• - الموافق2026/01/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
خطبة الجمعة بين الكفاءة والتضييع

كيف يمكن لخطبة الجمعة أن تستعيد دورها التربوي والحضاري الحقيقي، فتُوقظ الوعي، وتُصلح السلوك، وتُواجه الإحباط والتخلّف، بدل أن تتحول إلى خطاب تقليدي فاقد للأثر؟


حرَّم الله -عز وجل- البيع والشراء في وقت صلاة الجمعة على مَن يجب عليه شهود الجمعة، ونهى عن كثير من الأعمال المباحة في ذلك الوقت؛ رعايةً لشأن الجمعة وإرشادًا إلى أهميتها.

ومن رفعة شأن هذه الشعيرة أنها تكون كفارة لما يمكن أن يَعْرض للمسلم من آثام طيلة أسبوعه الذي مضى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِما بيْنَهُنَّ»[1].

من أجل ذلك، كان الصعود إلى منبر كان يَصعد على مِثْله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  أمانة ومسؤولية، يُسأل عنها كل خطيب يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ولعل الاندفاع للحديث عن الدور التربوي لخطبة الجمعة، هو في الواقع، من منطلق الهمّ الذي يشغل بال جيل الصحوة الإسلامية، الذي يبحث عن الدين من نَبْعه الصافي مشرقًا وضّاءً كما كان منذ قرون خلت. فعودة المسجد للقيام بدوره الحضاري والإنساني، تُعدّ طفرة جبارة في مجال البلاغ المبين، ولذلك فإن البداية السليمة في مجال الدعوة لعبور التخلُّف، ومُجابَهة الشعور بالإحباط والانهزامية العالقة بضمائر المسلمين، ينبغي أن تبدأ من المسجد، الذي يجب أن يكون محور التغيير في حياة المسلمين؛ وذلك أن أيّ مؤسسة لا ترقى إلى العطاء التربوي المتكامل، وتَنْفُذ إلى نفوس الشباب وتُخالط مشاعرهم وتُوجّههم نحو الخير كما هو المسجد؛ لما يشيعه من نفحات إيمانية، وما يرتبط به من اطمئنان نفسي وراحة قلبية، فالصوت الذي ينبعث من المنبر، تُردّده جنبات المسجد، يبدو وبلا شك وكأنه صادر عن الملأ الأعلى؛ حيث يُدْخِل على قلب المؤمن الرهبة والخشية، والفزع والتقوى، والطاعة والامتثال، ويحمل الروح إلى فضاءات لا متناهية من اليقظة والشفافية، بعيدًا عن كل زيغ أو التواء.

في رحاب الموعد الأسبوعي

خطبة الجمعة، في الحقيقة، فرصة ثمينة على الخطيب استغلالها بفقه وذكاء، حتى تُؤتي ثمارها، وتُحقّق أغراضها، ولن يكون ذلك إلا إذا وضَع الواعظ لخطبته منهجًا واضحًا، وحدَّد لنفسه أهدافًا تتماشى مع محيطه الاجتماعي، والمستوى الإدراكي لسامعيه، وما أحسن أن يُعالِج الخطيب موضوعًا واحدًا في سلسلة من الخطب، يُذَكِّر في بداية كل خطبة بالعنصر الذي تم التعرُّض له في الخطبة الماضية، ويتساءل عن مدى تأثير ذلك في سلوك الأفراد والمصلين.

ولعل خير ما يستعين به الواعظ لإنجاح خطبته مراعاته -ما أمكن- للشروط التالية:

الاستئناس بالأمثلة الملموسة والأدلة الواضحة.

ربط المستمعين بوقائع دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم  في سيرته العَطِرة، وبصور من أمجاد المسلمين، حتى ترجع للمسلمين ثقتهم بأنفسهم ورسالتهم العالمية.

التعرُّض بين الفينة والأخرى للانحرافات الاجتماعية السائدة في المحيط القريب من السامعين، والتماس الحلول من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

الابتعاد عن الألفاظ الغريبة، والمعاني الشاذَّة، وكذا عن الأمور الخلافية، ورفع الصوت في مواطن، وخفضه في أخرى بحسب المعنى والحاجة.

الحرص على ضبط ما يَنقله من أحاديث وروايات ودقة الاستدلالات.

الإيجاز الذي يُعين على تثبيت الحقائق، وإيصالها إلى السامع بيُسْر؛ لأن الكلام الكثير يُنْسِي بعضُه بعضًا.

استيعاب الخطبة بشكل جيد، ومراجعتها قبل الصعود للمنبر تفاديًا للتلعثم والارتباك الذي يذهب بفائدة العديد من الخطب.

مزالق خطيرة

جسامة مسؤولية الخطيب تكمن في أنه يصبح محط أنظار الناس، ومنبع قدوتهم، يُحصون عليه حسناته وسيئاته، لذا، فعلى الخطيب والواعظ أن يُصدِّق فِعْلُه قولَه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ما انتفعتُ بكلام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ما انتفعت بكلامٍ كتبه إليَّ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ فقد كتب إليَّ: «أما بعد، فإن المرء يَسُرّه إدراك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فَوْت ما لم يكن ليُدركه، فليكن سرورك بما نِلْتَ من أمر آخرتك، وليكن أَسَفُك على ما فاتك منها، وما نِلْت من أمر دنياك فلا تكن به فَرِحًا، وما فاتك منها فلا تَأْسَ عليه جزعًا، وليكن همّك ما بعد الموت»[2].

