العلاقات اليمنية الأمريكية بعد أحداث

العلاقات اليمنية الأمريكية بعد أحداث " الربيع العربي "



فرض الموقع الجغرافي المميز لليمن على الولايات المتحدة الأمريكية العمل على إيجاد نوع من العلاقة الرسمية مع السلطات اليمنية من قبل ما يزيد عن قرن من الزمان حيث سبقت العلاقات التجارية العلاقات الدبلوماسية بقرن كامل ثم شهدت العلاقات الأمريكية اليمنية محطات تاريخية عديدة توجت بالاعتراف الرسمي الأمريكي بحكم الإمام يحي لليمن عام 1946م والاعتراف بالجمهورية العربية اليمنية كذلك أما في الجنوب فالعلاقات الأمريكية الدبلوماسية والتجارية قد وجدت من قبل أكثر من قرن من الزمان ثم تواصلت بعدها العلاقات الأمريكية مع اليمن الموحد حيث اكتسبت العلاقات الأمريكية اليمنية أهمية كبيرة خاصة بعد التوجه الأمريكي لما يسمى الحرب على الإرهاب إضافة إلى تزايد المصالح الأمريكية باليمن ومن قبلها بالمنطقة الخليجية منذ عقود والرغبة الأمريكية بوجود نفوذ قوي لها باليمن نظرا لموقعها الجغرافي والملاحي حيث يتحكم اليمن بواحد من أهم المضايق العالم البحرية " باب المندب " كما أن ظهور النفط بكميات كبيرة في الخليج جعل الأنظار الأمريكية تتوجه لهذه المنطقة الخليجية التي يشكل اليمن عمقا لها وعلى صعيد العلاقات الأمريكية اليمني مثل ظهور النفط بكميات تجارية في مأرب اليمنية عام 1984م سببا لدفع الشركات الأمريكية للقدوم إلى اليمن ونيل حقوق التنقيب عن النفط واستخراجه وتصديره  وفي عام 1990 م قام الرئيس السابق علي عبد الله صالح بأول زيارة رسمية لواشنطن وفي 1994م أيدت الولايات المتحدة بقاء اليمن موحدا وأعلنت رفضها انفصال اليمن وتكررت بعدها زيارات صالح لواشنطن والتي اكتسبت أهمية كبيرة بعد التوجه الأمريكي لما يعرف بالحرب على الإرهاب وظلت العلاقات الأمريكية مع نظام صالح وطيدة رغم ما شابها أحيانا من شد وجذب وفتور بسبب إدراك الأمريكان بأن صالح يستخدم ملف الحرب على الإرهاب لنيل مكاسب سياسية ومالية دون جدية منه في محاربة الإرهاب إلا أنهم رأوه خير من يحقق مصالحهم في اليمن رغم ضيقهم أحيانا بمناوراته وربما لتمكن صالح من السيطرة على مفاصل السلطة المركزية واحتكارها بيده وعدم جود بديل آخر عن الرجل الذي ظل على علاقة جيدة مع الأمريكان وحليف قوي لهم فيما يعرف بـ " الحرب على الإرهاب " حتى هبت رياح الربيع العربي . 

