البيان/وكالات: تشهد عدة ولايات تونسية تصاعدًا في التحركات الاحتجاجية على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وسط مطالب متزايدة بتحسين الخدمات العامة، وتوفير فرص العمل، وتحقيق التنمية، ولا سيما في المناطق التي تعاني منذ سنوات من التهميش وارتفاع معدلات البطالة.
ويتصدر أصحاب الشهادات العليا العاطلون عن العمل جانبًا من هذه التحركات، مطالبين بتفعيل القانون رقم 18 المتعلق بانتداب حاملي الشهادات العليا ممن طالت فترة بطالتهم في المؤسسات الحكومية. ويعكس هذا الحراك استمرار أزمة التشغيل في تونس، حيث تحولت البطالة، ولا سيما بين خريجي الجامعات، إلى أحد أبرز مصادر الاحتقان الاجتماعي.
ولم تقتصر التحركات على العاطلين عن العمل، إذ أبدت قوى نقابية وسياسية ومكونات من المجتمع المدني دعمها لمطالب المحتجين، داعية السلطة إلى اعتماد الحوار في معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، والابتعاد عن المقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات.
ودعا حزب التيار الشعبي إلى فتح قنوات حوار جدية مع مختلف الأطراف، محذرًا من أن تجاهل المطالب الاجتماعية يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الاحتقان. وفي السياق ذاته، رأى الحزب الجمهوري أن تصاعد الاحتجاجات يعكس تداخلًا واضحًا بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعدما تجاوزت المطالب حدود الحريات السياسية لتشمل الحق في العمل والخدمات والعيش الكريم.
كما دخل الاتحاد العام التونسي للشغل على خط الأزمة، رافعًا سقف انتقاداته للسلطة، ومعلنًا رفضه لما يعتبره محاكمات سياسية وتوظيفًا للقضاء في الصراع السياسي. ويكتسب موقف الاتحاد أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه التاريخي كلاعب اجتماعي وسياسي مؤثر، الأمر الذي يجعل مواقفه من الاحتجاجات عنصرًا مهمًا في تحديد اتجاهات المشهد خلال المرحلة المقبلة.
في المقابل، يتمسك الرئيس التونسي قيس سعيّد بخطاب يربط جانبًا من الأزمات التي تواجه البلاد بما يصفه بمؤامرات داخلية وخارجية تستهدف الدولة واستقرارها. كما سبق للرئيس أن اتهم أطرافًا سياسية بالسعي إلى افتعال الأزمات وإحباط التونسيين، في إطار تفسيره للصعوبات التي تواجهها البلاد.
ويكشف هذا التباين عن فجوة متزايدة بين تفسير السلطة للأزمة وتفسير خصومها والقوى الاجتماعية لها. فبينما تضع الرئاسة جانبًا من المسؤولية على ما تعتبره إرثًا متراكمًا من العقود السابقة ومحاولات تستهدف الدولة، ترى قوى معارضة ونقابية أن استمرار الأزمات الاقتصادية والخدمية يتطلب سياسات جديدة وحوارًا سياسيًا واجتماعيًا أوسع.
وتزيد الصعوبات المرتبطة بالخدمات الأساسية من حساسية المشهد، مع تسجيل اضطرابات في إمدادات المياه والكهرباء في عدد من المناطق، الأمر الذي يجعل الاحتجاجات قابلة للامتداد من فئات محددة، مثل العاطلين عن العمل، إلى قطاعات اجتماعية أوسع تتأثر مباشرة بمستوى الخدمات والقدرة الشرائية وفرص العمل.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الاحتجاجات لا تبدو محصورة في مطلب واحد؛ فهي تجمع بين مطالب التشغيل والتنمية وتحسين الخدمات، وبين اعتراضات سياسية على طريقة إدارة الدولة للمرحلة منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021. وهو ما يجعل احتواء الاحتقان مرتبطًا ليس فقط بالاستجابة للمطالب الاقتصادية، وإنما أيضًا بمدى قدرة السلطة والقوى السياسية والنقابية على إيجاد مساحة للحوار.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يمكن أن يؤدي، بحكم موقعه الاجتماعي وقدرته على التواصل مع قطاعات واسعة من المجتمع، دورًا في الوساطة وفتح قنوات اتصال بين السلطة والقوى الاجتماعية. غير أن طبيعة العلاقة المتوترة بين الاتحاد والرئاسة تجعل هذا الدور مرتبطًا بمستوى استعداد الطرفين للعودة إلى الحوار.