"عبد الحليم عويس".. تاريخ من العلم و الإيمان


"قليلون هم أولئك الذين ارتفعت هممهم لمعالي الخلود بمواقفهم، فطرقوا أبوابه حتى دخلوا، وبقيت كلماتهم بعد رحيلهم حيةً نابضة تحدّد موقفًا، وتشكّل ضغطًا، وتوضّح فكرة، وتهدي حائرًا، وتسوق دليلاً، وتؤرق مضاجع الظالمين".

بهذه الكلمات تحدث الدكتور إبراهيم أبو محمد، المفتي العام بالقارة الأسترالية؛ وذلك بعد أن ودَّعَت الأمة الإسلامية عالمها الجليل ومفكرها البارز ومؤرخها الأستاذ الدكتور "عبد الحليم عويس"، والذي وافته المنية بعد جهاد طويل، وحياة حفلت بالدعوة والنشاط، خارجيًّا وداخليًّا، كتابةً وبحثًا ومحاضرةً، متنقلاً بين مختلف دول العالم الإسلامي وغيره.

فلقد لقي المؤرخ الفقهي الدكتور "عبد الحليم عويس" ربّه -بعد مُعاناة مع أمراض يوسف والي المسرطنة، صابرًا محتسبًا- فجر السبت الخامس عشر من المحرم لهذا العام، والموافق للعاشر من ديسمبر 2011م، وذلك بعد رحلة دعوية استمرت زهاء الثامنة والستين عامًا.

وانطلاقًا من رفعة قدر الرجل –رحمه الله- توالت الكلمات والبرقيات من مختلف دول ومنظمات العالم الإسلامي، وتجددت المشاعر الجياشة التي ارتبطت بالراحل الكريم، من خلال رحلته العريضة المعطاءة.

فأكد الأستاذ الدكتور حسن الشافعي مستشار شيخ الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أنه والدكتور "عبد الحليم عويس" تواصلوا معًا منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي، وكان طالبًا نجيبًا واعدًا في كلية دار العلوم التي تخرج منها، ثم انطلق بعد ذلك في الحياة الإسلامية في مصر، رغم أن الظروف في تلك الفترة لم تكن بالتي تسمح بالنشاط الإسلامي، ولكنه انطلق يعمل بلا هوادة.

واتخذ - رحمه الله - في سبيل جهاده العلمي وسائل عدة، منها: وسيلة البحث العلمي؛ فاستكمل تكوينه العلمي، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية، واشتغل في العديد من الجامعات المصرية والعربية. ولم تكن دروسه دروسًا تاريخية تقليدية، ولكنها كانت تركز على حضارة الإسلام، والنظم الإسلامية، مع مقارنة علمية بينها وبين غيرها من النظم والحضارات حتى يصبح علم التاريخ -كما هو في الحقيقة- دروسًا تربوية أكثر منه تسجيلاً لوقائع الماضي.

كما اتخذ فضيلته الدعوة الدينية كوسيلة ثانية؛ فقد كان ابنًا لدار العلوم التي ارتبط تألقها بتاريخ الدعوة الإسلامية، فهي ابنة الأزهر وربيبته، وكانت حاملة للدعوة الإسلامية، وكان لها نصيب راجح منها. وهو- عالمًا أو متعلمًا- لم يكن يبغي من وراء ذلك شهرة ولا نجومية، ولا كان يدعو إلى نفسه، وإن كان دوره المشهور ومقامه في تاريخ هذه الدعوة قد أعطاه حقه وأناله ما يستحق، ولولا غيابه لسنوات ليست بالقصيرة عن مصر لكان له شأن آخر.

ويشير الدكتور الشافعي إلى الوسيلة الثالثة التي استخدمها الدكتور "عويس" في جهاده الدعوي والعلمي؛ فيقول: "وكان يستخدم النضال الصحفي؛ لأنه يعلم أن التعليم يخاطب فئة محدودة، وأن التأليف يخاطب طلبة من الصفوة، ولكنه كان يتخذ المقال الصحفي وسيلةً لهذا الذي كلف به نفسه واختاره واجبًا عليه، وأعد له العدة من قبل، فظهرت آثار قلمه في العديد من الصحف والمجلات داخل مصر وخارجها.