العلاقات الأمريكية اليمنية بعد الربيع العربي

عند اندلاع الاحتجاجات الشعبية عند نظام الرئيس علي عبد الله صالح في فبراير 2011م تأثرا بالأحداث الإقليمية فيما يسميه البعض بـ" الربيع العربي" تعاملت الولايات المتحدة رسميا بشكل دبلوماسي وبرجماتي مع هذه الأحداث في المشهد السياسي اليمني حيث أيدت مطالب الشباب اليمني وقامت بالتواصل مع القوى التي ساندت الثورة الشبابية الرسمية وفي الوقت نفسه ظل التواصل مع الرئيس صالح قائما بشكل علني ومن وراء الستار وخلف الكواليس حيث ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية وبالتنسيق مع دول إقليمية على جميع الأطراف للخروج من الوضع بتسوية سياسية هي أشبه بصلح قبلي فكانت المبادرة الخليجية كمخرج وحيد للحالة حينها وبعد أن تأكدت الولايات المتحدة أن السلطة القادمة تضمن بقاء الدور الأمريكي فاعلا والمصالح الأمريكية مصانة في اليمن كما أن ملف الحرب على الإرهاب بكل علاته تطور أكثر مع التغيرات التي طالت هرم السلطة كنتيجة للتسوية التي انتهت إلى تنحي صالح طالما وأن الرئيس عبدربه منصور هادي سيواصل العمل مع الولايات المتحدة وفي كافة المجالات والأصعدة وسيمنحها كل ما ترجوه حتى يغدو الحليف البديل لصالح والذي يتمتع بالمصداقية والثقة في البيت الأبيض ولذا تزايدت وتيرة الضربات الأمريكية بطائرات أمريكية بدون طيار بكل ما تحمل من انتهاك للسيادة اليمنية وقتل وترويع لمواطني اليمن كما أن الفكرة الأمريكية التي تم إدخالها في المبادرة الخليجية وهي عقد مؤتمر حوار وطني شامل ينتج عنه صياغة عقد جديد في اليمن وبرؤية أمريكية إضافة إلى ارتهان وخضوع سائر القوى السياسية الفاعلة للقرار الأمريكي كل هذا ساهم في زيادة التدخلات الأمريكية في اليمن وفي شتى المجالات حيث أصبحت اليمن تحت الوصاية الأمريكية تحت لافتة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي أصدر مؤخرا قرارا خطيرا بإدراج اليمن تحت البند السابع بما لهذا القرار من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في اليمن وبما يضاعف من التدخلات الأجنبية وفي مقدمتها الأمريكية في اليمن .

هادي كحليف جديد لأمريكا

كحليف جديد للولايات المتحدة الأمريكية في حربها على ما تسميه " الإرهاب " قام الرئيس هادي بزيارة الولايات المتحدة في 26 / 7/ 2013م وحظيت زيارته باهتمام أمريكي كبير حيث أستقبله الرئيس الأمريكي باراك أوباما وكبار المسئولين حيث أبدى هادي تأييده المطلق لاستخدام الطائرات الأمريكية بدون طيار في اليمن مما أستحق ثقة الجانب الأمريكي الذي أعتبره الحليف المثالي للولايات المتحدة الأمريكية في حربها على الإرهاب كما أن فترة رئاسة الرئيس هادي تأتي واليمن تعيش ظرف حرج تسعى الولايات المتحدة الأمريكية عبر مؤتمر الحوار الذي رعته لصياغة عقد اجتماعي جديد في اليمن برؤية أمريكية تجسدت في كثير من مواد ونصوص مخرجات فرق مؤتمر الحوار والتي تتبنى العلمانية كمرجعية للدولة وتجرم المرجعية الإسلامية لأي تنظيم حزبي أو نشاط سياسي وتتبنى رؤية منظمات المجتمع المدني الوثيقة الصلة بالسفارة الأمريكية والمنظمات الأمريكية في المجالات الاجتماعية والأسرية والحقوقية وغيرها من المجالات ولذا فإن رعاية الرئيس هادي وتنفيذ مخرجات الحوار وهو أولوية في الأجندة السياسية الأمريكية يعزز مكانة هادي لدى الإدارة الأمريكية ويمنحه مزيدا من التأييد والدعم خاصة في هذه الفترة الانتقالية وقد ظهرت بادر التأييد الأمريكي لهادي في مجالات عديدة ومنها الضغط على القوى السياسية لتمديد الفترة الرئاسية لهادي والتي كان من المقرر لها ان تنتهي في من المقرر لها ان تنتهي في 21 فبراير الماضي .   

ما وراء زيارة قادة الجيش لواشنطن ؟!!

