البيان/متابعات: استبعد الباحث الصهيوني جوناثان هيسن انضمام مصر فعلياً إلى «اتفاق مكة» للدفاع المشترك، معتبراً أن الدعم الذي تعهدت القاهرة بتقديمه للسعودية قد يظل في الإطار الرمزي، في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية التي تواجهها مصر، وحساباتها المرتبطة بعلاقاتها الدولية والتزاماتها القائمة.
ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن هيسن، الباحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، قوله إن مصر منشغلة بمجموعة من الملفات الداخلية والإقليمية التي تحدّ من قدرتها على تخصيص موارد عسكرية كبيرة لدعم الرياض.
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن، خلال مقابلة مع وكالة «بلومبرغ» على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي، أن القاهرة تدرس الانضمام إلى الاتفاق، مؤكداً استعدادها لتقديم الدعم الذي تطلبه السعودية، ومشدداً على أن بلاده مستعدة لتقديم مختلف أشكال المساندة دون تحفظ.
ورأى هيسن أن التعهدات المصرية لا تعني بالضرورة الاستعداد للمشاركة العسكرية المباشرة، مشيراً إلى أن القاهرة تواجه تحديات متزامنة تجعل إرسال قوات أو تخصيص موارد كبيرة لعمليات خارج حدودها أمراً صعباً.
وفي هذا السياق، استشهد باجتماع ثلاثي عُقد في القاهرة بمشاركة وزراء دفاع مصر واليونان وقبرص، في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه القاهرة دراسة الانضمام إلى اتفاق مكة، معتبراً أن الاجتماع لا ينسجم بالضرورة مع التصور التركي بشأن تقارب مصري سعودي قد يفضي سريعاً إلى انضمام مصر إلى الاتفاق.
وأشار الباحث الصهيوني إلى أن الدول المعنية بالاتفاق تنطلق من أولويات أمنية مختلفة؛ فالسعودية تركز على مواجهة تهديدات الحوثيين، بينما تضع باكستان في حساباتها التحديات المرتبطة بالهند وإيران، في حين تركز تركيا على ما تعتبره تهديدات إسرائيلية.
وبحسب هيسن، فإن اختلاف الأولويات يحدّ من فرص تحول الاتفاق إلى تحالف عسكري متكامل، رغم إمكان استخدامه أداةً للتنسيق والردع الإقليميين.وتبرز معاهدة السلام المصرية الصهيونية الموقعة عام 1979 ضمن الملفات التي قد تثير تساؤلات بشأن انضمام مصر إلى اتفاق دفاع مشترك، ولا سيما إذا تضمن التزامات عسكرية قد تتعارض مع الترتيبات القائمة.
وأشارت «جيروزاليم بوست» إلى أن المعاهدة تتضمن أحكاماً تنظم التزامات الطرفين، بما فيها المادة السادسة المتعلقة بالتزامات مصر والدولة العبرية الدولية. وقد تثير هذه الأحكام مسائل قانونية وسياسية إذا نشأت تعارضات بين الاتفاقات الجديدة والالتزامات السابقة، وهو ما يتوقف على نصوص الاتفاقات وطبيعة الالتزامات الفعلية.
وفي المقابل، ينص اتفاق مكة، وفق ما أوردته الصحيفة، على اعتبار أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء هجوماً على بقية الأعضاء، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعقيدات سياسية وعسكرية، في ضوء تباين علاقات الدول المشاركة بالدولة العبرية.
وفي هذا الإطار، أشار أوفير وينتر، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني، إلى أن صيغة الدفاع المشترك قد تثير تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع أي مواجهة تتداخل فيها التزامات الدول الأعضاء ومصالحها الخارجية.
وربط هيسن الاتفاق بمساعي بعض دول المنطقة إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية، إلى جانب تطوير قاعدة صناعية عسكرية قادرة على تلبية احتياجاتها الدفاعية وتقليص الاعتماد على الإمدادات الغربية.
لكنه استبعد نشوء تحالف واسع بين تركيا والسعودية، معتبراً أن التقارب الحالي أقرب إلى تنسيق يستهدف الردع وتبادل المصالح منه إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد يتضمن نشر قوات عسكرية كبيرة بصورة دائمة.
وفي تفسيره للموقف المصري، عدّد هيسن مجموعة من التحديات التي تواجه القاهرة، بينها التوترات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، والخلافات مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، وما يثيره الملف من مخاوف مصرية تتعلق بأمن المياه، فضلاً عن تداعيات الحرب في السودان والاضطرابات الممتدة على الحدود المصرية.
واعتبر أن تراكم هذه الملفات يجعل من الصعب على مصر تخصيص موارد إضافية لعمليات عسكرية خارجية، مستبعداً تكرار تجربة التدخل المصري في اليمن خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما شاركت القاهرة عسكرياً في الصراع اليمني.
وتعكس هذه القراءة، بحسب الباحث، اختلاف الظروف الإقليمية الراهنة عن تلك المرحلة، في ظل تعدد التهديدات المحيطة بمصر وارتفاع كلفة الانخراط العسكري خارج الحدود.
ورغم استبعاده مشاركة مصر عسكرياً على نطاق واسع، أقر هيسن بأن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان مصلحة استراتيجية مباشرة للقاهرة، نظراً إلى ارتباطهما بحركة الملاحة في قناة السويس، أحد المصادر المهمة للإيرادات المصرية.
وأشار إلى أن هجمات الحوثيين على السفن منذ عام 2023 أدت إلى اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر وتراجع العبور عبر قناة السويس، ما ألحق أضراراً اقتصادية بمصر. ونقل عن تقديرات أشار إليها في حديثه خسائر صافية تقارب 20 مليار دولار مرتبطة باضطرابات الملاحة، دون أن يوضح في التقرير أساس احتساب هذه القيمة أو الفترة الزمنية التي تغطيها.
ومع ذلك، لفت إلى أن القاهرة لم ترسل، وفق ما ذكره، وحدات بحرية للمشاركة في هذا المسار حتى وقت نشر التقرير، معتبراً أن الفارق بين التعهدات السياسية والخطوات العسكرية العملية يعكس حدود الدور المصري المحتمل.