صلاح الدين في عيون الغرب

لعل أسبق شهادة فيه كانت من المؤرِّخ (وليم الصوري)، ففي تعليقه على تولي صلاح الدين القيادة بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه عام 564هـ/ 1169م يقول: «رجل ذو روح متقدة، شجاع في الحرب»


كانت الأحداث السياسية (التي أحاطت بالمنطقة العربية في العصور الوسطى) مواتية لصلاح الدين من أجل الدفاع عن الأمة العربية ضد الزحف الصليبي والاستحواذ على كنوز الشرق. ونظراً لأفعاله وجولاته التي أبهرت الجميع أصدقاء كانوا أم أعداء، فقد تعددت شهادات المعاصرين لصلاح الدين من العرب والغرب؛ فشهدوا له بالعدالة، والشجاعة، وحُسْن التعامل مع الأسرى، وعددوا الصفات الحميدة التي يتمنَّى أي حاكم أن يتصف بها؛ فقد كان بالنسبة لهم أيقونة العصر.

ولعل أسبق شهادة فيه كانت من المؤرِّخ (وليم الصوري)، ففي تعليقه على تولي صلاح الدين القيادة بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه عام 564هـ/ 1169م يقول: «رجل ذو روح متقدة، شجاع في الحرب». وفي موضع آخر أشار إلى قوة صلاح الدين وقدرته بسيطرته على العديد من البلاد[1]، ونجده يصف صلاح الدين بأنه فارس شجاع، ويملك روح المبادرة، ولا يعرف الكلل وأنه قام بدور قائد قوي في كل شيء[2]. لقد كان صلاح الدين القائد الحكيم الذي تمكن من كسب حبَّ الشعوب العربية، والغربية؛ فقد استطاع أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات (الفرنجية - الإسلامية)، إذ استفاد الحجاج الفرنج من تسامح صلاح الدين وكرمه؛ وساعدت الصورة التي نقلوها معهم إلى بلادهم عن هذا الزعيم المسلم في تطوير أسطورته في أوروبا؛ فلم يعد صلاح الدين ذلك الرجل الذي يسعون إلى التخلص منه بأي طريقة كانت؛ وإنما هو خصم حكيم، تميَّز بالشجاعة، والصبر، والتسامح، والقدرة على إدراك المواقف؛ وكان حَسَن العهد والوفاء فما أُحضر بين يديه يتيم إلا وجبر كسر قلبه، ولا يرى شيخاً إلا ويُحسن إليه[3]... وقد انبهر الفرنسيون به وبأخلاقه، واعتقدوا أنه قُلِّد بمراسم الفروسية الأوروبية في العصور الوسطى، وأنه انحدر من أسرة فرنسية من نبلاء فرنسا؛ وهذا ما يؤكد قول المؤرخ اليهودي (إلياهو أشتور) عنه أنه بعد الانتهاء من الحروب الصليبية في الشرق، في القرن 8هـ/14م؛ كان الأوروبيون يجتمعون عند المدفئة في الليالي المظلمة الباردة، وهم يرددون قصصاً عن صلاح الدين[4]. ومن أهم الأعمال الأدبية المتصلة بصلاح الدين في فرنسا في العصور الوسطى تلك القصص الرومانسية المعروفة باسم «حكايات منشد مدينة ريمس» وهي حكايات تناقلتها الألسنة على مدى قرن من الزمان جعلت شخصية صلاح الدين تزداد عمقاً في أذهان الأجيال تلو الأجيال[5]، وربما تكون تلك القصص مبالَغ فيها إلا أنها تدل على مدى الإعجاب بشخصية صلاح الدين إلى درجة أنها غزت أفكارهم وعقولهم.

