قوة

قوة "اللوبي الصهيوني" في الانتخابات الأمريكية


رغم أن الأقلية اليهودية في المجتمع الأمريكي لا تمثل سوى 3% من مجموع السكان في جميع الولايات الأمريكية، إلا أن هناك شبه إجماع من الباحثين والمتابعين للشأن الأمريكي أن لهذه الأقلية تأثيراً كبيراً في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، وتمهيد الطريق لزعماء البيض الأبيض واحداً بعد آخر مهما اختلفت توجهاتهم الدينية والعرقية وانتماءاتهم الحزبي.

هذه الأقلية اليهودية أو ما أصبح يطلق عليه "اللوبي الصهيوني" الأمريكي تمتلك الكثير من المقومات المادية والسياسية والإعلامية التي تستطيع بسببها أن تؤثر في الانتخابات وتوجهها لصالح الخطاب العام الصهيوني والحفاظ على مصالح الكيان الصهيوني قبل أي مصالح أخرى.

ويحاول أغلب المرشحين في الرئاسة الأمريكية، إن لم يكن كلهم، كسب ود هذه الفئة القليلة من الناس فهم يعرفون مدى تأثيرهم في صناعة القرار وتوجيه الرأي العام وقدرتهم الإعلامية في الترويج للمرشحين وكذلك الدعم المادي الكبير الذي يقدموه للمرشحين في الرئاسة لدعم حملاتهم الانتخابية، فاليهود وحدهم يمولون أكثر من 60% من الحملات الانتخابية الرئاسية خصوصاً في الحزب الديمقراطي، وكذلك في انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب.

ولا يخطر في بالكم أن اليهود في أمريكا على قلب رجل واحد، فهم منقسمون بين فئات إثنية وإصلاحية ومحافظة ومتدينة، ويقع الخلاف في ما بينهم في كثير من القضايا والمسائل الأمريكية الداخلية، بالإضافة إلى ذوبانهم في المجتمع الأمريكي بدرجة كبرة نتيجة الزواج المختلط من غير اليهود، لكنهم ينسون كل خلافاتهم عندما يتعلق الأمر بالكيان الصهيوني والسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

بحسب الباحث الفلسطيني محسن محمد صالح، فإن هناك عدداً من العوامل مكن يهود أمريكا من تحقيق درجات عالية من التأثير في السياسة الأمريكية توازي أضعاف حجمهم السكاني، ومن ذلك: أنهم أكثر الأقليات ثراء في العالم، فهم يملكون ثروات هائلة ويركزون في استماراتهم في الصناعات الخفيفة والمواد الاستهلاكية، ولا تكمن قوتهم في السيطرة الاقتصادية العامة، بل في استثمار تلك الثروات بطريقة مؤثرة سياساً وإعلامياً.

العامل الآخر من عوامل تأثير يهود أمريكا، أنهم قوة انتخابية منظمة: وذلك أن لديهم ثقافة انتخابية عامة فهم يشاركون في الانتخابات بنسبة قد تزيد عن 92% مقابل 54% بين عامة الأمريكيين، ومن ثم تتضاعف نسبتهم الانتخابية ويصبح الصوت اليهودي أكثر فعالية وأكثر طلباً من المرشحين.

وكذالك أن وجود المجموعات السكانية اليهودية في المدن الكبيرة التي تؤثر في نسبة فوز المرشحين، فهم يتركزون في الولايات الرئيسية مثل كاليفورنيا، فلوريدا، إلينوي، نيويورك، وبنسلفانيا، ويمثلون 16% من سكان نيويورك، و 31% من كل سكان البيض. والمعروف في نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية أن أي رئيس يفوز في أي ولاية ولو بنسبة متدنية، فإنه يحصل على كل أصواتها الانتخابية، ووجود التجمعات اليهودية في الولايات المهمة ذات المقاعد الأكثر جعل منهم عنصراً مهماً في ترجيح هذا المرشح أو ذاك.

ومن حيث تفضيل اليهود لمرشحي الرئاسة الأمريكية فهم يميلون في الغالب وبنسبة تصل إلى 70% للحزب الديمقراطي باعتباره يعبِّر عن مصالح الأقليات، وفي الوقت نفسه لديهم تأثير فعال في الحزب الجمهوري ولديهم عضوية نشطة في كلا الحزبين، ويقدمون الدعم المالي والإعلامي للمرشحين، ويعتمدون على سياسة تصفية و "فلترة" كل مرشح داخل، من يقدم تعهدات أفضل لصالح المصالح الصهيونية يحصل على فرص أكثر في الفوز سواء كان في الحزب الديمقراطي أو الجمهوري.

