ملوك التكنولوجيا في مواجهة الدولة القومية

تتمتع شركات التقنية بعناصر قوة تمكنها من تحقيق نفوذ جيوسياسي و ثروة مادية ضخمة، لسبب مهم جداً وهو أن الناس يعيشون أوقات طويلة في هذا الفضاء الغير ملتزم بحدود الجغرافيا وقيود الدولة القومية


تتعرض فكرة الدولة القومية المتعارف عليها والتي صاغتها الهوية السياسية والحدود الديمغرافية لحالة من الهرسلة هي الأخطر منذ إعادة تشكل الخارطة السياسية للعالم بعد الحرب العالمية الثانية، التي أفرزت وجود "مشروع مرشال" لإعادة تخطيط الهوية الأوروبية وفقاً للطريقة الرأسمالية الأمريكية. نحن هنا لا نحاول الخوض في تفاصيل عمليات "الهسبرة" المنظمة التي ينفذها برنامج بيغاسوس الشهير المملوك لشركة "إن اس أو" الصهيونية، أو شبكات الاحتيال السيبرانية مثل " REvil" الروسية التي ألقت السلطات على عناصرها وبحوزتهم 426 مليون روبل روسي سرقت من شركات أمريكية، بل نخوض في محاولة لفهم المتغيرات الطارئة على مفهوم الدولة القومية وخضوعها أمام قوة "ملوك التقنية" في العالم، ففي يناير 2020 تعرض مبنى الكابيتول الأمريكي لهجوم من قبل محتجين إثر تضخم النزاع السياسي بين المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري دونالد ترامب، والمرشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي، جو بايدن، تعقيباً على هذا الحدث قال، الصحفي الأمريكي آرلوثر لي،" مراجعة التقارير المنشورة تبين أن منشورات التواصل الاجتماعي ونظريات المؤامرة والخطابات النارية التي يغطيها الاستقطاب الحزبي خلقت واحدة من أسوء الحوادث في التاريخ الأمريكي".

تأثير شركات التقنية ممثلة بوسائل التواصل الاجتماعي لم يكن فقط مقتصراً على تأجيج الأحداث بل أيضاً أصبحت فاعلاً في تحديد مسارها، وهذا الأمر جسده قيام شركات مثل آبل و أمازون وجوجل وتويتر بتعليق حساب الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، بل وأقدمت شركات مثل PayPal  على رفض معالجة المعاملات المالية الخاصة بحملته الانتخابية. في دراسة نشرتها مجموعة الأزمات الدولية قالت "إن سرعة استجابة شركات التكنولوجيا الأمريكية لمنع تضخم الأحداث كانت أسرع بكثير من مؤسسات الحكومة الأمريكية"، وهو أمر بقدر ما يثير الإعجاب بتأثير التقنية على الهوية السياسية للدولة القومية إلا أنه يشير إلى وجود صراع متضخم بشأن إمتلاك هذه القوة الغير متناهية في حجمها وحدودها بين النظام السياسي ومجتمع المال الملك لشركات التقنية، وهذا الأمر ما حدث فعلاً في الصين، عقب الإختفاء المفاجئ للملياردير الصيني، جاك ما، مالك شركة علي بابا الشهيرة، فبعد أن أصبح من عمالقة التسويق الإلكتروني على مستوى العالم، بحصة بلغت 800 مليون متسوق، اتجه الرجل لإختراق القطاع النقدي الصيني عبر تأسيس شركة " Ant Group"، وقد توج أعمال المجموعة بإطلاق إكتتاب عام في 2020 في بورصة شنغهاي نجح خلاله بجمع 37 مليار دولار، وخلال تدشين الإكتتاب وجه إنتقادات لاذعة للقطاع المصرفي الصيني واتهمته بــ" العمل بعقلية مكاتب الرهانات" .

