الربيع الإيراني والربيع العربي (2)

الربيع الإيراني والربيع العربي (2)


الشيخ حسين المؤيد , هو مرجع ديني , عراقي المولد , هاجر إلى إيران لتلقي العلوم الدينية فيها وحصل على مرتبة الاجتهاد وهو لم يتجاوز الـ 19 سنة , عاد إلى العراق بعد احتلال بغداد من قبل قوات التحالف بقيادة أمريكا , ونظراً لطول مدة مكوثه في إيران فقد تسنى له معرفة الكثير من خفايا السياسة الإيرانية التوسعية ومطامحها للهيمنة على دول المنطقة , ولذلك فإن الشيخ الإمام حسين المؤيد يعتبر من أوائل الذين حذروا من المطامع الإيرانية في العراق , وقد اجتهد هذا الشيخ طوال الوقت أن يدعو للوحدة بين المذاهب الإسلامية , وإلى تطهير المذهب الشيعي من الانحرافات التي اجتمعت فيه عبر القرون , وإلى تحريم السب أو الإنقاص من قدر صحابة رسول الله r أو أزواجه رضي الله عنهن , وفي نفس الوقت فإن هذا الشيخ قد ظل متمسكاً بموقفه المعلن المؤيد للمقاومة العراقية والرافض للنظام العراقي المعين من قبل أمريكا ,  وقد أجرى معه الصحفي (زهير أندراوس) لقاءً حصرياً لصحيفة (مع الحدث) بتاريخ 2008/11/4 , وسأجتهد أن أنقل أهم ما ورد في هذا اللقاء على لسان هذا الشيخ , فها هو يقول بالنص الحرفي عبر هذا اللقاء : (أنا في الحقيقة منذ سنوات طويلة كنت في طليعة من حذّر من الخطر الإيراني , وكنت قد نبهت أن النظام الإيراني له مشروع استراتيجي يقوم على أحلام امبراطورية , بل هناك إرادة سياسية لإعادة تشكيل امبراطورية إيرانية تهيمن على المنطقة وتسعى إيران لأن تكون القوة الإقليمية الأولى في هذه المنطقة , وكما أن الولايات المتحدة الأمريكية لها مشروع شرق أوسطي تسعى معه إلى إعادة ترتيب الشرق الأوسط , الإيرانيون أيضاً لهم مشروع واستراتيجية لبناء شرق أوسط جديد وهم يعملون على إعادة ترتيب قواعد اللعبة الذي يؤدي إلى تكريس نفوذهم في المنطقة !!! الحقيقة في الموضوع العراقي حصلت هناك نقاط التقاء بين المصالح الأمريكية والمصالح الإيرانية وبفعل نقاط الالتقاء هذه دخلت قوى مرتبطة بالنظام الإيراني وتعمل بأجندة إيرانية من خلال مساعدة أمريكية واضحة !! دخلت إلى الساحة العراقية وأمسكت بالسلطة بمساعدة أمريكية !! ... ولا ننسى أن النظام الحاكم في طهران هو أول من بادر إلى إعلانه لتأييد مجلس الحكم الذي شكله الحاكم الأمريكي الأول للعراق بعد الغزو في العام 2003 الجنرال (بول بريمر) في ذلك الوقت !! ولا يزال هذا النظام الإيراني يدعم وجود القوى المرتبطة في العملية السياسية !! وكما أن هناك في الإدارة الأمريكية من يدفع باتجاه تقسيم العراق , إما شكلاً ومضموناً أو مضموناً فالنظام الإيراني أيضاً يدفع بهذا الاتجاه !!) .