من ضمن العوامل أيضاً، قدرة اليهود على التنظيم وتكوين مجموعات ضغط، فهم يتشكلون في مؤسسات وهيئات ومنظمات وجمعيات كلها تعمل في مصب واحد وهو خدمة القضايا الكبرى للصهيونية العالمية.

ومن جماعات الضغط اليهودية الشهيرة، اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك) والتي تأسست عام 1954 وتضم نحو 4500 من كبار الشخصيات اليهودية في المجتمع الأمريكي، ويشارك في عضويتها أكثر من 50 ألف عضو يتبرع كل منهم على نحو سنوي منتظم بمبالغ من 25 دولاراً إلى 5000 دولار.

كما "يوجد نحو 350 منظمة مرتبطة بالحركة الصهيونية أو موالية لها، ومن بين هذه المنظمات نحو 67 منظمة صهيونية سياسية تعمل مباشرة لصالح الكيان الصهيوني فضلاً عن المنظمات الدينية والثقافية والاجتماعية ومنظمات العلاقات العامة".

ومن ضمن عوامل قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، الحضور الإعلامي والأكاديمي القوي، فهم يملكون وسائل إعلامية عالية النفوذ والتأثير في الرأي العام، أمثال شبكات:ABC  - NBC - CBC، وشركات سينما أمريكية، مثل فوكس وبارامونت ويونيفرسال، وكذلك الصحف ذات التأثير الكبير مثل: وول ستريت جورنال، وديلي نيوز، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، فضلا عن أقوى مجلتين أسبوعيتين في أمريكا والأشهر على مستوى العالم وهما تايم ونيوزويك، كما يملكون أكثر من 300 صحيفة يومية، وأسبوعية، والأهم من ذلك كله أنهم يملكون أهم وسيلة للضغط على هذه الصحف، وهي الإعلانات، التي تعد مصدر التمويل الأساسي الذي يضمنه بقاء هذه الصحف واستمرارها.

كما إن لليهود حضوراً علمياً وثقافياً واسعاً؛ حيث تقول دراسة أعدها البروفيسور روبنشتاين أنه من بين 500 قيادي على مستوى أمريكا هناك 57 يهودياً. ونسبتهم الأعلى هي وسط قادة الإعلام إذ تصل إلى 25.8%.

ويضيف أن 45% من بين أبرز 172 شخصاً من كبار المثقفين والمفكرين على مستوى أمريكا هم من اليهود (أي 77 شخصاً)، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 56% وسط أبرز علماء الاجتماع، وإلى 61% في العلماء في العلوم الإنسانية. ويسهم هؤلاء بشكل قوي في توجيه الثقافة والرأي العام ومناهج التدريس والتربية.

وفقاً لهذه العوامل والمعطيات سابقة الذكر، فإن اللوبي الصهيوني يتحكم وبشكل فعال في حركة الانتخابات الأمريكية ومساراتها، وفي رؤى وأفكار وتوجهات الناخب الأمريكي، وكذلك في صناعة السياسات العامة للمرشحين الأمريكيين أنفسهم، فها هي مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون ترسل رسالة خاصة إلى الملياردير اليهودي الأمريكي (حاييم طابان) تعده في حال وصولها إلى البيت الأبيض فإنها ستسمح لـ "الكيان الصهيوني" بقتل 200 ألف فلسطيني في غزة، وليس ألفين فقط، كما قالت إنها ستمنح الدولة الصهيونية كل الدعم العسكري والدبلوماسي والاقتصادي اللازم من أجل القضاء على حركة حماس، وفقاً لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

أما مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب فهو في الأساس يعتمد في دعايته على شبكة العلاقات اليهودية، ويعلن في كل مرة التزامه الكبير بتحقيق مصالح الكيان الصهيوني في حال فوزه بالانتخابات الأمريكية، ووعد أمام المؤتمر اليهودي الأمريكي أن تبقى القدس عاصمة للكيان الصهيوني إلى الأبد.

ووفقاً لتقارير إعلامية أمريكية، فإن اللوبي الصهيوني يدعم كلا المرشحين بدرجات مختلفة، مع ترجيح كفة "كلينتون"عن طريق تمويل الحملة الانتخابية، وإتاحة الفرص لعرض برنامجهما خلال وسائل الإعلام الموالية للوبى، فضلاً عن إعطاء وعود لمن تثقل كفته في النهاية، بالكتلة التصويتية لليهود الأمريكيين.

أعلى