وقال أبو الأسود الدؤلي في نُصْح الواعظ بالصدق والعمل بعلمه قبل تبليغه:

يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ

هَلاَ لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى

كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا

فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى

بِالْقَوْلِ مِنْك وَيُقْبَلُ التَّعْلِيمُ

لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ[3]

وفي مثال عملي، كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري -رحمهما الله- يقول: «اجمع لي أمر الدنيا، وصِفْ لي أمر الآخرة»؛ فكتب إليه الحسن البصري يقول: «إنما الدنيا حُلم، والآخرة يقظة، والموت متوسّط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام، ومَن حاسب نفسه ربح، ومَن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلّ، ومَن حلُم غَنم، ومَن خاف سلم، ومَن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، ومن علم عمل، فإذا زللتْ فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمْسِك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أُكرهت النفوس عليه».[4]

فما أحوج الكثير من وُعّاظنا إلى استلهام معاني هذه الموعظة، وتبليغ مقاصدها إلى العامة والخاصة؛ لأنه بغير الوعظ الصادق والتبليغ الأمين، لن يكون لخطبة الجمعة تأثير، وتظل شعيرة مُفرَّغة من محتواها الحقيقي والأصيل.

وعلى الخطيب الواعظ ألا يستغل مكانته بين الناس لتحقيق مكاسب مادية أو مصالح شخصية، وأن يتورّع عن مَواطن الشبهات، وتحضرني هنا موقف تربوي من مواقف سلف الأمة الصالحين؛ فقد دخل التابعي الجليل عبد الله بن مُحيريز حانوتًا بدابق يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأَحْسِن بَيْعه، فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: «إنما نريد أن نشتري بأموالنا. لسنا نشتري بديننا»[5].

التعلُّم من خطب النبي صلى الله عليه وسلم

عن جابر -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه مُنْذِر جيش يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم»، ويقول: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين»،  ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».

وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار: «تتبعتُ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدتُ أوائل أكثرها «الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ووجدت في بعضها «وأوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على طاعته». ووجدت كل خُطَبه مفتاحها الحمد، إلا خطبة العيد، فإن مفتاحها التكبير»[6].

وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين قدم المدينة أن قال -بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمَنَّ وَاللهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ؛ فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشَرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»[7].

وفي خطبة أخرى قَالَ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وأستعينه، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ؛ إِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ. أَحِبُّوا مَنْ أَحَبَّ اللهُ، أَحِبُّوا اللهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللهِ تَعَالَى وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ؛ واعَبْدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بِرُوحِ اللهِ بَيْنَكُمْ. إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبركاته»[8].

ومن خطبه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله تعالى، قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذين بينكم وبين ربكم بكثرة ذِكْركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، تُؤجَروا، وتُحْمَدوا، وتُرزَقوا. واعلموا أن الله سبحانه قد فرض عليكم الجمعة، فريضة مكتوبة، في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا، إلى يوم القيامة، مَن وجد إليها سبيلًا، فمن تركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها واستخفافًا، وله إمام جائر أو عادل؛ فلا جمَع الله شَمْله، ولا بَارَك له في أَمْره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا صوم له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا حج له، ألا ولا بِرّ له حتى يتوب، فإن تاب؛ تاب الله عليه، ألا ولا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ألا ولا يَؤُمَّنَّ أعرابيٌّ مُهاجِرًا، ألا ولا يَؤُمَّنَّ فاجِرٌ مؤمنًا، إلا أن يَقهره بسلطانٍ يَخاف سيفه وسوطه»[9].

وبعد، فإن الحاجة أصبحت مُلِحَّة أكثر من أيّ وقت مضى لرفع مستوى خطبة الجمعة، إلى المرتبة التي بلغتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان من سلف الأمة، يوم كان المسجد مَنْبع إشعاع الإيمان، والعلم، والصلاح، والمرتع الذي تربَّى فيه الجيل القرآني الفريد في تاريخ الأمم جميعًا؛ جيل الصحابة -رضوان الله عليهم-، الذين كانوا مثالًا حيًّا لخير أُمَّة أُخرجت للناس، وتابعيهم بإحسان، الذين اندفعوا إلى مختلف أقطار الأرض علماء، وخلفاء، وقادة أقاموا الدين والدنيا على حدّ سواء.

 والدعوة الإسلامية اليوم تقتضي أن يكون خطيب المسجد أول المساهمين في إيقاظ شعور الناس، وتنبيههم إلى ما في نصوص الشريعة، وأحكامها من سُموّ، وإلى ما في الإسلام من أخلاق وحِكَم، وأن الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج متكامل للحياة.

ومن الخطورة بمكان تَصدُّر الجهال، فقد «تقدّم الزمن بالمجتمعات، وليس بمعقول أن يكون خطيب المنبر هو نموذج المُتعلِّم الأُمّي في مجتمع المثقفين المعاصر، فيصير المنبر علامة على التخلُّف العقلي، وأضحوكة تقترن بالرثاء، يضحك عليها الصغار، ويبكي عليها الكبار»[10].

 


[1] صحيح مسلم: 233.

[2] العقد الفريد: 3/77.

[3] البيان والتبيين: 1/ 198.

[4] العقد الفريد: 3/78.

[5] مختصر تاريخ دمشق ١٤/٣٤.

[6] عيون الأخبار: 2/231.

[7] منهاج الصالحين، عز الدين بلبق، ص873.

[8] إعجاز القرآن: ص 885.

[9] العقد الفريد، مرجع سابق.

[10] من تقديم دكتور: عبد الصبور شاهين لخطب الشيخ، محمد الغزالي ص5، دار الاعتصام.

 

 

أعلى