مؤخرا قام وزير الدفاع اليمني اللواء الركن محمد ناصر أحمد وكبار قادة الجيش اليمني بزيارة مطولة لواشنطن استمرت أسبوعين التقوا خلالها مسئولين كبار في الإدارة الأمريكية حيث التقى وزير الدفاع اليمني لأول مرة بنظيره الأمريكي تشاك هيجل لأربع ساعات متواصلة وفي جلسة مغلقة ولدى عودته صرح وزير الدفاع اليمني بأن الزيارة ركزت حول محاربة الإرهاب وسبل دعم الجيش اليمني وفي اليوم التالي عودته عقد وزير الدفاع اليمني اللواء محمد ناصر أحمد اجتماع طارئ بكبار قادة المؤسسة العسكرية والأمنية وطح عليهم خلاصة الزيارة ومصفوفة التعليمات الأمريكية المطلوب تنفيذها كما أعلن حيادية الجيش اليمني حيادية مطلقة في النزاعات الحزبية والصراعات السياسية المسلحة وهو تصريح خطير ويعني امتناع الدولة ممثلة بالجيش عن القيام بواجبها في بسط هيبتها ونفوذها على المناطق لتي تسيطر مليشيات الحوثي المتمردة كمطلب جماهيري لكل أبناء الذين يريدون العيش في وطنهم هذا بسلام وأمان واستقرار وإعطاء الضوء الأخضر لمليشيات الحوثي المسلحة المتمردة لكي تستهدف الدولة والجيش وعموم المجتمع وتتوسع بقوة السلاح على حساب الدولة وتستهدف جنود الجيش وتسعى لضرب هيبة الدولة والجيش وتقويضهما كما يحدث في عمران أما الجيش فعليه أن يتفرج و" يضبط النفس " حتى تقوم هذه المليشيات المسلحة بقتل أفراده وأسر بعضهم والاستيلاء على نقاطه ونهب معداته والتوسع بقوة السلاح حتى تحقيق أهدافها على حساب الدولة والجيش وعلى حساب أرواح أبناء اليمن وأمنهم واستقرارهم وهذه هي أول ثمار زيارة وزير الدفاع اليمني لواشنطن والثمرة الثانية هي تكثيف الحرب على عناصر القاعدة والتغاضي عن نشاط الحوثيين وقد رأينا في الأيام الماضية تكثيف لضربات الطائرات الأمريكية بدون طيار على ما تقول أنه مواقع للقاعدة في البيضاء وفي أبين وشبوة وكذلك تكثيف للهجمات المسلحة للجيش على مواقع للقاعدة بين شبوة وأبين 

حيث يأتي هذا النشاط في الحرب على القاعدة بالتزامن مع حملة إعلامية واستياء شعبي من تراخي الجولة وجيشها في محاربة عناصر الحوثي المسلحة المتمردة ربما لكي تثبت قيادة سلطة هادي ووزير الدفاع مدى إخلاصهم وتفانيهم في الحرب على الإرهاب وينالون مزيدا من الثقة الأمريكية حيث يشكل هذا استقواء بالجانب الأمريكي في مواجهة الغضب الشعبي والاستياء الداخلي .   

هندسة جديدة للمشهد السياسي اليمني

يري كثير من المراقبين للشأن اليمني بأن هناك مخطط أمريكي يستهدف التهيئة لتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار وصياغة عقد اجتماعي جديد باليمن و بالرؤية الأمريكية هذا المخطط الذي تنفذه السلطات اليمنية يهدف إلى ضرب القوى التي يمكن ان تعترض على مخرجات الحوار والتي تمثل خلاصة الأجندة الأمريكية التي يراد تنفيذها باليمن وأول هذه القوى القبائل اليمنية والتي شكلت سندا للقوى اليمنية ذات التوجه الإسلامي مثل التجميع اليمني للإصلاح وتشكل مليشيات الحوثي أداة التنفيذ على الأرض ولذا تواطئت السلطة مع عدوان مليشيات الحوثي على قبيلة حاشد وتقاعست وزارة الدفاع عن تعزيز المعسكرات بعمران بل وأرسلت تعليماتها للجيش بعدم التدخل فكانت دبابات مليشيات الحوثي المسلحة المتمردة تمر من أمام معسكرات الجيش دون أي تدخل من هذه المعسكرات والآن ما أشبه الليلة بالبارحة فما يحدث في عمران من توجيهات لوزير الدفاع لمعسكرات الجيش بعدم الرد على اعتداءات مليشيات الحوثي مما تسبب بقتل جنود وأسر بعضهم والاستيلاء على معدات ونقاط أمنية من قبل مليشيات الحوثي المسلحة بينما أفراد الجيش يلتزمون الحياد بموجب تعليمات وزير الدفاع ما يحدث في عمران هو تكرار لسيناريو حاشد فالمخطط الأمريكي ينص على إعادة رسم الخارطة السياسية للمشهد السياسي اليمني بحيث تكون مليشيات الحوثي المسلحة المتمردة الأداة الأمريكية لضرب قوى بعينها وتقويتها على حساب هذه القوى والتمكين لها لتغدو القوة الأبرز في الساحة اليمنية وهو ما اتفقت عليه الولايات المتحدة مع إيران خلال التقارب الأمريكي الإيراني مؤخرا ورضوخ السلطات اليمنية لتنفيذ هذا المخطط سيكون له نتائج وتداعيات كارثية على أرواح أبناء اليمن وأمنهم ومستقبلهم حيث سيؤدي هذا المخطط لسقوط اليمن في مستنقع الفوضى والعنف وتشريد وقتل مئات الآلاف من أبناءه وهو ما سيحمل عبئا كبيرا على دول الجوار حيث ستدفع فاتورة باهضة لهذا المخطط الأمريكي الإيراني المدمر بكل المقاييس كما تقوية مليشيات الحوثي وهي أداة أمريكاء وإيران لتخريب اليمن وذراع سياسي لإيران لضرب مصالح المملكة العربية السعودية حيث تشكل خطرا كبيرا عليها وإن حاول بعض تطمين المملكة العربية السعودية من جانب مليشيات الحوثي فهذا الأمر هو مغالطة كبرى فمليشيات الحوثي ترى في المملكة العربية عدوا لها وتحاول التعامل معها على أسس تكتيكية حتى تتقوى ثم توجه لها ضربات موجعة خدمة لغيران وأجندتها التخريبية في المنطقة .  

