• - الموافق2026/10/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
كيف حولت واشنطن حرب إيران لأزمة عالمية؟!

لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة تفاوضية في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى أحد المفاتيح الرئيسية التي ستحدد مدة الحرب وكلفة نهايتها. فإعلان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن المضيق لن يُفتح قبل استيفاء سبعة شروط وضعتها طهران

البيان/متابعات: لم يعد مضيق هرمز مجرد ورقة تفاوضية في الحرب بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى أحد المفاتيح الرئيسية التي ستحدد مدة الحرب وكلفة نهايتها. فإعلان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن المضيق لن يُفتح قبل استيفاء سبعة شروط وضعتها طهران، بالتزامن مع تأكيد وزير الخارجية عباس عراقجي أن بلاده مستعدة للحل الدبلوماسي والدفاع عن نفسها في الوقت نفسه، يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين، رغم بقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.

وتزداد دلالة الموقف الإيراني بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترحًا قدمته طهران لإعادة فتح المضيق واستئناف محادثات السلام خلال سبعة أيام. وكان عراقجي قد قال إن المقترح نُقل إلى واشنطن عبر وسطاء، في حين تمسكت طهران بأن إعادة فتح الممر الملاحي مرتبطة بتنفيذ شروطها. وبذلك أصبحت المشكلة لا تتعلق فقط بوقف القتال، وإنما بمن يبدأ بتقديم التنازل، وما الذي يحصل عليه في المقابل.

ويكشف تصريح قاليباف بأن إيران «تقاتل وتتفاوض في الوقت نفسه» عن طبيعة الاستراتيجية التي تنتهجها طهران في المرحلة الحالية؛ فالمفاوضات بالنسبة إليها ليست بديلًا عن الضغط العسكري، وإنما إحدى أدواته. وفي المقابل، يبدو أن واشنطن لا تريد أن تتحول إعادة فتح هرمز إلى نهاية للحرب من دون الحصول على اتفاق أوسع، وهو ما يجعل المضيق نقطة تقاطع بين الأمن العسكري والاقتصاد والسياسة.

لكن أهمية هرمز تتجاوز الحسابات الإيرانية والأمريكية. فالمضيق يمر عبره في الظروف الطبيعية نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، فيما يمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن المضيق يمثل منفذًا لنحو 20 إلى 21 مليون برميل من النفط يوميًا، إضافة إلى نحو ربع تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية وثلث تجارة الأسمدة والهيليوم عالميًا.

ولهذا فإن استمرار الحرب لا يعني فقط ارتفاع فاتورة المواجهة بالنسبة إلى إيران والولايات المتحدة، وإنما يعني انتقال آثارها تدريجيًا إلى الاقتصاد العالمي. وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن اضطراب هرمز بدأ يضغط على التجارة والأسعار والتمويل، بعدما انخفضت حركة السفن عبر المضيق بنحو 95% في إحدى مراحل الأزمة، وارتفعت أسعار النفط والغاز وأجور ناقلات النفط وتكاليف الوقود البحري والتأمين ضد مخاطر الحرب.

وتظهر خطورة الصدمة بوضوح في سوق الطاقة، فإغلاق المضيق أو تقييد حركة السفن يضغط مباشرة على إمدادات النفط والغاز الآتية من الخليج، ويجبر المستوردين على البحث عن مسارات وبدائل أكثر تكلفة. وقد أدى اضطراب هرمز بالفعل إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز في آسيا وأوروبا، فيما قالت وكالة الطاقة الدولية إن الأزمة عطلت قرابة 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية ودفعت الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال موجة الاضطراب السابقة.

أما النفط، فقد أصبح أكثر حساسية للتطورات السياسية. ففي أعقاب رفض ترامب المقترح الإيراني أواخر سبتمبر/أيلول، تجاوز سعر خام برنت 108 دولارات للبرميل قبل أن يستقر عند نحو 105 دولارات، بالتزامن مع اضطرابات في أسواق السندات الأمريكية وارتفاع عوائد سندات الخزانة. وذكرت «فايننشال تايمز» أن الأسواق بدأت تسعّر احتمال استمرار صدمة الطاقة وارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، بما قد يمتد تأثيره إلى عام 2027.

وتمثل آسيا الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لأن جزءًا كبيرًا من الطاقة التي تمر عبر هرمز يتجه أصلًا إلى الأسواق الآسيوية. ففي عام 2024 ذهب نحو 83% من الغاز الطبيعي المسال الذي عبر المضيق من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية، وكانت الصين والهند وكوريا الجنوبية أكبر المستوردين. وهذا يعني أن استمرار الأزمة لا يضع الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما أمام فاتورة الطاقة، وإنما يضغط على مراكز التصنيع الآسيوية التي تعتمد على واردات النفط والغاز.

ومن جهة أخرى، بدأت الحرب تفرض إعادة حسابات على قطاع النقل البحري نفسه. فارتفاع مخاطر العبور يرفع تكلفة التأمين ويزيد أجور الشحن، بينما يؤدي تحويل السفن إلى طرق أطول إلى زيادة استهلاك الوقود ومدة الرحلات. وهذه الزيادة لا تبقى في البحر، بل تنتقل إلى أسعار الغذاء والسلع الصناعية والمواد الخام، ما يجعل آثار الحرب أوسع من سوق الطاقة وحده. وقد رصدت «أونكتاد» بالفعل ارتفاع تكاليف الناقلات والوقود البحري والتأمين على مخاطر الحرب بالتزامن مع اضطراب حركة الملاحة.

أما بالنسبة إلى إيران، فإن استمرار إغلاق هرمز يمثل سلاحًا ذا حدين. فهو يمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، لكنه في الوقت نفسه يحرم الاقتصاد الإيراني من عوائد مستقرة ويزيد عزلة البلاد عن التجارة العالمية. ولذلك فإن طهران تحاول تحويل المضيق من عبء عسكري إلى ورقة تفاوضية، عبر ربط إعادة فتحه بالحصول على تنازلات أمريكية.

وهنا تبرز أهمية تصريحات عراقجي، الذي أكد أن بلاده جادة في إيجاد حل دبلوماسي، لكنه في الوقت ذاته حذر من أن إيران مستعدة لمواجهة عسكرية جديدة إذا اختارت واشنطن هذا المسار. وفي المقابل، فإن رفض ترامب للمقترح الإيراني يعني أن واشنطن لم تعتبر إعادة فتح المضيق وحدها كافية لإنهاء الحرب، وهو ما يبقي نقطة الخلاف الأساسية قائمة.

 

أعلى