ويقال إنه في أعقاب انتصار حطين، وما تلاها بعد ذلك من انتصارات، وبسبب كرم هذا القائد مع الأسرى اعتنق عدد من الفرسان الصليبيين الدين الإسلامي. ونشير هنا إلى أن الإسلام كان العامل الرئيسي في دخول الناس الإسلام واعتناق دين الحق بداية. وبصفة عامة فقد أظهر صلاح الدين رحمة وفروسية في تعامله مع الصليبيين، وبفضل هذه السجايا مارستْ جيوشه ضبط النفس عند النصر، وتجنبتْ ارتكاب الأعمال الوحشية الشائعة في مثل ذلك المقام[6]، فقد عامل نساء الفرنجة معاملة حسنة تعكس روح الشهامة والفروسية، وسمح للملكة زوجة الملك ليزنيان ملك بيت المقدس بمغادرة المدينة بحماية من الحرس السلطاني، وبرفقتها كلُّ الخدم من الرجال والنساء وبصحبتهم صناديق مجوهراتهم وأموالهم، وأحسنَ استقبال الأميرة إيتينيت أميرة ما وراء نهر الأردن وأرملة رينو دي شاتيون الذي قتله صلاح الدين، ووعدها بفك أسر ابنها أونفرو الرابع حينما يتسلم قلعتي الكرك والشوبك، واستفاد من عفوه أيضاً فرسان الداوية، والإسبتارية؛ بل أخذوا معهم كل أموالهم دون مساعدة الفقراء العاجزين عن دفع الفدية[7].

وقد أشار المؤرخ كارول هيلنبراند إلى إحسان صلاح الدين إلى زوجات الفرسان وبناتهم في القدس، ونشروا في الخارج الكثير عن العطف، والإجلال اللذَين أسداهما لهم صلاح الدين، ووصل الأمر إلى أن الكتَّاب الصليبيين كانوا مجبرين في مصادرهم على إبداء الإعجاب المتمنع بشخصية صلاح الدين، وإنجازاته؛ باعتباره بطلاً متسماً بالفروسية، في العديد من الأعمال الرومانسية الفرنسية في العصر الوسيط؛ إذ نجد في القرن 7هـ/13م أن (إليانور أوف أكويتين) الملكة الفرنسية الشهيرة، تقع في حب صلاح الدين بعد سماعها عن شجاعته وصدقه؛ لذا فأعمال صلاح الدين الشخصية التي تنطوي على الرحمة تجاه النصارى، وردت في مصادر إسلامية ونصرانية على حدٍّ سواء؛ فقد ظهر صلاح الدين بصورة بطل مثالي في روايات فرنسا وألمانيا وإسكتلندا[8] ولا نبالغ إن قلنا: لقد انعكست أسطورة صلاح الدين الأيوبي في الآداب الأوروبية الفرنسية، والإنجليزية، والإيطالية وغيرها من بلاد أوروبا في العصور الوسطى، ولذا يحق لنا أن نفترض أن صلاح الدين دخل بهذا النحو إلى نسيج الفولكلور الأوروبي، وقد امتد الأمر إلى القرن 12هـ/ 18م إذ اكتسبت أسطورة صلاح الدين حياة جديدة، وتم تصوير صلاح الدين في بعض المسرحيات على أنه نموذج للمسلم صاحب الأخلاق الطيبة[9].

ويقول رينيه غروسيه إن نصارى عسقلان الذين توجهوا إلى مصر هم أكثر الفرنجة حظّاً لأنهم كانوا ينعمون بحماية صلاح الدين بفصل الشتاء، وتمكنوا من السفر إلى أوروبا بالبحر عام 584هـ/ 1188م. وقال أيضاً: إن السلطان لم يهدر دم الفرنجة، ووفَّر لهم ولأموالهم الحماية، ولم يفكر بالمساس بالأماكن المقدسة النصرانية؛ فلم يكن النصارى العرب أجانب عند صلاح الدين بل سكان البلد عاشوا بين المسلمين واستمروا مدة الحروب الصليبية دون أن يتعرضوا لأي أذى[10]. ويقول المؤرخ ديفيد جاكسون: إن صلاح الدين يبرز بين معاصريه بصورة زعيم لأنه كانت لديه الفطنة لإدراك ما هو مطلوب لتحقيق أهدافه؛ بالإضافة إلى الإشارة إلى السجايا الإنسانية التي جعلت منه زعيماً محبوباً، مثلما هو زعيم يحظى بالإعجاب. فقد كان إخلاصه ونبله وشهامته هي التي أكسبته الاحترام والمكانة المرموقة في الغرب والشرق على حد سواء[11].