نعم هذا بعض ما قاله الشيخ حسين المؤيد بالضبط عبر هذا اللقاء , وهذا ما يتوافق مع ما قلته في المقالة السابقة حيث كنت ولا زلت أنبه أن إيران تحمل في جعبتها مشروعاً يمكن أن نسميه (الربيع الإيراني) ويهدف هذا المشروع لفرض الهيمنة الإيرانية على الأمة المسلمة والعالم العربي , وقد فصّلت في ذلك ولا حاجة للإعادة غير أني أؤكد مرة بعد مرة أن إيران ما ترددت ولن تتردد في يوم من الأيام أن تلتقي مع أمريكا في (حلف مصالح مشترك) من أجل أن تواصل تحقيق حلم (الربيع الإيراني) , ولذلك فإن إحدى نقاط الالتقاء الآن بين إيران وأمريكا هو إجهاض (الربيع العربي) في المواقع التي قام فيها ومنع امتداده إلى مواقع أخرى , لأن إيران باتت تتعامل مع (الربيع العربي) على اعتبار أنه يصادم كلياً (الربيع الإيراني) تماماً كما هو الحال عند (الفيل الأمريكي) الذي بات يتعامل مع الربيع العربي على اعتبار أنه خطر استراتيجي يهدد المشروع (الصهيوني اليهودي – الصهيوني المسيحي) في القدس المباركة والمسجد الأقصى المبارك وأكنافهما بخاصة , وفي حاضر الأمة المسلمة والعالم العربي بعامة , ولذلك فإن دور إيران في محاربة (الربيع العربي) في مصر وسوريا بخاصة هو جزء لا يتجزأ من الدور الأمريكي , بدافع واحد يجمع على المكشوف بين المصالح الإيرانية والمصالح الأمريكية , تماماً كما كان ولا يزال يجمع بين المصالح الإيرانية والمصالح الروسية , ولذلك فإن مواقف (الربيع الإيراني) ومواقف (الدب الروسي) ومواقف (الفيل الأمريكي) باتت واضحة وهي الإبقاء على الإرهابي بشار في سوريا إلى جانب الإبقاء على الإرهابي السيسي في مصر , بهدف إجهاض الربيع العربي وهذا ما يؤكده الشيخ حسين المؤيد عبر هذا اللقاء حيث يقول بالنص الحرفي : (هناك حقل للتنسيق بين الإيرانيين والأمريكيين في حقل من القضايا , وبدون هذا التنسيق من المستبعد أن ترضى الإدارة الأمريكية باستلام قوى مرتبطة بالنظام الإيراني زمام السلطة في العراق !!) ثم يقول الشيخ حسين المؤيد عبر هذا اللقاء بالنص الحرفي : (... أنا منذ بداية الحديث عن ترقب ضربة أمريكية لإيران منذ حوالي السنتين كنت متأكداً من استبعاد حدوث مثل هذه الضربة لمجموعة من الاعتبارات .... والسياسة الأمريكية معروفة بأنها سياسة براغماتية مبنية على الواقعية السياسية , أكثر مما هي مبنية على أسس ثابتة ... ويُستفاد من النظام الإيراني في نقطتين : النقطة الأولى هي نظام قومي إيراني يتعارض جوهرياً مع المشروع القومي العربي !! , وكونه نظاماً طائفياً ومذهبياً , وفي الحقيقة لا ينسجم مع التركيبة العامة في العالم الإسلامي !!) وهنا أذكر أن هذا اللقاء مع الشيخ حسين المؤيد كان في عام 2008 بمعنى أنه كان قبل أن يشهد العام 2013 الاتفاق الذي وقعه في جنيف ممثلو الدول الخمس الكبرى والاتحاد الأوروبي مع إيران في أعقاب ما كان يظنه الكثير وكأنها كانت قطيعة على مدار أربعة وثلاثين سنة بين إيران وأمريكا !! وقبل أن يشهد العام 2013 المكالمة الهاتفية الحميمة بين الشيطان الأكبر – أمريكا – والولي الفقيه – روحاني - !! وهو ما سأتحدث عنه ببعض التفصيل في مقالة قادمة بإذن الله تعالى , ثم يقول الشيخ حسين المؤيد عبر هذا اللقاء : (... وبالتالي فإن الوجود الأمريكي يساعد في فتح المجال أمام هذا النوع من التغلغل المخابراتي الإسرائيلي , وهناك معطيات ومعلومات مؤكدة عن وجود إسرائيلي ليس في شمال العراق فقط , وإنما في العاصمة العراقية بغداد أيضاً !!!) , وهو ما يؤكد ما قلته في المقالة السابقة حيث نبهّت أن (التقية السياسية الإيرانية) قد تدفع إيران للالتقاء في موقف مشترك من المصالح ليس مع الفيل الأمريكي فقط , وليس مع الدب الروسي فقط , بل قد تدفعها هذه (التقية السياسية) للالتقاء مع البقرة الصهيونية , وهذا ما حدث خلال الحرب (الإيرانية – العراقية) , وهذا ما نستنتجه من قول الشيخ حسين المؤيد , فإذا كان هناك تقاسم أدوار ومصالح وسيطرة بين إيران والفيل الأمريكي في العراق , وإذا كان هناك ما يؤكد وجود البقرة الصهيونية من خلال الموساد الإسرائيلي في شمال العراق وفي بغداد , فهذا يعني كل شيء !! ويؤكد وجود انسجام مبطن بين التغلغل الإيراني وتغلغل البقرة الصهيونية في العراق !! وهنا قد يُطرح السؤال التقليدي المتداول في هذه الأيام وهو ماذا عن التهديد الصهيوني بضرب إيران لمنع وصولها إلى القدرة العسكرية النووية ؟! وحول هذا السؤال لدي مجموعة ملاحظات ومن أهمها ما يلي :

1.                   لا يعني وجود التهديد الصهيوني لضرب إيران أن تتحول إيران تلقائياً إلى دولة ممانعة ومقاومة وحليفة لقضايانا في كل أبعادها الإسلامي والعربي والفلسطيني , بدليل أنها تعلن اليوم حرباً على الربيع العربي , والتقت بالأمس القريب مع أمريكا لاحتلال أفغانستان والعراق , ثم لو افترضنا أن هناك تهديداً صهيونياً لضرب الصين فهل ستتحول الصين تلقائياً في حساباتنا إلى دولة ممانعة ومقاومة , مع تأكيدنا سلفاً على رفضنا توجيه مثل هذه الضربة إلى إيران .

