كيف يمكن توظيف الأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي لإثراء تجربة الطفل القرائية، مع الحفاظ على هويته الثقافية وقيمه التربوية، ومواجهة تحديات المحتوى الرقمي، بما يحقق توازناً بين الابتكار والأصالة في تنشئة أجيال المستقبل بصورة آمنة ومستدامة وفاعلة؟
لا شك أن طفل القرن الحادي والعشرين يتأثر بالأدب التقني أو الرقمي الذي يُقدَّم
عبر وسائل التواصل والتكنولوجيا الحديثة. وهذا الأمر يضع الكاتب المتخصّص في أدب
الطفل في مأزقٍ يَفرض عليه اكتساب كل الخبرات الرقمية التي يتعامل معها طفل اليوم،
وتوظيفها في جَذْب الطفل، وتوصيل الرسالة الأدبية؛ من قِيَم وأخلاق وتعليم وتثقيف،
وتسلية وتنمية فكرية ووجدانية... وهذه المهمة ليست سهلة، لكنّها ضرورية لمن يريد
مخاطبة طفل العصر الرقمي.
إن التجربة الكلاسيكية للطفل العربي مع أدب الأطفال منذ القرن التاسع عشر، كانت
تخضع لمعايير مغايرة تمامًا عما يدور اليوم، فكانت القصة المقدَّمة للطفل مرتكزة
على التجربة الاجتماعية المحددة ضمن أُطُر وحدود اجتماعية متعارَف عليها لدى معظم
أفراد المجتمع، فكثير منا قرأ قصص «أليس في بلاد العجائب، عقلة الإصبع، ليلى
والذئب، قصص ألف ليلة وليلة، مغارة علي بابا، حكايات جحا الفكاهية، وروايات الجيب»؛
وهذا كله كان يتم بالمشاركة مع الأهل، فمصادر هذه القصص كانت من المكتبات المحدودة
في الحي، وكانت هذه الكتب تحتوي على نزعة أخلاقية مُحمَّلة بالخيال؛ بهدف محاكاة
وعي الطفل، واستنهاض الخُلق الجيد لديه. وكانت مكتوبة بأسلوب بسيط، لتحقيق المتعة.
وقد مرَّ أدب الطفل بثلاث مراحل في تطوره:
الأدب الشفاهي:
ممثلًا في حكايات الجدات والأساطير والملاحم.
الأدب المكتوب:
مع اختراع الطباعة وانتشار قصص مثل «أليس في بلاد العجائب» و«عقلة الإصبع».
الأدب الرقمي:
الذي يجمع بين النص والصورة والصوت والحركة في بنية ديناميكية.
والأدب الرقمي هو الأدب الذي يُعاد عَرْضه وتوظيفه إلكترونيًّا، بحيث يتضمَّن
الصورة والصوت واللون والحركة والنص أو الكلمة. في بنية ديناميكية متكاملة وتشكيل
فني مُبتكَر ومشوّق، يساعد الطفل على نموّ ذوقه وشخصيته، ويتوافق مع احتياجاته
النفسية، ويُكسبه قَدْرًا من الثقافة والوعي، ويفتح أُفقه نحو الجديد في عصر السرعة
والمتغيرات المتلاحقة.
ويُعدّ أدب الطفل الرقمي، المرحلة الثالثة في مراحل تطوُّر أدب الطفل الذي بدأ
بالأدب الشفاهي ممثلًا في حكايات الجدات وأغانيهم، والأساطير والملاحم، وغيرها، ثم
المدوّن بالكتابة مع اختراع الطباعة، وأخيرًا الرقمي الذي أتاح -عبر التقنيات
الإلكترونية ووسائطها- العديد من الإبداعات القصصية والشعرية والثقافية والألعاب
كنصوص جديدة لطفل الألفية الثالثة للميلاد.
وفي عام 2025م، أصبح الأدب الرقمي يتضمن تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي
والواقع الممتد(XR)؛
حيث تسمح تطبيقات مثل «Story
Tailor
AI»
بتوليد قصص مخصَّصة لكل طفل بناءً على اهتماماته وسلوكياته.
