البيان/الأناضول: أثار رفع الجزائر تحفظها على الفقرة الرابعة من المادة 15 لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) جدلا سياسيا وقانونيا في البلاد.ولقيت الخطوة اعتراضا خاصة من التيارين الإسلامي والمحافظ، مما دفع السلطات إلى تقديم دوافع "تقنية" و"حقوقية" لتبريرها.
وجاء رفع التحفظ في شكل مرسوم رئاسي وقعّه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 4 أغسطس الجاري.واتفاقية "سيداو" اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979.
وتنص الفقرة المعنية على أن "تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار سكناهم وإقامتهم".
هذا الجدل بدأ على مواقع التواصل الاجتماعي، وسرعان ما امتد إلى الأوساط السياسية.وأعلنت حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي)، عبر بيان، "اعتراضات قانونية وموضوعية" على رفع التحفظ عن الفقرة المعنية.
وألمحت إلى أن هذه الخطوة "غير منسجمة مع قواعد التشريع الطبيعية".وقالت إن "رفع التحفظ يجب أن يحظى بموافقة البرلمان على الأمر الرئاسي".ومن الناحية "الموضوعية"، لفتت الحركة إلى أن الجزائر تحفظت على بعض مواد الاتفاقية عام 1996.
وزادت بأن "البلاد مارست السيادة الكاملة في مواجهة عولمة القوانين الغربية".الحركة حذرت من خطورة "الاستدراج المتواصل في التعامل مع المعاهدات الدولية غير المنسجمة مع الخصوصية الدينية أو الاجتماعية وتدفع للخضوع للضغوطات الدولية".
وحذرت من تداعيات اجتماعية لرفع التحفظ "من الناحية الواقعية والعملية والاجتماعية كونه قد يُستغل في تفكيك أوسع للأسرة".كما حذرت من أن "يسهم في الاستناد إلى هذه الجوانب من المعاهدات والمطالبة بالحق في اختيار السكن المستقل، سواء كانت هذه المرأة زوجة أو بنتا من زوجها أو وليها".
بدوره عبَّر الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم، الأمين العام الحالي لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة عبد الرزاق مقري، عن رفضه لرفع الجزائر لتحفظها.واعتبر مقري، في مقال نشره موقعه الرسمي، أن اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة "من أخطر الاتفاقيات الهادفة إلى تفكيك الأسرة وبناء مجتمعات تتبع مرجعية واحدة هي المرجعية العلمانية الرأسمالية الاستعمارية".وأبدى تخوفه من أن رفع التحفظ سيُتبع "بسن تشريعات تحمي الحالات الشاذة من تمرد المرأة على الرجل وتوسيع حالات النشوز".
ومن الرافضين أيضا لقرار رفع التحفظ حزب حركة النهضة (إسلامي)، الذي اعتبره "خطوة خطيرة على مستقبل الأسرة الجزائرية والأمن الهوياتي الوطني".ودعت الحركة، في بيان، السلطات العليا للبلاد إلى مراجعة هذا القرار لما له من "تداعيات سلبية"، على حد تقديرها.
في المقابل دافع حزب التجمع الوطني الديمقراطي (التيار الوطني)، الداعم للرئيس تبون، عن قرار رفع التحفظ عن الفقرة المعنية، واصفا إياه بـ"السيادي والدستوري".وقال الحزب في بيان إن "الجزائر دولة ذات سيادة ورئيس الجمهورية يمارس صلاحياته كاملة في مجال السياسة الخارجية وفق ما ينص عليه الدستور".وردا على حركة مجتمع السلم، تحدث الحزب عن عدم إلزامية موافقة البرلمان على القرار، "فلرئيس الجمهورية الحق في التشريع بأوامر رئاسية طبقا للدستور".
ورأى أن الفقرة محل الجدل لا تتعارض مع نص المادة 34 من الدستور، الذي ينص على أن: "المواطنون متساوون أمام القانون دون أي تمييز".الحزب اعتبر أن التخوف من "تفكك الأسرة" غير مبرر، "لأن الأسرة الجزائرية قائمة على قانون الأسرة والأعراف الراسخة والقرار لا يلغي ذلك، بل يضعه في توازن مع الالتزامات الدولية".وأضاف أن رفع التحفظ "خطوة سيادية دستورية منسجمة مع الفهم السليم لمقاصد الإسلام وتعزز مكانة الجزائر الدولية وتكرس حقوق مواطنيها دون تمييز".
وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية تفاعلت مع الجدل المثار بشأن رفع التحفظ على الفقرة المعنية.ونقلت عن مصادر لم تسمها قولها إن "الأمر يتعلق بمجرد إجراء تقني أملاه زوال السبب الذي أدى إلى تحفظ بلادنا على نص المادة 15 الفقرة 4 بمناسبة مصادقتها على الاتفاقية سنة 1996".الوكالة أشارت إلى تحفظ الجزائر آنذاك على خمسة أحكام لتعارضها مع القوانين الوطنية، لا سيما قانون الأسرة وقانون الجنسية.
وذكرت أن الجزائر رفعت عددا من هذه التحفظات على غرار ما تم سنة 2005 عندما رفعت تحفظها عن أحكام الاتفاقية التي تقر حق الأم في نقل جنسيتها إلى أبنائها، وهو الإجراء الذي تم اتخاذه عقب تعديل قانون الجنسية.وتطرقت الوكالة إلى الفقرة الرابعة من المادة 15 التي تنص على المساواة بين الرجل والمرأة في حق اختيار مقر الإقامة والسكن.
وقالت إن تحفظ الجزائر عليها عام 1996 تم استنادا إلى أحكام المادة 37 من قانون الأسرة آنذاك، غير أن هذه المادة قد تم إلغاؤها سنة 2005".وأردفت: "وبالتالي، فإن التحفظ الجزائري قد فقد سبب وجوده، ولم يعد يستند إلى أي أساس قانوني في التشريع الوطني".
ونقلت عن المصادر قولها إن رفع هذا التحفظ لن يؤدي إلى أي تعديلات على القوانين الوطنية.كما أثارت الوكالة نقطة وصفتها بـ "الهامة"، وتمس الجانب الحقوقي وصورة البلاد لدى المنظمات الحقوقية.وقالت إن "إبقاء التحفظ على الفقرة الرابعة كان يستغل من الجهات المعادية للجزائر للترويج لدى المنظمات الحقوقية بأن بلادنا تكرس تمييزا بين الرجل والمرأة بخصوص الحق في التنقل والسكن".وزادت بأن هذا كان يحدث "بالرغم من أن القانون الجزائري لا ينص أساسا على أي تدابير تقييدية على المرأة في هذا الشأن".