كيف تكون النصيحة صادقةً نافعةً، تحفظ كرامة المنصوح وتعينه على إصلاح خطئه، وما الآداب التي ينبغي للناصح والمنصوح التحلي بها حتى تؤدي النصيحة غايتها، ويقبل الحق دون كبر أو عناد أو إساءة وأثرها في إصلاح المجتمع؟
الحمد لله العليم الحكيم، اللطيف الخبير؛ أمر بالنصح لكل مسلم، وجعله من دلائل
الصدق، ونهى عن الغش، وجعله من مسالك النفاق، نحمده على هدايته، ونشكره على توفيقه
ورعايته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالإصلاح ونهى عن الإفساد،
ووعد المصلحين بالفلاح، وتوعد المفسدين بالعذاب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ
الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده حتى أتاه اليقين،
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى
وأطيعوه، وانصحوا لإخوانكم المسلمين، واقبلوا نصح الناصحين، وإياكم وطريق
المستكبرين والمعرضين؛ فإنه سبيل الشياطين، والشيطان للإنسان عدو مبين ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ
لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6].
أيها الناس: ديننا دين النصيحة،
«وهي
إرادة الخير للمنصوح له»، وقال
النبي صلى الله عليه وسلم:
«الدين
النصيحة»
رواه مسلم.
«والْمَعْنى أَن
النَّصِيحَة أفضل الدّين وأكمله». وهي كلمة جامعة لكل خير
يريده لغيره، فانتظم فيها حسن الرأي في المشورة، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد يعلم المنصوح بها وقد لا يعلم؛ كمن يدفع أذى عن
أخيه المسلم، أو يدرأ عن عرضه إذا نيل منه وهو غير حاضر.
واشتهر عند الناس أن النصيحة قول يقوله الناصح للمنصوح ليدله على خير أو يمنعه من
شر، سواء كان في أمور الدين أو الدنيا. وأغلب ما يبذل من النصح على الإخلال بأمور
الدين؛ كمن فرط في طاعة أو فعل معصية. ولكل من الناصح والمنصوح آداب يجب عليهما
التزامها لتحقق النصيحة غايتها:
فمن آداب الناصح: الإخلاص لله تعالى؛
فينصح أخاه المسلم لله تعالى، لا لنفسه، ولا لسمعته، ولا لرفع منزلته، ولا لتتبع
عثرات غيره؛ فكم من ناصح أراد أن يُظهر نفسه فأهلك غيره! وكم من كلمة ظاهرها النصح،
وباطنها الفضح!
ومن آداب الناصح: الإسرار بالنصح؛
فالنصيحة في الملأ فضيحة، وفي الخفاء زينة ووقاية؛ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ
رحمه الله تعالى:
«مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ
سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ
فَضَحَهُ
وَشَانَهُ»،
ولو كان النصح بالتعريض أو بالمكاتبة لكان أبلغ من المواجهة.
ومن آداب الناصح: الرفق واللين؛
فالكلمة اللينة مفتاح للقلوب، والغلظة باب واسع للنفور؛ قال الله تعالى لموسى
وهارون عليهما السلام وهما يدعوان فرعون الطاغية الذي ادعى الربوبية: ﴿فَقُولَا
لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]
ومن آداب الناصح: التثبت قبل النصح؛
فلا تُبنى النصيحة على ظن أو وهم أو شائعة؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:
6]،وكم من ناصحٍ أقبل على المنصوح متحمسا، ثم رد عليه المنصوح بهدوء: أنت مخطئ، لست
أنا، أو لم أفعل كذا، والناقل لك كذاب، ونحو ذلك.
ومن آداب الناصح: اختيار المناسب من
الوقت والمكان والحال؛ فالغضبان لا ينصح لأنه لن يقبل؟! والمهموم والمشغول لا ينصح
فإنه لن يستمع؟! ولا يُواجَه المخطئ بخطئه أمام الناس؟! بل على الناصح أن يختار
الوقت والحال الذي تكون فيه القلوب مفتوحة للنصح.
ومن آداب الناصح: أن يتواضع ولا
يستعلي على المنصوح؛ فلا يضع نفسه في موضع القاضي أمام المتهم. بل يجعل نفسه مساويا
للمنصوح بأن يقول: وكلنا ذوو خطأ، ومن يسلم منا من العيب، ولربما كانت أخطائي أكثر
من أخطائك، ونحو ذلك.
ومن آداب الناصح: تحمل الأذى في سبيل
النصح؛ فليس كل منصوح يقبل، ولا كل قلب يلين، فليصبر على ما يلقى من سفه بعض
المنصوحين، ولا يرد السفه بسفه مثله وإلا كان منتقما لا ناصحا، قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: 96]، وقال تعالى ﴿وَاصْبِرْ
عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17].