هذه التحولات الرقمية تُتيح تجارب قرائية غامرة للأطفال، مثل منصة «الخطوات التسع
والثلاثون»، التي تسمح للطفل بالمشاركة في تشكيل أحداث القصة عبر اختياراته داخل
مدينة افتراضية. كما ظهرت تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد قصص مخصَّصة لكل
طفل بناءً على اهتماماته وسلوكيات القراءة السابقة، مثل تطبيق «Story
Tailor AI»
الذي طوّره باحثون في جامعة برشلونة.
وتأسَّست مكتبة الأطفال الرقمية الدولية في الولايات المتحدة الأمريكية
ICDL،
والتي تضم أكثر من 4000 كتاب رقمي مجاني بلغات متعددة، مع إمكانية التصفُّح بحسب
اللون أو الشكل أو اللغة، وتُعدّ أحد أكبر المصادر العالمية للكتب التفاعلية،
وتعتمد على مشاركة ناشرين عالميين لتقديم محتوى متنوّع ثقافيًّا.
وأنتجت دار نشر «كويكستوري»، سلسلة كتب الواقع المعزّز، وتسمح هذه الكتب للشخصيات
بالقفز من الصفحة إلى غرفة الطفل عبر نظارات الواقع المعزّز، وتجمع بين العناصر
المادية (مثل الكتاب الورقي) والرقمية، مع تفاعلات حركية تُطوِّر المهارات
البصرية-الحركية، وقد حقَّقت انتشارًا واسعًا في المدارس البريطانية باعتبارها
أداةً تعليمية.
وانطلق مشروع «الكتاب الحي» في البرازيل، بالشراكة مع المدارس الدولية؛ حيث يُنتِج
الأطفال كتبًا رقمية متعددة الوسائط باستخدام صورهم وتسجيلات صوتية. يتم تخزين
الأعمال في «مكتبات الفصل الافتراضية»، ويتلقى المؤلفون الصغار تعليقات من قراء
عالميين. ويُعزّز المشروع ثقافة التعددية اللغوية عبر ترجمة القصص إلى 3 لغات.
وفي العالم العربي، ظهرت مبادرات واعدة لتطوير أدب الطفل الرقمي، ومع ذلك، لا يزال
الطريق طويلًا أمام الأدب الرقمي العربي لمواكبة التطور العالمي؛ حيث يحتاج إلى
مزيد من الاستثمار في المحتوى الأصيل والتقنيات الحديثة.
كما يُواجه أدب الأطفال الرقمي تحديات كبيرة رغم إيجابياته؛ فوفقًا لتقرير اليونيسف
2024، فإن 60% من المحتوى الرقمي للأطفال لا يخضع لمعايير الجودة التربوية. ففي عصر
الذكاء الاصطناعي والرقمنة، أضحت إمكانية ضبط المعلومات المتدفقة بسرعة جنونية
للطفل، عملية غير مضمونة، فمهما حاول الأهل مراقبة الطفل، وتقنين وتنقية المعلومات
المتسربة إليه عبر الهاتف الرقمي، سيتمكّن أخيرًا من الاحتكاك بأفكار غير متوقّعة
التي سيتأثر بها الطفل.
وقد انقسم أرباب التربية الحديثة في نظرتهم إلى هذا الإقبال من جانب أطفال اليوم
نحو الأدب الرقمي؛ إذ يرى الفريق الأول أن الجوانب الإيجابية من عرض أدب الطفل عبر
الحواسيب والأجهزة الذكية بأنواعها كافة وشبكة الإنترنت... تتمثل في زيادة كمّ
المعلومات الجديدة والمعارف يوميًّا، مع سرعة انتشارها ووصولها لملايين الأطفال
المستخدمين، وتنمية الثقافة العلمية والخيال في أدب الطفل المعروض ليشمل مجالات
العلم الحديث من طبيعة وكيمياء وفيزياء وفضاء، وغيرها، وتنمية قدرات الأطفال
العقلية العليا أو الكامنة التي يصعب قياسها عبر الأدب التقليدي وإستراتيجية الحفظ
والتلقين؛ حيث تساعد ألعاب الفيديو الطفولية على خَلْق مهارات التحليل والتفكير
الناقد واتخاذ القرار والابتكارية وحلّ المشكلات.
