كيف تحوّلت «الحية» من إيحاء بالسُّم والغدر في السخرية الإسرائيلية إلى آية في قصة موسى، وما الذي تكشفه هذه المفارقة عن وهم الطغاة في امتلاك نتائج التاريخ لمجرد تفوقهم بالقوة المادية؟
كنت أشاهد قبل أيام مقابلةً في إحدى القنوات العربية مع المتحدّثة باسم جيش
الاحتلال باللغة العربية، فسألها المذيع عن رأيها في اختيار خليل الحية رئيسًا
للمكتب السياسي لحركة حماس.
لم تبدأ حديثها بتحليل شخصية الرجل، ولا بموقف جيشها من اختياره، وإنما قالت، في
عبارة ساخرة ذات إيحاء مقصود: «يكفيك اسمه... الحيّة!».
والحية في الاستعمال الشعبي تحمل من المعاني ما أرادت المتحدّثة الإسرائيلية
استدعاءه: الخُبْث والغَدْر والسُّمّ. أرادت أن تجعل من اسم الرجل مدخلًا للطعن
فيه، وربما ظنّت أنها التقطت مُفارَقة لغوية مُوفَّقة.
لكنّ العبارة أخذتني، إلى حيّة أخرى.
إلى حية موسى -عليه السلام-.
فموسى الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، ويحتل موقعًا مركزيًّا في ذاكرتهم الدينية،
كانت الحية واحدةً من أعظم آيات رسالته، وكانت في الوقت نفسه مصدر رُعْب لفرعون
وملئه، ودليلًا على عجز القوة التي ظنّوا أنها لا تُغلَب.
حين ألقى موسى عصاه بأمر الله، لم تعد العصا مجرد قطعة خشب يحملها، وإنما تحوَّلت
إلى آية؛ ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: 20].
والمفارقة هنا أعمق من التشابه في الاسم.
فموسى -عليه السلام- وقف يومها أمام قوة طاغية تمتلك الدولة والجيش والإعلام
والمال، ويقول رأسها في غرور القوة: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ
الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]. وفي الطرف الآخر رجل مُطارَد
خرج من مصر خائفًا يترقَّب، ثم عاد إليها يحمل عصًا، ويُواجه فرعون وجنده.
جمَع فرعون سَحرته، وحشَد الناس، وأراد أن يُحوِّل المواجهة إلى استعراض لانتصار
سلطانه. ألقى السحرة حبالهم وعصيهم حتى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116].
ثم جاءت الحية.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا
يَأْفِكُونَ
ﯷ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 117-
118].
«الحية» كانت رعبًا للطاغية، وأمانًا لموسى، وآيةً للمؤمنين، وسببًا لانكشاف زيف
المشهد الذي صنعه فرعون أمام الناس. حتى إن السحرة أنفسهم -وهم أهل الصنعة وأعرف
الناس بحقيقتها-، أدركوا في لحظة أن ما أمامهم ليس سحرًا؛ فسجدوا لرب موسى وهارون.
قالت ساخرةً: يكفيك اسمه.. الحية!
فيصح الجواب لها: نعم، الحية! وهل نسيتم حية موسى؟
ليست القضية هنا في شخص خليل الحية، ولا في التنبؤ بما سينجح فيه أو يُخْفِق، ولا
ينبغي تحويل توافق الأسماء إلى نبوءة سياسية؛ فالتاريخ لا يُقرَأ بهذه الطريقة.
إنما القضية في المُفارَقة التي صنعتها العبارة نفسها؛ حيث أرادت المتحدّثة أن
تستحضر من «الحية» معنى الشر، بينما يستحضر القرآن منها -في أحد أشهر مشاهد الصراع
بين الحق والطغيان- معنى آخر تمامًا.
إنها الآية التي ظهرت عندما بلغ فرعون ذُروة استعلائه.
ولعل هذا هو المعنى الأهم.
الطغاة في كل زمان يقعون في خطأ متشابه: يظنون أن امتلاك أدوات القوة يعني امتلاك
نتائج التاريخ. يُحصون عدد الجنود والطائرات والدبابات، ويراقبون خصومهم، ويغتالون
قادتهم، ثم يبنون على ميزان القوة المادي يقينًا بأن الطرف الأضعف قد انتهى.
وهذا لا يعني الاستغناء عن أسباب القوة؛ فالقرآن نفسه يأمر بإعدادها، وإنما يعني
ألَّا تتحوَّل الأسباب المادية إلى عقيدة تجعل القوة قدرًا لا يُرَدّ، وتجعل ضعف
المستضعفين حكمًا أبديًّا لا يتغيَّر.
هذه واحدة من أعظم رسائل قصة موسى -عليه السلام- وفرعون.
وهنا تنكشف مفارقة العبارة: ما أرادت أن تجعله رمزًا للغدر، كان في قصة موسى آيةً
على بطلان قوة فرعون.
ففي الذاكرة التي تستند إليها دولتها نفسها، لم تكن «الحية» رمزًا للغدر والشر.
كانت يومًا آيةً في يد موسى.
وكان موسى يومها في مواجهة فرعون.
وكان فرعون هو الأقوى.
أما النهاية، فنحن جميعًا نعرفها كما بشَّرنا بها العزيز العليم؛ ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنجَعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].