وكما أن للناصح آدابا فإن للمنصوح أيضا آدابا يجب أن يتخلق بها:
فمن آداب المنصوح: قبول الحق
والانقياد له، ولو أتاه ممن هو أصغر منه أو أقل علما؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ
اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18]. وليحذر من عدم
قبول الحق؛ لأن ذلك من الاستكبار، والله لا يحب المستكبرين، وقال النبي صلى الله
عليه وسلم:
«الْكِبْرُ
بَطَرُ
الْحَقِّ
وَغَمْطُ
النَّاسِ» رواه مسلم.
«وبطر
الحق: التكبر عن الإقرار به، والطغيان في دفعه».
ومن آداب المنصوح: تحمل غلظة الناصح،
والاستفادة مما قال دون النظر إلى أسلوبه في النصح؛ فإن بعض الناس قد يقر بخطئه فلا
يصححه لأن الناصح أغلظ القول عليه، وهذا يضره؛ لأنه إصرار على الخطأ، والله تعالى
يقول في التائبين: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135].
ومن آداب المنصوح: حسن ظنه بالناصح،
وأنه إنما أراد بنصحه الخير، ولا يستمع إلى أقاويل من يخذلونه بالطعن في الناصح،
فإنه إن فعل ذلك لم يستفد من النصيحة، وتحمل وزر الإصرار على الخطأ، ووزر قبول
الغيبة في الناصح.
ومن آداب المنصوح: تحمل مواجهته
بالخطأ، وتجرع مرارة النصح؛ فإن الحق في بداية قبوله ثقيل على النفوس، ولكن عاقبته
حميدة. قال رجل لأَبِي حَنِيفَةَ:
«اتَّقِ
اللَّهَ! فَانْتَفَضَ
وَاصْفَرَّ
وَأَطْرَقَ،
وَقَالَ:
جَزَاكَ
اللَّهُ خَيْرًا، مَا أَحْوَجَ النَّاسَ كُلَّ وَقْتٍ إِلَى مَنْ يَقُولُ لَهُمْ
مِثْلَ هَذَا!».
ومن آداب المنصوح: المبادرة بالتوبة،
وإصلاح ما وقع فيه من الخطأ، ولا يسوف في ذلك ويتمادى في خطئه؛ فإن ثمرة النصيحة
العمل بها، ولا يكفي أن يقبلها من ناصحه، وهو لا يعمل بها؛ وذلك أن من أُخبر بعيب
نفسه فلم يُصلحه كان كمن استهزأ بنفسه.
نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا، إنه سميع مجيب.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم....
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى
آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:
281].
أيها الناس:
من أهم آداب الناصح والمنصوح محبة النصيحة، ومحبة الناصحين، ومحبة من يأخذ
بالنصيحة؛ لأن في ذلك سعي بالإصلاح، وقضاء على الفساد؛ فالناصح يحب النصيحة ولو
كانت من غيره، ويحب أن ينتفع المنصوح بها ولو لم يكن هو الناصح، بل يفرح حين ينصح
أحدا ويفشل في إقناعه، ثم يأتي غيره وينصحه فيقتنع؛ لأن غايته انتفاع المنصوح
بالنصيحة منه أو من غيره، وإلا كان داعية لنفسه لا داعية إلى الخير.
وينبغي للمنصوح أن يظهر محبته للناصح ويشكره على نصيحته، ويدعو له
«قال
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أحبّ الناس إليّ من
أهدى
إليّ
عيوبي».
وكراهية الناصحين من صفات الكفار والمنافقين؛ فإنهم يبغضون النصح والنصيحة، ويحبون
أن يعلو الباطل على الحق، وأن ينتشر العصيان في الناس؛ ولذا يجتهدون في مقولاتهم
وكتاباتهم ومسلسلاتهم الهزلية في تصوير الناصحين بما ينفر منهم ومن نصحهم، يريدون
بذلك نشر الرذيلة في الناس، وإسكات أصوات الناصحين، وغلق الآذان عن سماع نصحهم، ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]، والقرآن كتاب نصح وموعظة وتعليم وتذكير
وترغيب وترهيب. ولما ردت ثمود نصح نبيهم صالح عليه السلام فارقهم وهو يقول لهم: ﴿يَاقَوْمِ
لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ
النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79]، وما عدم قبولهم للنصح وبغضهم للناصحين إلا
لكراهيتهم للحق، ومحبتهم للباطل؛ كما قال الله تعالى عن كفار قريش لما نصحهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ
كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون: 70]، وحين يعذب الكارهون للنصح والناصحين في النار،
ويطلبون الخلاص من العذاب؛ يُذكرون بأنهم كانوا يكرهون النصح والناصحين ﴿وَنَادَوْا
يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ
جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:
77-78].
فليحذر المؤمن أن يكره النصح والناصحين، أو يصم أذناه عن سماعهم؛ لئلا يتخلق بشيء
من صفات الكفار والمنافقين، عوذا بالله تعالى من ذلك.
وصلوا وسلموا على نبيكم...