2.                   ما أظنه أن البقرة الصهيونية تهدف من خلال مواصلة تكرار التهديد بضرب إيران بالأمس واليوم وغداً وكأنها على وشك أن تضرب إيران إلى ابتزاز أكبر قدر ممكن من السلاح النوعي الأمريكي على أساس فرض معادلة مفادها أن القائمين على هذا التهديد الصهيوني على استعداد أن يتنازلوا عن هذا التهديد مقابل إعطاء المؤسسة الإسرائيلية أكبر قدر ممكن من السلاح النوعي الأمريكي , ولذلك فقد بات معروفاً أن السلاح النوعي الأمريكي الذي أعطاه (أوباما) للمؤسسة الإسرائيلية لم يعطه أي رئيس أمريكي من قبل , فهو تهديد بهدف الابتزاز .

3.                   وما أظنه كذلك أن القائمين على هذا التهديد الصهيوني بضرب إيران يهدفون من وراء ذلك إلى إشاعة الرعب في المحيط العربي القريب من إيران من أجل إحداث اختراق صهيوني في العمق العربي , وهو ما بتنا نسمع عنه في هذه الأيام حيث بدأت ترشح معلومات مصورة عن وجود لقاءات بين عناصر من المؤسسة الإسرائيلية ووفود عربية مختلفة ما كانت قبل ذلك .

4.                   ومع ذلك أنا شخصياً لا ألغي فرضية أن تقوم المؤسسة الإسرائيلية بتوجيه ضربة لإيران , لأن المؤسسة الإسرائيلية لا تزال تتبنى سياسة الاستفراد لوحدها بامتلاك قوة نووية عسكرية في المنطقة , وترفض أن يشاركها حتى حلفاؤها بامتلاك هذه القوة النووية العسكرية , وكذلك فإن المؤسسة الإسرائيلية تريد لنفسها أن تبقى هي الوكيل الوحيد للحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة وترفض أن تكون إيران منافساً لها في هذا الدور , سيما إذا امتلكت إيران القدرة العسكرية النووية التي قد تؤهلها للقيام بدور وكيل ثان للمصالح الغربية في المنطقة !! .

5.                   أنا أظن أن المؤسسة الإسرائيلية تخاف إذا ما امتلكت إيران القدرة النووية العسكرية أن تنهار نظرية الأمن الداخلي في المجتمع الإسرائيلي , وأن يؤدي ذلك إلى هجرة معاكسة بنسبة عالية من المجتمع الإسرائيلي إلى كل من القارة الأوروبية والأمريكية .

 

لكل ذلك فأنا أشعر اليوم وكأن هناك تقاسماً جديداً للأمة المسلمة والعالم العربي , فبعد أن وقع التقاسم الأول بين كل من بريطانيا وفرنسا بما عُرف يومها باتفاق (سايكس بيكو) , وكأن هناك محاولة اليوم لتقاسم ثان بين كل من الفيل الأمريكي والدب الروسي والبقرة الصهيونية والربيع الإيراني , ويبدو أن ما لم يكن في حساباتهم هو ميلاد الربيع العربي , وبالذات كون هذا الربيع بات يُفرز مشروعاً إسلامياً حضارياً في كل مرحلة انتخابية عاشتها مواقع هذا الربيع العربي , وهذا ما أشعر كل هذه القوى المستكبرة في الأرض بما في ذلك الربيع الإيراني أن أطماعها المشتركة باتت في خطر ما لم تتعاون سوياً على إجهاض (الربيع العربي) !! حتى العجوز أوروبا باتت تصرخ في الأيام الأخيرة بكل جرأة معلنة أنها تفضل بقاء الإرهابي بشار في سوريا  على صعود التيار الإسلامي واستلامه مقاليد السلطة في سوريا , حتى عن طريق الانتخابات الحرة والسرية والنزيهة والشفافة !! ويبدو أن كل هذه القوى المستكبرة في العالم بما في ذلك أوروبا العجوز بدأت تكفر بأية ديمقراطية تفرز مشروعاً حضارياً إسلامياً !! .

 

- الربيع الإيراني والربيع العربي  (1)

- الربيع الإيراني والربيع العربي (2)

- الربيع الإيراني و الإسلاميون (3)

- الربيع الإيراني والنزيف العراقي (4)

- الربيع الإيراني والجرح الفلسطيني (5)

:: البيان تنشر ملف خاص بعنوان (( قضية فلسطين.. والصراع على القدس))

 

أعلى