هل تكمن خطورة تحريف الأديان، كما يصور المقال، في الهجوم الخارجي المباشر، أم في الشخصيات المتخفية التي تتسلل إلى المجتمعات وتعيد تشكيل العقائد والأفكار تدريجيًا حتى تنشأ الانقسامات والصراعات داخل الأمة الواحدة عبر التاريخ الطويل؟
الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيِّنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
بولس (شاول) أو (شاؤول) شخصية تاريخية حقيقية ظهرت في القرن الأول من الميلاد،
تُقدّسه (الخراف الضائعة)، وتُضْفي عليه لقب الرسول! وهو يهودي الأصل، شرِقَ بظهور
النصرانية، فلمَّا لم يستطع مُواجهتها كِفاحًا، مَكَرَ بها خَفاءً، حتى قَوَّضها من
الداخل، وحوَّلها من دين ربّاني، إلى وثني شيطاني منحرف عن ذُرَا مجد التوحيد
المجيدة، منجرف إلى حضيض الشركيات الوضيعة.
ولئن كان (بولس) شخصية تاريخية حقيقية، ظهرت ثم مضت، إلا أنه أصبح شخصية رمزية،
تبرز في كل عصر بما يناسبه، وفي كل مصر بما يلائمه، ومع كل طاغوت بما يمالئه.
وممّا تتميز به الشخصيات (البولسية): المكر والخداع الممزوجة بالذكاء الشديد
واهتبال الفرص.
مهمة هؤلاء (البوالسة) هي حَرْف الديانة عن طريقها المستقيم إلى هاوية الشرك فما
دونه، بحسب الاستطاعة، ووفق الظروف المحيطة، وبقدر ما تتمتع به الأُمَّة من نباهة
وقوة مدافعة.
و(بولس) هذه الأمة الأول هو عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي شقّ الأُمَّة إلى
نقيضين: شيعة وسُنّة، ولم يكن بعيدًا عن بذرة الخوارج التي هي نقيض الشيعة.
فعلى أُمَّة الإسلام تحصين ثغورها، وإحكام أسوارها من الخارج، وتنقية صفوفها من
الداخل، وأن تحرص بالغ الحرص على مصانع الأجيال، محاضن التربية والتعليم، وعلى
الإعلام، وعلى وسائل التأثير المجتمعي.
إن الديانات الكبرى المنحرفة، الموجودة اليوم على ظهر الأرض، ولها أصل غائر في عمق
التاريخ، وانتشار ضارب بجرانه ومتمدد في أرجاء الأرض... مهما كانت مُحرّفة، فلا
يَبْعُدُ قول مَن يتوقع أن أصولها ربما تكون سماوية -ولا نجزم إلا بما قام عليه
الدليل-: {وإنْ مِن أُمَّة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24]؛ {ولقد بَعَثنا
في كلّ أُمَّة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]؛ لكن
(البوالسة) عبثت بها، فظهرت لنا اليوم بقناعها الوثني، وثوبها الشركي، ودونكم
النصرانية واليهودية! وما هما عنّا ببعيد!
وغنيّ عن التعريف أن هذا الاسم القبيح يتفق مع اسم سجن خطير في جهنم؛ قال عنه النبي
صلى الله عليه وسلم : «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَمْثَالَ
الذَّرِّ، فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى
يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ، يُقَالُ لَهُ:
بُولَسُ،
فَتَعْلُوَهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ؛ عُصَارَةِ
أَهْلِ النَّارِ»[1].
[1] أخرجه الإمام أحمد (6677)، وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي (2492)، والبخاري
في الأدب المفرد (557)، وحسنه الألباني، في صحيح الأدب المفرد (557).