ولم يكتفِ شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بتلك الكلمة التي ألقاها نيابة عنه الدكتور الشافعي وإنما أصدر بيانًا للأمة الإسلامية، نعى فيه الدكتور "عبد الحليم عويس"، وتقدم بخالص العزاء لوفاة العالم الجليل الذي له في خدمة الإسلام والدعوة الإسلامية الشيء الكثير من محاضرات وكتب ومؤلفات ومقالات وأبحاث..

وذكر أن الدكتور "عويس" كانت له آراؤه الحرة في أهمية تحقيق الديمقراطية، والحرية، واهتمام الإسلام بهذه المفاهيم، وطالما عارض النظام السابق، ووقف حائطًا صلبًا بين أمن الدولة وبعض الطلاب الوافدين.

عالم موسوعي

وفي بيانٍ أصدره فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نعى فيه فقد الأمة الإسلامية لهذا العالم الموسوعي؛ جاء فيه: "فقدت الأمة المصرية العالِمَ المعروف والداعية والمؤرخ والمفكر الدكتور "عبد الحليم عويس"، ابن المدرسة الوسطية الإسلامية، وصاحب المؤلفات العلمية النافعة، وتلميذ الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وأحد أعضاء الاتحاد"، وأضاف الشيخ القرضاوي: "عرفتُ الدكتور "عبد الحليم عويس" منذ مدة طويلة من الزمن، وانعقدت بيني وبينه مودة عميقة، وعرفته أكثر في ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر؛ حيث كان أحد الناشطين الفاعلين في هذه الملتقيات، بما يلقيه من محاضرات، وبما يقدمه من مقترحات، وبما يشارك فيه من المنتديات".

ويذكر القرضاوي في بيانه كيف أنه زاره في بيته بالقاهرة، وذلك منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، فقال: عندما أُخبرت بمرضه، سارعت إليه، وفرح بي جدًّا، وانفرجت أساريره، ووجدت عنده مجموعة كبيرة من الطلبة المسلمين، من آسيا وإفريقيا وأوروبا وغيرها، يزورونه ويطمئنون عليه، ويستمعون إليه وإلى جلسائه من العلماء، وبقيت معهم عدة ساعات ثم انصرفت"، ويقول: "وحين كنت أجري عملية جراحية بالرياض منذ سنتين، وكان الدكتور "عبد الحليم عويس" بالمملكة مشاركًا في مؤتمر، زارني وهو يتحامل على مرافقيه، حتى أشفقت عليه، وأنا على سرير المرض".

وأضاف "لقد فقدتْ الأمّة الإسلامية واحدًا من علمائها ومفكريها، يقول الحق، ولا يخاف لومة لائم، ويجتهد في خدمة دينه وأمّته، بالعمل الأكاديمي، والتدريس الجامعي، وتأليف الكتب والرسائل، وإلقاء المحاضرات، نسأل الله أن يتغمده برحمته، وأن يُعلي درجاته، ويُسكنه الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

ومن جهته تقدم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، بخالص العزاء، في وفاة المؤرخ والمفكر الإسلامي الدكتور "عبد الحليم عويس"، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، ودعا الله في بيانه للفقيد بأن يتقبل جهاده في سبيله، وفي خدمة دعوة الإسلام، وأن يسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويلهم أهله الصبر والسلوان.

وأشار الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن ساحة الدعوة الإسلامية قد فقدت واحدًا من أهم الدعاة المخلصين، والمفكرين الإسلاميين، الذين جاهدوا بفكرهم وقلمهم ودعوتهم في الساحة الإسلامية محليًّا وعالميًّا.

كما كانت له إسهاماته الكثيرة في المؤتمرات المحلية والعالمية داخل مصر وخارجها، وقد صحبته في كثير من المؤتمرات في المملكة العربية السعودية، وفي السودان، وفي غيرهما من دول العالم العربي والإسلامي، فكان نِعْم العالِم ونِعْم الداعية الذي يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ويشير الدكتور هاشم إلى إسهامات الراحل الكريم في الدعوة بقلمه، فيقول: قدم الفقيد –رحمه الله- للمكتبة الإسلامية مجموعة من الكتب التي تشهد له بغيرته على دينه، وحبّه للدعوة الإسلامية، ودفاعه عن الإسلام، كما كانت له بحوث علمية ضافية، ومقالات دينية بليغة في كثير من الصحف والمجلات.