هذه الخطوة أغضبت السلطات الصينية وترجمت باستدعاء، جاك ما، واختفاءه لعدة أشهر وهبوط كبير في أسهم المجموعة التي أراد من وراء تأسيسها الإنقلاب على القطاع المصرفي الصيني والتوجه بقوة إلى رقمنة الأعمال المصرفية، ففي أوائل عام 2010 وفقاً لمجلة "دبلوميت" Alipay  أصبحت أضخم شركة دفع عبر الهاتف في العالم، ولكون الخدمة المقدمة خدمة تقنية لا تخضع لأحكام المصارف التي يطبقها البنك المركزي الصيني ولا يمتلك البنك القدرة على التدقيق في الاحتياطات النقدية من اليوان الصيني فإن السلطات تذرعت بقلقها من إمكانية تلاعب الشركة باحتياطاتها الحقيقية، وبغض النظر عن الهجوم الرسمي الصيني على شركة "جاك ما" والذرائع التي قد توضع في وجه هيمنته على القطاع المصرفي الصيني، فإن السبب الحقيقي وراء هذه الأزمة ما تحدثنا عنه سلفاً وهو أن شركة علي بابا غير مملوكة للحكومة الصينية وعرضها للإكتتاب يجعلها نافذة سهلة لدخول المستثمرين الأجانب للإقتصاد الصيني وبالتالي سينعكس ذلك على آليات تشغيل الشركة وهذا الأمر يخيف ويقلق السلطة الصينية، لذلك ذهبت إلى تحجيم طموحات مجموعة علي بابا ووضعت أمامها حدود سياسية أكثر من كونها حدود قانونية.

خلال المئات من السنين مثلت سلطة الدولة القانون والسيادة والفاعلية في الأمن والإقتصاد إلا أن العقدين الآخرين أصبحت هوية الدولة القومية مهددة وبدأت شركات التكنولوجيا الضخمة تحصل على نفوذ جيوسياسي نظير تأثيرها، وبقدر ما اعتدنا على مسميات مختلفة لتصنيف العلوم السياسية إلا أننا اليوم أمام حالة استثنائية من الناحية البحثية والأكاديمية، فقد تشكلت دول وفقاً لأطر إبتدعتها القوة الأمنية والإقتصادية وتأثيرات الجغرافيا، لكن حالياً أصبحت التكنولوجيا مؤثر فعلي في تشكيل النظم السياسية في الدولة القومية، وأضحت مقومات هذه الشركات جزء من الأمن القومي والإقتصادي والتنموي للدول، لذلك في يوليو 2015 تبنت الحكومة الصهيونية مشروع "سايبر" يضمن إشراك مجتمع التقنية بكافة مكونات التعليمية والخاصة ضمن المنظومة الأمنية لإعتبارات تتعلق بمواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي الصهيوني، ويتضمن هذا المجتمع  (الحوسبة، والشبكات، والأنظمة الإلكترونية، والواقع الافتراضي)، وسبق هذه الخطوة أن قام الجيش الصهيوني بتشكيل وحدة مختصة في الجيش تتبع للإستخبارات العسكرية تخضع للإشراف المباشر من رئيس هيئة الأركان، وأطلق عليها الوحدة (8200)، وربما يمكن تفسير الخطوة الصهيونية بدمج هذا التحالف في سياق رسمي لإعتبارات تتعلق بإستثماره في الصدام مع المحيط واستثماره لصالح المنظومة الأمنية وهي خطوة ترجمها برنامج التجسس الشهير "بيغاسوس"، لكن هذا لا ينفي وجود قطاع خاص ضخم وقوي في الكيان الصهيوني له امتدادات عالمية.

تتمتع شركات التقنية بعناصر قوة تمكنها من تحقيق نفوذ جيوسياسي و ثروة مادية ضخمة، لسبب مهم جداً وهو أن الناس يعيشون أوقات طويلة في هذا الفضاء الغير ملتزم بحدود الجغرافيا وقيود الدولة القومية، لذلك نجد الكثير من السياسيين يذهبون إلى هذا الفضاء للبحث عن مكانتهم وتأكيد حضورهم بين الجماهير، ففي 21 يناير أعلنت شركة فيسبوك أنها أغلقت 41 حساباً و133 صفحة يتابعها 1.7 مليون شخص كانت تنظم حملات ترويجية ممولة في ليبيا إنطلاقاً من تركيا لصالح أشخاص مرتبطين بجماعات إسلامية، وهذا الأمر يشير إلى أن شركات التقنية عبر الخدمات التي تقدمها لا تقدم فقط الرفاهية والتأثير في سلوك الأفراد ومنازعة الدولة القومية في سلطتها بل أيضاً تساهم بصورة كبيرة في تعديل سلوك المواطنين وتشكيل وعيهم. وبالإضافة إلى النشاط التقني في مجال الألعاب والتواصل الاجتماعي والإعلام وصناعة الأسواق الرقمية فإن شركات التكنولوجيا أصبحت تستحوذ على مساحة ضخمة في خدمات الرعاية الصحية وتطوير المركبات ذاتية القيادة وخدمات التخزين السحابي والاستحواذ على قواعد البيانات. وفي الولايات المتحدة يعد هذا النوع من الشركات الأكثر استحواذاً على المقاولات الدفاعية فأثناء مهاجمة مجموعة من الهكر الروس لخوادم حكومية أمريكية وشركات خاصة عام 2020 كانت شركة مايكروسوفت هي التي كشفت الإختراق وليس وكالات الأمن القومي.