مستقبل العلاقات الأمريكية اليمنية

في ظل هذا الاضطراب الأمني والغموض والتعقيد في المشهد السياسي اليمني يبدو مستقبل العلاقات الأمريكية اليمنية أكثر أهمية فهذا الوضع اليمني المتأزم يسمح للولايات المتحدة بالقيام بدور أكبر تحت ذرائع شتى وتنفيذ أجندتها في اليمن خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم ( 2140) والي ينص على إدراج اليمن تحت البند السابع ومعروف في علم السياسة الدولية أنه فكلما كان الوضع رخوا وهشا كلما كانت ازدادت التدخلات الأجنبية ، على صعيد الحرب الأمريكية لمكافحة ما يسمى الإرهاب ستزداد وتيرة هذه الحرب ضراوة بما يؤدي لقتل أكبر عدد من المدنيين وتجييش كبير في الشارع اليمني ضد هذه الحرب والتي ستدفع بعض الناس لمساندة القاعدة وشن مزيدا من الهجمات على جنود الجيش والأمن والمصالح اليمنية وهو ما سيضعف الدولة اليمنية بشكل أكثر ويقلل مواردها كما سيسمح هذا الجو لأطراف كثيرة لتصفية حساباتها والانتقام من خصومها مستغلة شماعة القاعدة وسيزداد التمسك الأمريكي بالرئيس هادي وسلطته ودفعهم للتمكين لمليشيات الحوثي المسلحة المتمردة كوفاء أمريكي للجانب الإيراني عبر حزمة إجراءات التي سيتضرر منها الشعب اليمني بشكل عام وليس قوى بعينها وستستفيد منها مليشيات الحوثي المسلحة المتمردة على حساب الدولة والجيش والأمن والاستقرار وشخصيا لا أستبعد في ظل هذا الجو اليمني المضطرب أن يكون هناك تدخل عسكري أمريكي محدود وتحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب وحماية المصالح الدولية وكذلك سيتواصل الضغط الأمريكي للسلطة لتنفيذ مخرجات الحوار وتقسيم اليمن لأقاليم وغيرها إضافة إلى محاربة الإرهاب ورفع الدعم عن المشتقات النفطية وغيرها من الإجراءات التي ستكون لها تداعيات كارثية وستأتي على حساب القضايا ذات الأولوية في اليمن وهي نزع سلاح الجماعات المسلحة كمليشيات الحوثي المسلحة المتمردة والتي صارت تهدد الأمن والاستقرار ومعالجة القضايا الاقتصادية التي تشكل الهم الأول للموطن العادي .

** البيان تنشر ملف خاص بعنوان " اليمن بين الأطماع الفارسية والأجندة الأمريكية "

 

أعلى