وعن إسهامه بسلوكه، يتحدث الدكتور عمر هاشم، ويؤكد أنه كان محبًّا لكل من يعرفه، ولكل الناس؛ لما عُرف عنه من دماثة الخلق، والنبل والتواضع، ولقد صحبته في كثير من المؤتمرات واللقاءات الدولية في خارج الوطن، فكان العالم المشرف والداعية المستنير.

ويستشهد هاشم بآخر لقاء جمع بينه وبين الدكتور عويس وكان ذلك في السودان الشقيق  -عندما كرَّمته جمهورية السودان بمنحه الوسام الذهبي والدكتوراه الفخرية-، فيقول: كانت لنا لقاءات وندوات بهذه المناسبة التي برهنت على حب السودان لمصر، وتقديرها لعلماء مصر، وتقديرها لهذا العالم الجليل والداعية المجاهد الذي نافح عن الإسلام، وطوّف في كثير من الدول للدعوة إلى الله.

وتوجه هاشم في كلمته إلى جموع الأمة؛ قائلاً: ونحن إذ نودع هذا العالم العَلَم المخلص لدينه ولأمته، نودع ركنًا من أركان العلم والدعوة في أمتنا العربية والإسلامية التي فقدت بفقده أحد فرسان الدعوة الكرام، ونذكر بهذا قول رسولنا صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الصدور، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبْقَ عالمٌ اتخذ الناس رءوسًا جُهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» [رواه البخاري].

كما دعا له الدكتور محمد بديع بقلب خاشع لله العلي أن يتقبل جهاده في سبيله وفي خدمة دعوة الإسلام. ووصفه الدكتور عمر هاشم بأنه كان هو التواضع الجمّ، والأدب العالي، والذوق الرفيع، إلى جانب علمه الغزير وثقافته المتبحرة.

وفي سياق استذكار محاسنه و إنجازاته يقول فضيلة الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق، رحل عنا عالم جليل، كان من العلماء الأجلاء الذين خدموا الإسلام بالداخل والخارج بالحكمة والموعظة، ودعا إلى الله بقلب سليم، فهو من قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [أخرجه مسلم].

ونأمل إن شاء الله أن الثلاثة قد خلّفها لنا هذا العالم الجليل، فلقد ترك تراثًا علميًّا في كل ما يفيد الإسلام والمسلمين، وصدقةٌ طالت سماء الأرض من هنا في قلب القاهرة إلى قرية سندسيس بالمحلة الكبرى في محافظة الغربية، فضلاً عن الولد الصالح الذين نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا.

وأشار الأستاذ الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، ورئيس تحرير مجلة «الأزهر» إلى أن الدكتور "عويس" قد جاب مشارق الأرض ومغاربها، وطوّف في كثير من ميادين العلوم والفنون، -علوم العقيدة والشريعة والحضارة-، وجمع بين الأصالة وبين المعاصرة والتجديد، وكان حارسًا يقظًا وواعيًا لثغور الإسلام التي وهبها الكثير من طاقاته وملكاته وإمكاناته؛ فعاش مدافعًا بإخلاص عن حِمَى الإسلام وبيضة هذه الثغور.

ويشير إلى أنه -رحمه الله- كان قريبًا من الشيخ الغزالي –رحمه الله- عقلاً وقلبًا؛ فمثّل فرعًا من شجرته الزكية الوارفة الظلال. فتجاوز عطاؤه الفكري والثقافي حدود التدريس الذي كان مهنته الأولى؛ فترك آثارًا طيبة في ميدان التأليف للكتب النافعة، فضلاً عن حضوره الملحوظ في المجلات الفكرية الرصينة التي نشرت له مئات الدراسات والمقالات، مع إسهامات غنية في تحرير الموسوعات الفكرية الإسلامية؛ ناهيك عن المحاضرات والندوات والمؤتمرات في وطن العروبة، وعالم الإسلام، والغرب أيضًا.