وأكبر دليل على قدْر شخصيتة جنازته المهيبة، التي صوَّرها لنا بهاء الدين بن شداد بشكل دقيق، فكانت وفاته يوم الأربعاء الموافق 27 صفر 589هـ/ 4 مارس1193م؛ إذ قال: «كان يوماً لم يُصَب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقدوا الخلفاء الراشدين...»[12]. بينما كان المؤرخ قاسم عبده قاسم أكثر واقعية عندما قال: بوفاة صلاح الدين توارت عن مسرح التاريخ شخصية ظلت ملء العين والقلب موضع الإعجاب والهيبة من جميع معاصريه؛ أعداء كانوا أم حلفاء. ولكن الظروف التي أنجبته لقيادة الأمة كانت ما تزال قائمة. فالصليبيون ما زالوا موجودين فوق أرض الشام، كما أن خطر قدوم حملات صليبية جديدة كان ما يزال قائماً. والإحياء الأيديولوجي والأخلاقي، الذي كان بمثابة التعبئة المعنوية للعمليات العسكرية، كان ما يزال في طور النمو، وما تزال قطوفه بعيدة المنال[13].

عموماً كان صلاح الدين نموذجاً طيباً للحاكم العادل، الذي يُحسن سياسة رعاياه، كما يُحسن معاملة خصومه، ولا يقابلهم بالشدة والعنف، ولكن بالرفق واللين، دون أن ينتقص ذلك من شهامته وبطولته.


 


[1] وليم الصوري، تاريخ الأعمال المنجزة، الهيئة، القاهرة، 1991م: 2/358، 359، 408.

[2] وليم الصوري، تاريخ الحروب الصليبية، ط دمشق، 1990م: 2/981، 1057.

[3] ابن شداد ، سيرة صلاح الدين، ط دار المنار، القاهرة، 2000م، ص22.

[4] منذر الحايك، العصر الأيوبي، دمشق، 2012م، ص11، 13.

E.Ashtor,”Saladin and The Jews H.u.c.A.,XX VII,1950, p 305

[5] مفيد الزيدي، موسوعة تاريخ الحروب الصليبية، عمان، 2004م، ص188.

[6] توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، القاهرة، 1970م، ص111. مونتجمري وات، الحملات الصليبية تصورات مختلفة، ضمن كتاب 800 عام حطين صلاح الدين، وقائع الندوة التي أقامتها بالقاهرة في يونيو 1987م، ط دار الشروق، القاهرة، 1989م، ص80.

Chronicle of The Third Crusade, a Translation of The ltinerariumPeregrinorium et Gesta Regis Ricardi, Trans Hrans Helen Nicholson, London, 1997,P.132

[7] حسن حبشي، ذيل وليم الصوري، الهيئة، القاهرة، 2002م، ص120، 125.

Abou Chama, La livre des deuxjardins, Histoire des deuxregnes, celui de Nour ad-Din et celuide Salah ad-Din,in R.H.C.H.on,T.IV,Paris,Imp.National,1890-1906,P.331-333,339.

[8] كارول هيلنبراند، صلاح الدين تطور أسطورة غربية، ضمن كتاب800 عام حطين، ص104، 107.

[9] المرجع السابق نفسه، ص106، محمد مؤنس عوض، صلاح الدين الأيوبي بين التاريخ والأسطورة، ط دار عين، القاهرة،  2008م، ص311.

[10] Grousset Rene, Histoire des Croisades et du royaumefrenc de Jerusalem, Paris, Plon, 1934-1936, P. 811,812,819

[11] ديفيد جاكسون، صلاح الدين: معركة حطين والاستيلاء على القدس(وجهة نظر)، ضمن كتاب 800 عام حطين، ص93.

[12] ابن شداد، مصدر سابق، ص202،  203.

[13] قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبية، عالم المعرفة، عدد 149، الكويت، 1990م، ص146.

 

 


أعلى