• - الموافق2026/08/22م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
كيف تحولت العقوبات التركية إلى استراتيجية عزل للدولة العبرية؟

أعلنت تركيا انتقال مواجهتها مع الدولة العبرية إلى مستوى جديد، بعدما بدأت إجراءات طلب إصدار «نشرة حمراء» من الإنتربول بحق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو،

البيان/متابعات: أعلنت تركيا انتقال مواجهتها مع الدولة العبرية إلى مستوى جديد، بعدما بدأت إجراءات طلب إصدار «نشرة حمراء» من الإنتربول بحق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، على خلفية قضية اعتراض «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة. وقال وزير العدل التركي أكن غورليك إن مذكرات توقيف صدرت في ١٤ يوليو/تموز بحق نتانياهو وأفيك موسكوفيتش، وإن وزارة العدل طلبت من وزارة الداخلية اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصدار نشرات حمراء بهدف توقيفهما على المستوى الدولي. وتستند القضية التركية إلى اتهامات تشمل الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والحرمان المشدد من الحرية، في إطار التحقيق المتعلق باعتراض الأسطول في المياه الدولية واحتجاز ناشطين كانوا على متنه.

ولا تعني الخطوة التركية أن نتانياهو أصبح مطلوباً من الإنتربول بالفعل؛ فهي تعكس طلباً تركياً سيخضع لإجراءات المنظمة الدولية ومراجعتها، كما أن «النشرة الحمراء» ليست حكماً قضائياً دولياً ملزماً باعتقال الشخص في كل دولة. لكن أهميتها السياسية تتجاوز فرص تنفيذ الاعتقال، لأنها تضع رئيس الحكومة الصهيونية في مواجهة مسار قضائي جديد خارج الأراضي الفلسطينية، وتضيف تركيا إلى قائمة الدول التي تستخدم أدوات قانونية لملاحقة المسؤولين الصهاينة.

هذه الخطوة لم تأت منفصلة عن سلسلة إجراءات بدأت تتراكم منذ اندلاع الحرب على غزة. فقد انتقلت أنقرة خلال عام ٢٠٢٤ من الإدانة السياسية إلى العقوبات الاقتصادية المباشرة، عندما فرضت في أبريل/نيسان قيوداً على صادرات واسعة إلى الدولة العبرية، شملت قطاعات ومنتجات أساسية، وربطت رفعها بوقف إطلاق النار والسماح بتدفق المساعدات إلى غزة. ثم ذهبت في مايو/أيار إلى خطوة أكثر شمولاً بإعلان وقف جميع عمليات التصدير والاستيراد مع الدولة العبرية، بعدما بلغ حجم التجارة الثنائية نحو ٦٫٨ مليارات دولار في عام ٢٠٢٣.

وكان القرار التجاري التركي مهماً ليس فقط بسبب قيمته المالية، وإنما لأنه مثّل انتقال العلاقة بين البلدين من التعاون الاقتصادي إلى استخدام التجارة كأداة ضغط سياسي. فتركيا كانت قبل الحرب شريكاً تجارياً مهماً للدولة العبرية، ولذلك فإن قطع التجارة مثّل تغييراً جذرياً في علاقة اقتصادية استمرت لسنوات. ومع ذلك، فإن أثر العقوبة على الاقتصاد الصهيوني كان محدوداً نسبياً، إذ استطاعت الدولة العبرية البحث عن بدائل لمصادر الواردات التركية، وهو ما يعني أن أنقرة لم تكن قادرة وحدها على إحداث صدمة اقتصادية كبيرة داخل الدولة العبرية.

لكن تركيا لم تتوقف عند التجارة. ففي ٢٠٢٥ بدأت السلطات التركية تشديد القيود على السفن المرتبطة بالدولة العبرية، وطلبت سلطات الموانئ من وكلاء الشحن تقديم إقرارات تفيد بأن السفن ليست مرتبطة بالدولة العبرية ولا تحمل شحنات عسكرية أو مواد خطرة متجهة إليها. وفي أغسطس/آب من العام نفسه، أعلن وزير الخارجية هاكان فيدان أن تركيا أغلقت موانئها أمام السفن الصهيونية، ومنعت السفن التركية من التوجه إلى الموانئ الصهيونية، كما منعت سفن الحاويات التي تحمل أسلحة وذخائر إلى الدولة العبرية من دخول موانئها، وفرضت قيوداً على مرور طائرات تحمل أسلحة وذخائر متجهة إلى الدولة العبرية في المجال الجوي التركي.