وبخلاف هذا العطاء العلمي والفكري والثقافي، فقد ترك الدكتور "عبد الحليم عويس" علاقات أخوية وصداقات طيبة ستظل عارفة لفضله وأخوته، داعيةً له بالرحمة والمغفرة والقبول الحسن عند خالقه سبحانه وتعالى.

ومن البرقيات التي جاءتنا في هذا الصدد، برقية من الشيخ محمد فتح الله كولن الداعية التركي المعروف، ورد فيها: "لقد تلقيت ببالغ الحزن والأسى نبأ رحيل أخي العالم العامل الفاضل الأستاذ الدكتور -من كُتاب مجلة «حراء»- عبد الحليم عويس من دار الفناء إلى دار البقاء..وإني إذ أُعزي أهله وإخوانه وزملاءه ومُحبيه بخالص عزائي ومواساتي، أسأل المولى القدير أن يتغمد فقيدنا وفقيد الأمة بواسع رحمته، وأن يؤنس وحشته، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

ويلفت الأستاذ الدكتور محمد أبو ليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر إلى أن الدكتور عويس كان أخًا في وقت كان فيه الإخاء في الدنيا عزيز، وصديقًا في وقت ندر فيه الصدق بين الناس، وإن كان ولا بد أن يرثي أحدنا الآخر فكنت أنت المرثي، وها أنا ذا أستجمع نفسي اليوم وأكفكف عبراتي، وألملم أفكاري لأرثيك أخًا وعالمًا وصاحب رسالة بكلمات من دموع ساخنات، وآهات كظيمات تتنفس الأحزان وتلفح الوجدان، وتثير أجمل الذكريات، وتستعرض المواقف التي مرت بنا، ونحن نتبادل الآراء والأفكار فيما يواجه أمتنا العربية والإسلامية من تحديات ونكبات وتداعيات.

لقد مضت على علاقتنا نحو الثلاثين عامًا منذ التقينا، يمثل كل عام فيها حلقة فريدة متواصلة من العلم والرأي والمشورة، لقد سافرت عدة سفرات مع الأستاذ الدكتور "عبد الحليم عويس"، وتشاركنا معًا في عدة مؤتمرات، وحلقات نقاشية في مصر وتركيا وبلجيكا، وأخيرًا السودان؛ حيث كرمته الحكومة السودانية بمنحه وسام النجمة الذهبية، وهو أكبر وسام تمنحه دولة السودان، وقد تحدثت عنه -رحمه الله- في جامعة أم درمان الإسلامية في حفل منحته فيه الدكتوراه الفخرية؛ تقديرًا لجهوده في الدعوة والعمل الإسلامي.

ويقول الدكتور أبو ليلة: ولقد سعدت كثيرًا عندما تحدثت عن فكر الدكتور عبد الحليم عويس، وسيرته العلمية التي أهَّلته لأن تمنحه الجامعة الدولية بأمريكا اللاتينية الدكتوراه الفخرية.

ويزيد أبو ليلة، فيقول: إن الدكتور "عبد الحليم عويس" مفكر رصين، وكاتب مبدع، وفقيه بسيرة الحضارة ولديه إلمام واسع بأسرار التاريخ الإسلامي، والتاريخ المعاصر، وكانت لديه مهارة خاصة في التعرف على المنحنيات والمواقع المظلمة في تاريخ المسلمين، وفي التعرف على مواطن التزييف للتاريخ الإسلامي القديم والمعاصر.

وأخيرًا يختم حديثه؛ قائلاً: إن مصاب مصر والعالم العربي والإسلامي فادح في فقد العالم الجليل "عبد الحليم عويس"، وليس عن فقده عِوَض إلا ما ترك من علم وأعمال صالحة نعرفها ونقدّرها له، وما ترك من ولد صالح وإخوة علماء كبار وتلامذة مُحبّون يدعون له بالرحمة الواسعة والرضا والرضوان.

