأجنبيَّةِ لغةً افتراضيَّةً في كثيرٍ من الأجهزةِ
الحاسوبيَّةِ والهواتفِ الذكيَّةِ، مع أنَّ كثيرًا من هذه الأنظمةِ يدعمُ
العربيَّةَ دعمًا كاملًا.
وليس المقصودُ أنَّ كلَّ من اختارَ لغةً أجنبيَّةً متأجنبٌ، فقد تدعو إلى ذلك
اعتباراتٌ مهنيَّةٌ أو تقنيَّةٌ، وإنَّما موضعُ الدلالةِ أن يتحوَّلَ هذا الاختيارُ
عند بعضِ الناسِ إلى رمزٍ للرُّقي، حتَّى يُستغربَ استعمالُ العربيَّةِ في هذا
الموضعِ، لا لقصورٍ فيها، بل لتحوُّلٍ سابقٍ في موضعِ الهيبةِ.
ومن شواهدِه أيضًا: إبقاءُ المصطلحاتِ الأجنبيَّةِ في بعضِ البحوثِ والإصداراتِ
العلميَّةِ، مع وجودِ مقابلاتٍ عربيَّةٍ مستقرَّةٍ أو قابلةٍ للتوليدِ.
فليس اللفظُ الأجنبيُّ في كثيرٍ من الأحوالِ ضرورةً علميَّةً، بقدرِ ما يغدو حاملًا
لهيبةٍ معنويَّةٍ، يُتوهَّمُ معها أنَّ الدقَّةَ، أو الرصانةَ، أو العالميَّةَ، لا
تكتملُ إلا به.
وكذلك شيوعُ الأسماءِ الأجنبيَّةِ للمتاجرِ، والمؤسَّساتِ، والمشروعاتِ، حتَّى في
البيئاتِ التي لا تقتضي مخاطبةَ غيرِ الناطقين بالعربيَّةِ.
وليس المقصودُ مجردَ اختيارِ اسمٍ بعينِه، وإنَّما الدلالةُ على مرجعٍ تُستمَدُّ
منه الوجاهةُ والاعتبارُ؛ إذ تكشفُ هذه المظاهرُ عن انتقالٍ سابقٍ في موضعِ
الهيبةِ، قبلَ أن تكونَ مجردَ اختياراتٍ لغويَّةٍ.
وهذه الشواهدُ لا تُنشئُ التأجنبَ، وإنَّما تكشفُ عنه؛ لأنَّها ليست سببَ
التحوُّلِ، بل أثرَه الظاهرَ.
فالتأجنبُ لا يُقاسُ بعددِ الكلماتِ الأجنبيَّةِ في اللسانِ، وإنَّما بمقدارِ ما
انتقلَ من الهيبةِ إلى المرجعِ الذي جاءتْ منه تلك الكلماتُ؛ إذ الألفاظُ تُخبرُ عن
موضعِ التعظيمِ، لكنَّها لا تُفسِّره.
ومن أرادَ أن يقرأَ حالَ أمَّةٍ، فلينظرْ إلى ما تُعظِّمُه قبلَ أن ينظرَ إلى ما
تتلفَّظُ به؛ فإنَّ الألفاظَ تُخبرُ، لكنَّها لا تُفسِّرُ.
العودةُ إلى السؤالِ
بعد هذه الرحلةِ، يعودُ السؤالُ الذي بدأْنا به، لكنَّه لم يَعُدِ السؤالَ نفسَه؛
إذ لم يَعُدْ موضعُ البحثِ: أضاقتِ العربيَّةُ عن التعبيرِ، أم عجزتْ عن حملِ
العلمِ، أو قصرتْ عن مواكبةِ العصرِ؟ وإنَّما أصبحَ السؤالُ: كيف ضاقَ معيارُ
النظرِ إليها، حتَّى احتاجتْ في بعضِ النفوسِ إلى من يثبتُ قدرتَها أصلًا؟
لقد بدا أنَّ القضيَّةَ لم تكنْ في اللغةِ يومًا، بل في المعيارِ الذي تُوزَنُ به؛
فالعربيَّةُ لم تُحاكمْ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى قدرتِها الذاتيَّةِ، وإنَّما إلى
صورةٍ ذهنيَّةٍ استقرَّ فيها أنَّ ما يأتي من الخارجِ أقدرُ، وأدقُّ، وأجدرُ
بالاتباعِ.
ومن هنا لم يكنِ التأجنبُ انتقالًا من لغةٍ إلى لغةٍ، ولا انفتاحًا على معرفةٍ أو
حضارةٍ؛ فاللغاتُ جسورٌ إلى العلمِ، والانفتاحُ على الأممِ سنَّةٌ من سننِ
العمرانِ.
وإنَّما التأجنبُ انتقالٌ في موضعِ التعظيمِ، حتَّى يغدوَ المرجعُ الخارجيُّ هو
المعيارَ الضمنيَّ الذي تُقاسُ به اللغةُ، والثقافةُ، والذاتُ.
ولهذا لم يكنِ السؤالُ الحقيقيُّ: هل تستطيعُ العربيَّةُ أن تحملَ العلمَ، أو
تُواكبَ العصرَ، أو تنتجَ المصطلحَ؟ بل: كيف أصبحتِ العربيَّةُ في بعضِ النفوسِ
مُطالَبةً بإثباتِ قدرتِها، بينما أُعفيَ غيرُها من هذا الامتحانِ؟ فهناك يبدأُ
التأجنبُ، وهناك يبدأُ اختلالُ التعظيمِ.
ولذلك فإنَّ معالجةَ التأجنبِ لا تبدأُ بمطاردةِ الألفاظِ، ولا بالإكثارِ من
المناسباتِ، ولا بمجردِ الدفاعِ عن العربيَّةِ؛ لأنَّ الألفاظَ آخرُ الشهودِ،
والمظاهرَ لا تُغني عن معالجةِ الجذورِ.
إنَّ البدايةَ الحقيقيَّةَ تكونُ حين تستعيدُ العربيَّةُ موضعَها الطبيعيَّ في
ميزانِ التعظيمِ؛ بوصفِها لغةً يُفكَّرُ بها، ويُنتجُ بها، ويُعاشُ بها، لا لأنَّها
لغةُ الماضي، بل لأنَّها جزءٌ من هويَّةِ الحاضرِ، وأداةٌ لبناءِ المستقبلِ.
فإذا استقامَ موضعُ التعظيمِ، استقامَ اللسانُ تبعًا له، وعادتِ الألفاظُ إلى
مواضعِها من تلقاءِ نفسِها؛ لأنَّ اللغاتِ لا يفقدُها أهلُها يومَ يتركونَ بعضَ
ألفاظِها، وإنَّما يومَ يفقدونَ موضعَها من التعظيمِ.
وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه، وعلى من تبِعَهم
بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.