البيان/غزة: حلّ عيد الأضحى المبارك على قطاع غزة هذا العام وسط مشاهد غير مسبوقة من الدمار والمعاناة الإنسانية، في ظل استمرار خروقات الاحتلال الصهيوني لاتفاق وقف إطلاق النار، وتواصل القصف والاستهداف في مناطق متفرقة من القطاع، ما حوّل أجواء العيد إلى حالة من الحزن الجماعي والنزوح والخوف.
وفي حي الرمال بمدينة غزة، تحولت تحضيرات العيد إلى مأساة دامية بعدما استهدفت غارات صهيونية بناية سكنية وسط منطقة مكتظة بالسكان والأسواق التجارية، ما أسفر عن استشهاد 6 فلسطينيين بينهم نساء وأطفال، وفق مصادر ميدانية، إضافة إلى إصابة عدد آخر بجروح متفاوتة.
وتناثرت أشلاء الضحايا في محيط المكان وعلى أسطح المباني المجاورة، بينما غطى غبار الدمار البضائع والمحلات التي كانت تستعد لاستقبال العيد، في مشهد اختلطت فيه أصوات التكبيرات بصيحات الاستغاثة وصرخات ذوي الضحايا.
ومع ساعات الفجر الأولى، أدى آلاف الفلسطينيين صلاة العيد فوق ركام المساجد المدمرة وفي الساحات المفتوحة ومراكز الإيواء، في ظل تدمير مئات المساجد وتضرر البنية التحتية الدينية جراء الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.
وفي مستشفى الشفاء، انشغلت العائلات بتوديع أبنائها الذين قضوا في الغارات الأخيرة، بينما غابت مظاهر الاحتفال التقليدية لتحل محلها مراسم التشييع وتجهيز الأكفان، في مشهد بات يتكرر مع كل مناسبة دينية أو اجتماعية داخل القطاع.
وأفادت مصادر طبية فلسطينية بأن الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت ارتقاء عدد من الشهداء وسقوط أعداد كبيرة من الجرحى جراء الغارات والقصف المتواصل على مناطق متفرقة من القطاع، في وقت تعاني فيه المستشفيات من انهيار شبه كامل في قدراتها الطبية ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات العلاجية.
واختفت الأضاحي بشكل شبه كامل من أسواق غزة للعام الثالث على التوالي، نتيجة القيود المشددة على المعابر ومنع إدخال المواشي، الأمر الذي حرم غالبية السكان من أداء شعيرة الأضحية، في ظل أزمة معيشية خانقة ونقص حاد في الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وبحسب تجار ومصادر محلية، فقد تجاوز سعر الأضحية الواحدة هذا العام حاجز 4000 دولار أمريكي، نتيجة الندرة الحادة وارتفاع تكاليف النقل وانعدام المعروض في الأسواق، ما جعل شراء الأضاحي أمراً مستحيلاً بالنسبة لغالبية العائلات التي تعيش أوضاعاً اقتصادية مأساوية وتعتمد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
وتحاول مؤسسات إغاثية وجمعيات خيرية التخفيف من حجم الأزمة عبر توزيع كميات محدودة من اللحوم أو تنفيذ أعداد محدودة من الأضاحي، غير أن تلك الجهود تبقى عاجزة عن تلبية احتياجات أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون ظروفاً إنسانية كارثية داخل القطاع.
أما أطفال غزة، فقد استقبلوا العيد بملامح أنهكها الخوف والجوع، فيما اقتصرت أحلام كثير منهم على الحصول على وجبة طعام أو النجاة من القصف، بعدما فقدوا منازلهم وألعابهم وحتى شعورهم بالأمان، في ظل التحليق المستمر للطائرات الصهيونية.
وفي خيام النزوح ومراكز الإيواء، يحاول الأهالي انتزاع لحظات فرح مؤقتة لأطفالهم رغم قسوة الظروف، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية مع استمرار نقص المياه الصالحة للشرب والدواء والكهرباء.
وبحسب إحصائيات رسمية، فقد أسفرت الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023 عن أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية والمرافق الحيوية في القطاع.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، تؤكد مصادر محلية استمرار الخروقات الصهيونية بشكل شبه يومي عبر القصف المدفعي والجوي وإطلاق النار، ما يعرقل جهود الاستقرار وإعادة الإعمار وعودة السكان إلى مناطقهم.
وفي هذا السياق، أعلنت حكومة غزة تسجيل أكثر من 3000 خرق صهيوني للاتفاق منذ بدء سريانه، أسفرت عن استشهاد 910 فلسطينيين وإصابة المئات، في وقت تتواصل فيه القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية عبر المعابر.
كما لا تزال حركة سفر المرضى والجرحى محدودة للغاية، مع استمرار تعثر عمليات الإجلاء الطبي، الأمر الذي يفاقم الأزمة الصحية داخل المستشفيات المنهكة ويهدد حياة آلاف المصابين الذين يحتاجون إلى علاج عاجل خارج القطاع.
ويبقى عيد الأضحى في غزة هذا العام شاهداً على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة، حيث تختلط تكبيرات العيد بأصوات القصف، فيما يواصل الفلسطينيون التمسك بالحياة رغم الحرب والحصار والدمار المتواصل.