وإن كان ما سبق هو رأي الأعلام في الفقه والتاريخ والسير والفكر الإسلام؛ فلم يختلف معهم حول "عبد الحليم عويس" رأي الدبلوماسيين.. حيث إن سعادة السفير الدكتور عبد الله الأشعل المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية؛ قد أشار إلى أن علاقته بالعالم الجليل بدأت منذ ثلاثين عامًا عندما كان يعمل في القنصلية السعودية، فكان رحمه الله جسرًا مهمًّا للتواصل بين المملكة ومصر، وكان وجهًا مشرّفًا للجالية المصرية، وكان له تميز ملحوظ في جامعة الإمام محمد بن سعود؛ الأمر الذي مكَّنه من أن يخدم الكثيرين وقتها، فكان سندًا مهمًّا لجميع المصريين المقيمين؛ لكونه مستشارًا لوزير الحج.

 وأضاف الأشعل: عرفت فيه مفكرًا دقيقًا وسمحًا، يعكس سماحة الإسلام، لذلك فهو مفكر من طراز نادر لا بد أن نشعر بفقده، فلقد رحل في وقت كنا في أمسّ الحاجة إليه، والذي يعوضنا هو ما تركه من مبادئ ودراسات وخصوصًا في التاريخ الإسلامي، لاسيما أن هذا الزمان يعجّ بكثير من الأطروحات المعادية للإسلام، فرحم الله من كان يناضل في ردّ هذه الآراء الفاسدة.

كما نعاه الأستاذ الدكتور جابر قميحة الشاعر والأديب المصري، واصفًا إياه بأنه عَلم من أعلام الإسلام، وقد عرفته منذ عشرات السنين، وزاملته في رابطة الأدب الإسلامي، فكان نشيطًا في نصرة الحق، صبورًا يتحمل ثقل المرض بينه وبين نفسه، فلم يمنعه المرض من الحفاظ على الانتصار للإسلام في مصر وتركيا والمغرب العربي وفي الهند، وفي أقطار شتى.

كما أرسل الداعية الإسلامي الشيخ محمد حسان، برقية عزاء من على سرير المرض؛ ذكر فيها: أنه تألم كثيرًا بوفاة العالم الثبت والمؤرخ الفقيه، الفاقه بحركة التاريخ؛ لأنه كان رحمه الله مثالاً للعالم الراسخ يشهد له ما خلّفه من تراث علمي جمع بين الدقة والفهم، بوصفهم العنصريين اللذين يقاس بهما علم العلماء، فلا خير في علم دون دقة ولا تثبّت، ولا في علم دقيق دون فهم يقوده لتطبيق سليم.

وأضاف: إن أكثر ما ميّز العلم الراحل قدرته على تحليل التاريخ تحليلاً علميًّا يقدر على إنارة الحاضر وصناعة مستقبل مشرق لتلك الأمة؛ إنْ هي أحسنت قراءته والإفادة منه.

وصرح فضيلة الدكتور صفوت حجازي الداعية الإسلامي بأن «الرجل الصالح يترك أثرًا أينما حلَّ، فانظروا آثاركم تحكي أحوالكم»، فهذا شيخنا وأستاذنا الدكتور "عبد الحليم عويس" ترك آثارًا تحكي أحواله، وما رأينا منه إلا آثارًا صالحة في كل ركن من أركان المعمورة؛ تحكي أحواله رجل نحسبه من الصالحين، ولا نزكيه على الله.

لقد ظل - رحمة الله - متكئًا على عصا علمه وجهده وجهاده حتى آن للفارس أن يستريح.. فنسأل الله أن يخلف علينا خيرًا منه، ويرزقه خيرًا منا، وأن يجعل آخرته خيرًا من دنياه..

كما أصدر الداعية الإسلامي الدكتور عمرو خالد بيانًا أكد فيه على أنه قد توفي رجل عظيم من علماء الأمة الإسلامية، بل من علماء البشرية جمعاء، وأضاف -كشهادة لله-؛ قائلاً: "أشهد الله أنني رأيت منه علمًا وخُلقًا، وإخلاصًا لله، ونصرة للإسلام، وفهمًا وفقهًا ووعيًا وانفتاحًا كبيرًا وصدقًا لم أره في أحد غيره" .. ويقول أيضًا: "وأشهد الله أنك لو عاصرته لأعطاك علمًا وبذل معك جهدًا لا تجده عند كثيرين".

أعلى