ومن أهم مميزات أدب الطفل الرقمي: التفاعلية الكاملة، والتشويق والإثارة، والتنوّع
وسهولة استخدام التطبيقات والوصول للمحتوى، وقد فتح الأدب الرقمي نافذة جديدة
للمبدعين في مجال مخاطبة الطفل، مما جعل الأدب الورقي يتحوَّل عبر وسائط تعبيرية
متنوّعة كالصوت والصورة والحركة إلى أدب رقمي.
ويمكن توظيف الأدب الرقمي في تنمية الذكاء اللغوي لدى الناشئة من خلال استخدام
الأناشيد المحبَّبة للأطفال، وتوظيف الشعر وما يحتويه من إيقاعات في تنمية تذوّقه
اللغوي، واكتساب مهارات اللغة، وغرس معاني الإيمان، وقِيَم التعاون والصداقة
والمحبة، وحبّ الأوطان والانتماء إليها؛ عبر الأناشيد الرقمية.
ويرى الفريق الثاني أن الدراسات تشير إلى المخاطر التي قد تظهر في حال استخدام
الطفل للتكنولوجيا تعليميًّا، دون إشراف الأسرة أو المدرسة، ومنها: إمكانية دخول
الطفل على مواقع تُروِّج لمحتويات غير أخلاقية أو إلحادية تهدم قِيَم المجتمع
وثوابته، أو بتواصل إلكتروني مباشر مع مجهولي الهوية؛ مما قد يمثل خطرًا على حياة
الطفل ونمط تفكيره. وهناك سلبيات تتعلق بعدم تحديد السنّ المناسب للمادة المعروضة،
مع إهمال لحاجات الطفل النفسية والاجتماعية وإشباعها بشكلٍ سليم.
ويجب أن نعمل بجدية لمواكبة العصر وتطوير الأدب الرقمي المُوجَّه للأطفال في عالمنا
العربي، بدلًا من أن يتلقّاه الطفل من منظومات ثقافية أخرى بعيدة عن قِيَمنا
الأخلاقية والروحية.
ويجب أن نتعامل مع الأدب الرقمي للطفل كفرصة لتعزيز الهوية الثقافية وليس كتهديد
لها، ويكمن النجاح في القدرة على توظيف التقنيات الحديثة لخدمة قِيَمنا وأهدافنا
التربوية، وقدرة الكاتب ومهارته في استخدام التكنولوجيا، وتحديد الفئات المستهدَفة
بدقة، والضمير الذي يتمتع به؛ لأن النص الإلكتروني أكثر انتشارًا ويصعب السيطرة
عليه.
ومع أهمية الأدب الرقمي؛ فإن الأدب المنشور ورقيًّا يظل له حضوره وبقاؤه؛ فهو
يُوفّر لقُرّائه متعة مشاركة الأديب في التخيُّل.
ولا بد من التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والحفاظ على القِيَم التربوية
والأصالة الثقافية، مع ضرورة وضع ضوابط أخلاقية وتربوية للمحتوى الرقمي، والتركيز
على تطوير محتوى عربي أصيل يُلبِّي احتياجات طفل اليوم دون التفريط في قِيَمنا
وهويتنا.
المراجع
١. المسعودي، محمد (2017). أدب الطفل الرقمي بين فريقين. الرياض: دار الراية.
٢. منظمة الثقافة العربية (2023). واقع المحتوى الرقمي العربي للأطفال. تونس:
المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
٣. اليونيسف (2024). تقرير عالمي حول جودة المحتوى الرقمي للأطفال. نيويورك: منظمة
اليونيسف.