• - الموافق2026/07/30م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
القدس في قبضة التشريع الصهيوني.. قراءة في إرث

في الذكرى السادسة والأربعين لإقرار ما يعرف بـ"القانون الأساسي: القدس عاصمة إسرائيل"، تتجدد أهمية هذا التشريع بوصفه أحد أخطر المحطات في مسار تكريس الاحتلال للقدس الشرقية وإضفاء غطاء دستوري على ضمها.


البيان/القدس: في الذكرى السادسة والأربعين لإقرار ما يعرف بـ"القانون الأساسي: القدس عاصمة إسرائيل"، تتجدد أهمية هذا التشريع بوصفه أحد أخطر المحطات في مسار تكريس الاحتلال للقدس الشرقية وإضفاء غطاء دستوري على ضمها. فمنذ أن أقر الكنيست القانون في 30 يوليو/تموز 1980، لم يعد الحديث يدور حول إجراءات عسكرية أو إدارية فرضتها الدولة العبرية بعد احتلال المدينة عام 1967، بل انتقل إلى مستوى التشريع الدستوري الذي سعت من خلاله إلى تحويل واقع الاحتلال إلى أمر قانوني دائم داخل منظومتها السياسية. وقد شكل هذا التحول محاولة لإخراج القدس من دائرة التفاوض، وإظهارها باعتبارها قضية محسومة داخلياً، رغم أن المجتمع الدولي ظل يرفض الاعتراف بهذه الخطوة ويعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة لا يغير وضعها أي تشريع محلي.

لم يكن القانون نقطة البداية في مشروع ضم القدس، بل جاء تتويجاً لمسار بدأ مباشرة بعد حرب يونيو/حزيران 1967، عندما وسعت الدولة العبرية حدود بلدية القدس لتضم عشرات الكيلومترات المربعة من أراضي الضفة الغربية، وأخضعت سكانها الفلسطينيين للقانون الصهيوني بصفتهم "مقيمين دائمين" وليسوا مواطنين، بما يتيح سحب إقاماتهم متى رأت السلطات ذلك مناسباً. غير أن قانون عام 1980 نقل هذه الإجراءات من مرحلة الإدارة العسكرية إلى مرحلة "الدسترة"، وهو ما منح الحكومات الصهيونية المتعاقبة أساساً قانونياً للاستمرار في سياسات الاستيطان، وتغيير الواقع الديموغرافي، وتوسيع السيطرة على المدينة تحت مظلة القوانين الأساسية التي تمثل المرجعية الدستورية في إسرائيل.

وجاء توقيت إقرار القانون في مرحلة سياسية حساسة أعقبت اتفاقيات كامب ديفيد، عندما بدأت تطرح تساؤلات حول مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس. وفي هذا السياق، أرادت حكومة مناحيم بيغن توجيه رسالة واضحة مفادها أن المدينة ليست موضع تفاوض، وأنها أصبحت جزءاً من الكيان الصهيوني وفق تعريف دستوري لا يمكن التراجع عنه بسهولة. ومنذ ذلك الحين، لم يعد أي نقاش سياسي داخل الدولة العبرية بشأن القدس منفصلاً عن هذا القانون، الذي تحول إلى مرجعية تستخدمها الحكومات والمحاكم والمؤسسات الرسمية في مختلف الملفات المتعلقة بالمدينة.

ومع مرور السنوات، ازدادت أهمية القانون بدلاً من أن تتراجع، إذ عملت الحكومات الصهيونية على تحصينه بسلسلة من التشريعات اللاحقة. ففي عام 2000 أضيفت تعديلات تمنع نقل أي صلاحيات سيادية في القدس إلا بشروط مشددة، ثم جاء تعديل عام 2018 ليرفع عدد الأصوات المطلوبة في الكنيست لإجراء أي تغيير في وضع المدينة إلى ثمانين نائباً، وهو ما جعل التراجع عن سياسة الضم أكثر صعوبة. وفي العام نفسه، أعاد "قانون القومية" التأكيد على أن القدس الموحدة هي عاصمة الدولة العبرية، بما عزز مكانة هذا التوجه داخل البنية التشريعية الصهيونية.

ولم تقتصر آثار القانون على الجانب السياسي، بل انعكست بصورة مباشرة على حياة الفلسطينيين في القدس ، إذ وفر الأساس القانوني لتوسيع المستوطنات، وسحب الهويات، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وإعادة رسم الحدود البلدية بما يخدم المشروع الاستيطاني. كما استُخدمت نصوصه لتبرير تخصيص ميزانيات إضافية لتعزيز الوجود اليهودي في المدينة، في مقابل تضييق الخناق على الأحياء الفلسطينية، وهو ما جعل القانون أداة عملية لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي، وليس مجرد إعلان سياسي أو دستوري.

في المقابل، بقي الموقف الدولي ثابتاً في رفض الاعتراف بهذه الإجراءات. فقد اعتبر مجلس الأمن، عبر القرارين 476 و478، أن جميع التدابير الصهيونية الرامية إلى تغيير وضع القدس باطلة ولاغية، ودعا الدول إلى سحب سفاراتها من المدينة، وهو ما استجابت له غالبية الدول آنذاك. كما واصلت الأمم المتحدة التأكيد على أن شرق القدس جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن الاحتلال لا يكتسب السيادة من خلال تشريعاته الداخلية. وجاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 ليعيد التأكيد على أن الإجراءات الصهيونية لا تغير من الوضع القانوني للمدينة ولا تمنحها شرعية دولية.

وتكشف تجربة "قانون القدس" عن مفارقة أساسية في الصراع؛ فبينما نجحت الدولة العبرية في بناء منظومة قانونية داخلية تعتبر المدينة جزءاً لا يتجزأ من كيانها، فإنها لم تتمكن من تحويل هذه الشرعية الداخلية إلى اعتراف دولي. ولذلك ظل القانون يمثل تعبيراً عن الإرادة السياسية الصهيونية أكثر من كونه وثيقة تحظى بشرعية خارجية، إذ بقيت القدس الشرقية، وفق القانون الدولي، أرضاً محتلة تخضع لأحكام اتفاقيات الاحتلال، بينما استمرت المدينة في صدارة ملفات الحل النهائي في أي حديث عن تسوية سياسية.

وبعد ستة وأربعين عاماً على إقرار هذا التشريع، يبدو واضحاً أن القانون يتم استخدامه من قبل الدولة العبرية لتبرير سياساتها وفرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض، ومن جهة أخرى، يواصل المجتمع الدولي رفض الاعتراف بأي آثار قانونية تترتب عليه، في تأكيد متجدد على أن تغيير وضع القدس لا يمكن أن يتم بإجراءات أحادية، وأن التشريعات المحلية لا تلغي قواعد القانون الدولي ولا تنهي الصراع على واحدة من أهم القضايا في الصراع الفلسطيني الصهيوني.

 

أعلى