• - الموافق2026/02/23م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تركيا تزيد الضغط القانوني والدبلوماسي على الدولة العبرية

منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، شرعت تركيا في حملة قانونية ودبلوماسية متكاملة تستهدف الدولة العبرية، بهدف ترسيخ سردية تُحمّلها المسؤولية الكاملة عن الأحداث في قطاع غزة

 

البيان/متابعات:منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، شرعت تركيا في حملة قانونية ودبلوماسية متكاملة تستهدف الدولة العبرية، بهدف ترسيخ سردية تُحمّلها المسؤولية الكاملة عن الأحداث في قطاع غزة، متجاهلة الاعتبارات الأمنية التي تواجهها في مواجهة حماس وغيرها من التنظيمات المسلحة. وتعكس هذه الحملة تحولاً نوعياً في السياسة التركية، إذ لم تعد تكتفي بالخطاب السياسي الرمزي أو الإدانات العلنية، بل أصبحت تمارس ضغطاً رسمياً متعدد المستويات، يضع الدولة العبرية في موقع "مدعى عليه دائم" على الساحة الدولية. ووفقًا لتحليل معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) التابع للدولة العبرية، تهدف تركيا من خلال هذه الاستراتيجية إلى تقويض شرعية الدولة العبرية الدولية، وتعميق عزلة قيادتها الدبلوماسية، وتقليل مجالها للمناورة العسكرية والسياسية، وهو ما يصعب معه إعادة بناء العلاقات الثنائية في المستقبل.

تضمنت هذه الحملة التركية إجراءات قانونية واسعة، شملت المشاركة في محكمة العدل الدولية من خلال إعلان تدخل لدعم الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد الدولة العبرية لانتهاكها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، والمطالبة برأي استشاري حول "الآثار القانونية المترتبة على سياسات الدولة العبرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة"، بما في ذلك القدس الشرقية، لتأكيد عدم شرعية تلك السياسات. وفي المحاكم الجنائية الدولية، سعت تركيا إلى تعزيز المسؤولية الجنائية لصناع القرار في الدولة العبرية، على الرغم من عدم كونها طرفًا في نظام روما الأساسي، من خلال التعاون مع مكتب المدعي العام وتسريع الإجراءات وإصدار أوامر اعتقال بحق مسؤولين كبار، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بزعم ارتكاب "إبادة جماعية" و"جرائم ضد الإنسانية". أما على الصعيد المحلي، فقد لجأت أنقرة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية لإصدار مذكرات توقيف بحق شخصيات صهيونية، وفرض قيود على التجارة والطيران والتعاون الرسمي مع الدولة العبرية، بما في ذلك منع دخول الطائرات الرسمية إلى المجال الجوي التركي، ووقف التبادلات التجارية، وإغلاق الموانئ أمام البضائع القادمة من الدولة العبرية، مع مراقبة الأنشطة غير المباشرة عبر أطراف ثالثة.

لم تقتصر جهود تركيا على الإجراءات القانونية الرسمية، بل امتدت إلى المسارات شبه القضائية والمجتمعية، مثل "محكمة غزة" ومؤتمرات دولية عقدت في إسطنبول، لتوفير قاعدة أدلة موثقة تعزز الضغط على الدولة العبرية، وتضفي صفة قانونية وأخلاقية على الاتهامات الموجهة لها، وترسخ سردية "المسؤولية الكاملة" عن الحرب وتداعياتها الإنسانية. كما عملت تركيا على توسيع نطاق الاتهام ليشمل لبنان وسوريا وإيران، مصوّرة الدولة العبرية ككيان يهدد الاستقرار الإقليمي والنظام الدولي، بينما يسعى المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير عقابية واسعة، بما في ذلك استخدام آليات الأمم المتحدة مثل قرار "التوحد من أجل السلام" رقم 377 (١٩٥٠) لدفع الدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات ضد الدولة العبرية، وربطت التعاون في حلف شمال الأطلسي وعضويتها في مؤسسات متعددة الأطراف بالتزامها بالقانون الدولي.

تستغل تركيا ضعف موقف الدولة العبرية الدبلوماسي الحالي، حيث خلقت الحرب في غزة بيئة دولية بات فيها توجيه انتقادات لاذعة أمراً شائعاً، وشُلّت جزئيًا المؤسسات متعددة الأطراف، مما قلل تكلفة مواجهة الدولة العبرية على الساحة الدولية. ويظهر هذا المسار بوضوح في تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي شبّه قيادات الدولة العبرية بالنازيين ووصف أفعالها بأنها "إبادة جماعية"، مما غذى الخطاب التركي الداخلي والدولي، وأصبح أداة ضغط معيارية لتبرير الإجراءات القانونية والسياسية ضد الدولة العبرية، وتحويل أي تردد غربي تجاهها إلى تخلٍّ أخلاقي عن الفلسطينيين.

كل هذه الإجراءات القانونية والدبلوماسية، بحسب معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني، تؤدي إلى تآكل جوهر العلاقة بين تركيا والدولة العبرية إلى حد يجعل العودة إلى التعاون، حتى المحدود منه، أمراً صعباً، ويضع الدولة العبرية أمام تحديات مستمرة على المستويين القانوني والدبلوماسي، بما في ذلك عزلة قياداتها، تقييد حريتها في العمل، وتعقيد أي جهود لإعادة بناء العلاقات، حتى بالمقارنة مع أزمات سابقة مثل حادثة سفينة مافي مرمرة. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الحملة التركية ورقة ضغط استراتيجية للتأثير في ترتيب الأمن والسياسات المستقبلية في غزة والمناطق المجاورة، ما يعكس الطموح التركي لتعزيز موقعها كفاعل إقليمي ودولي رئيسي قادر على صياغة سرديات معيارية للتحركات الدولية ضد الدولة العبرية.

 

أعلى