البيان/صحف: كشف تقرير استقصائي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، بقلم الصحفيين ناحوم برنياع ورونين بيرغمان، عن ملامح خطة أمريكية–صهيونية استهدفت الإطاحة بالنظام في إيران، قبل أن تتعثر في خضم حرب استمرت أربعين يومًا، لتتحول من مشروع “نصر حاسم” إلى نموذج لفشل التقدير الاستراتيجي. ووفقًا للتقرير، لم تكن فكرة إسقاط النظام خيارًا تكتيكيًا بقدر ما كانت جوهر الرؤية العسكرية والسياسية لدى الدولة العبرية، خاصة بعد عمليتين مفصليتين هما، “سهام الشمال” في لبنان عام 2024، و“الأسد الصاعد” ضد إيران في 2025، حيث عززت هذه العمليات قناعة لدى صانع القرار بإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى تغيير الأنظمة.
هذا الاندفاع استند إلى فرضية وجود توافق أمريكي كامل، إذ بدا أن إدارة دونالد ترامب منحت ضوءًا أخضر مبدئيًا، خصوصًا في ظل تصاعد التنسيق الأمني بعد اغتيال حسن نصر الله، الذي اعتُبر إغلاقًا لملف ثأري قديم، غير أن هذا التوافق سرعان ما تبيّن أنه هش ومشروط. ففي ذروة التحضير، عرض رئيس الموساد دافيد برنياع خطة متكاملة على واشنطن تضمنت اغتيال علي خامنئي وقمة النظام كضربة افتتاحية، تعقبها مراحل ميدانية تشمل غزوًا بريًا عبر ميليشيات كردية، وتحريك الشارع الإيراني، وصولًا إلى تأسيس سلطة بديلة.
غير أن المسار انقلب داخل البيت الأبيض نفسه، حيث واجهت الخطة اعتراضًا واضحًا من شخصيات نافذة مثل جي دي فانس وماركو روبيو، إلى جانب قيادات استخباراتية رأت في المشروع مغامرة غير محسوبة العواقب، ما كشف فجوة بين الحماسة السياسية الأولية والتقدير المؤسسي الأكثر تحفظًا. وبالتوازي، دخل رجب طيب أردوغان على خط الأزمة، محذرًا من تداعيات تمكين الأكراد إقليميًا، وهو ما اعتبرته أنقرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، لتشكّل مكالمته مع ترامب نقطة تحول دفعت الأخير إلى وقف الغزو البري قبل ساعات من تنفيذه، الأمر الذي أدى فعليًا إلى شل المرحلة الثانية من الخطة.
على الأرض، لم تتحقق الركائز التي بُنيت عليها الاستراتيجية، إذ لم يستجب الشارع الإيراني للدعوات بالخروج، بفعل القصف الجوي من جهة، وإجراءات القمع التي قادها الحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى، كما تعثر الغزو الكردي قبل انطلاقه، فيما تلاشت فرضية “الانهيار السريع” التي راهن عليها ترامب، والذي كان يتوقع حسم الحرب خلال أيام. في المقابل، أظهر النظام الإيراني قدرة على امتصاص الضربة وإعادة ترتيب بنيته القيادية، مستفيدًا من أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، وهو سيناريو لم تكن واشنطن مستعدة لتداعياته الاقتصادية.
ومع تعثر الخطة، برز تحول في الخطاب داخل الدولة العبرية، حيث انتقل بنيامين نتنياهو من تبني هدف “الإطاحة بالنظام” بشكل صريح إلى الاكتفاء بصيغة أكثر مرونة تتحدث عن “تهيئة الظروف للتغيير”، في محاولة لإعادة تعريف الهدف بعد تعذر تحقيقه. ويعكس هذا التحول إدراكًا متأخرًا لتعقيد المشهد الإيراني، وصعوبة فرض تغيير جذري عبر أدوات عسكرية وأمنية فقط. في المحصلة، يكشف التقرير حدود القوة حين تُبنى الاستراتيجيات على تقديرات متفائلة أكثر من اللازم، وحين تُدار التحالفات الدولية بمنطق اللحظة لا بمنطق الالتزام، إذ انتهى مشروع كان يهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية إلى درس عملي في تعقيدات الجغرافيا السياسية واستحالة اختزالها في ضربة حاسمة.