وبذلك أخذت الإجراءات التركية بعداً لوجستياً يتجاوز المقاطعة التجارية. فأنقرة لم تعد تقول فقط إنها لا تريد بيع منتجاتها إلى الدولة العبرية، وإنما تحاول أيضاً منع استخدام بنيتها التحتية، وخصوصاً الموانئ والمجال الجوي، في عمليات يمكن أن تساعد في إمداد الدولة العبرية عسكرياً. وهذا النوع من الإجراءات أكثر حساسية من المقاطعة التجارية، لأنه يلامس سلاسل الإمداد وطرق النقل التي تعتمد عليها التجارة الدولية.

وفي الوقت نفسه، نقلت تركيا المواجهة إلى الساحة القانونية الدولية. ففي أغسطس/آب ٢٠٢٤ قدمت رسمياً إلى محكمة العدل الدولية إعلان تدخل في قضية جنوب أفريقيا ضد الدولة العبرية المتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وأكدت المحكمة نفسها إيداع تركيا طلب التدخل استناداً إلى المادة ٦٣ من نظامها الأساسي.

وهذه الخطوة كانت ذات دلالة مختلفة عن العقوبات الاقتصادية؛ إذ حاولت أنقرة تحويل موقفها من الحرب من مجرد موقف سياسي إلى مشاركة في مسار قضائي دولي يمكن أن يستمر لسنوات. فالمقاطعة يمكن أن تنتهي بقرار سياسي، أما المسار القضائي فيترك سجلاً قانونياً يمكن أن يؤثر لاحقاً في مواقف الدول والمنظمات الدولية وطريقة التعامل مع المسؤولين والجهات المتهمة بارتكاب انتهاكات.

ومن هنا تبدو قضية «أسطول الصمود» امتداداً طبيعياً للاستراتيجية التركية الجديدة. فالأسطول يمنح أنقرة ملفاً تستطيع من خلاله الجمع بين البعد الإنساني والقانوني والسياسي؛ إذ تتعلق القضية باعتراض سفن كانت متجهة إلى غزة، وباحتجاز ناشطين في المياه الدولية، وهو ما سمح للسلطات التركية ببناء قضية جنائية داخلية ضد مسؤولين صهاينة، ثم محاولة نقلها إلى المستوى الدولي عبر الإنتربول.

وإذا نجحت تركيا في دفع هذه القضية إلى مراحل متقدمة، فإن أثرها لن يتوقف عند نتانياهو. فالمسار القضائي يفتح الباب أمام ملاحقة شخصيات صهيونية أخرى، خصوصاً أن الطلب التركي يشمل مسؤولين أو متهمين آخرين في القضية. وبذلك تتحول السياسة التركية من مقاطعة دولة إلى محاولة تقييد حركة مسؤولين فيها، وهو مستوى أكثر حساسية من الضغط الاقتصادي.

ومن منظور صهيوني، تكمن المشكلة الأكبر في أن تركيا دولة ذات وزن إقليمي كبير، وعضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك موقعاً جغرافياً يربط أوروبا بالشرق الأوسط، كما أنها لاعب رئيسي في الملف السوري. وبالتالي فإن تدهور العلاقات معها لا يشبه الخلاف مع دولة صغيرة يمكن عزله بسهولة عن البيئة الإقليمية.

كما أن التصعيد التركي يأتي في وقت تتداخل فيه الخلافات بين أنقرة وتل أبيب بشأن غزة مع التنافس على النفوذ في سوريا. وقد أشارت رويترز إلى أن التوتر بين الطرفين تصاعد أيضاً على خلفية الضربات الصهيونية في سوريا، في وقت توسع فيه تركيا نفوذها هناك. وهذا يعني أن غزة أصبحت جزءاً من خلاف إقليمي أوسع، لا القضية الوحيدة التي تحدد مستقبل العلاقة بين البلدين.

 

أعلى