تحاول الكثير من الدول التصدي لهيمنة شركات التقنية وإحتوائها عبر قوانين وأنظمة لتنظيم الوصول لبيانات المستخدمين لكنها تتجه غالباً لخطوات تصالحية مع هذه الشركات، فمع إقدام الكثير من الحكومات على الإنتقال إلى الرقمنة واستثمار التقنية في تقديم الخدمات لمواطنيها تصبح تلقائياً أسيرة لهذه الشركات التي تستضيف خدماتها، لذلك ينبغي تحديد مجموعة قيم توافقية مابين عولمة شركات التقنية والهوية القومية للدول، فعلى سبيل المثال حينما بدات شركة أمازون بالإستحواذ على موقع "سوق" الشهير أظهرت إلتزاماً بالأنظمة والتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية السعودية.

لقد أصبحت شركات التقنية أذرع ضاربة للدول وليس فقط مجرد أدوات خدمية، ففي الولايات المتحدة تعتمد الحكومة الفدرالية على دور مايكروسوفت لضبط الفضاء الرقمي والتصدي للهجمات السيبرانية بينما تتنافس أمازون ومايكروسوفت على توفير البنية التحتية للحوسبة السحابية الحكومية فقد كان الرئيس التنفيذي لشركة أمازون، عضواً في لجنة الامن القومي للذكاء الإصطناعي الأمريكي، ومنذ إجتياح فيروس كورونا للعالم شكلت الأدوات التي وفرتها شركات التكنولوجيا اليد الضاربة للحكومات لضبط الحشود والسيطرة عليهم ومنع تفشي الفيروس، وكذلك سهولة تقديم الخدمات الصحية والتسوق عن بعد وفتحت مساراً لإستمرار الأعمال من المنازل واسهمت بشكل كبير في عدم انقطاع التلاميذ حول العالم عن دراستهم. كذلك لايجب أن نتجاهل أحد أبرز ظواهر التكنولوجيا في العصر الحديث وهو الرئيس التنفيذي لشركة "تسلا وسيبيس أكس"، رجل الاعمال الأمريكي أيلون ماسك، الذي أطلق مشروع "ستارلينك"  للهيمنة على فضاء الانترنت في العالم عبر إطلاق نحو 1800 قمر صناعي وهي أقمار مدارية قريبة من الأرض لتوفير خدمة انترنت مجانية لسكان العالم بدون مقابل، ورغم البعد الإنساني الذي يطغى على خطاب الترويج الإعلامي للمشروع إلا أن الخدمة ستقدم بمقابل مادي وستكون أيضاً مصدر جديد للتنافس بين شركات التكنولوجيا العملاقة في نزاعها من أجل الاستحواذ على بيانات العملاء، بالإضافة إلى مشروع سيارات "تسلا" ذاتية الحركة التي أصبحت قطاع اقتصادي هام في سوق السيارات على مستوى العالم. حالة التمرد التي يشكلها قطاع التقنية في مجالات مختلفة ومنها العملات الرقمية بقدر ما تشكل في ظاهرها الدور الإيجابي إلا أن إمتلاكها والسيطرة عليها يعزز سطوة العولمة بصورة مخيفة على حساب الدولة القومية ليس فقط فيما يتعلق بفقدان سيطرة البنوك الحكومية على جزء غير يسير من الاقتصاد المحلي بل أيضاً بالتأثير في الوعي السياسي والثقافي والاستحواذ على نفوذ داخل منظومة الأمن القومي للدولة، لذلك وجدنا أن الصراع بين الولايات المتحدة والصين زاد من تضخم قوة شركات التكنولوجيا بينما استمرت أوروبا تعيش أزمة الانغلاق وتحاول تحصين نفسها بقوانين حماية البيانات الشخصية هرباً من هذه التنافسية لسبب وحيد وهو عدم امتلاكها أدرع تكنولوجية ضخمة تنافس من خلالها. لقد أظهر الرئيس السلفادوري، نجيب بوكيلة، جرأة صادمة على المستوى العالم حينما أعلن تشريع عملة "بتكوين" في بلاده الذي يعاني من الجريمة المنظمة والعصابات وتجار المخدرات، بل وذهب خطوة إلى الأمام من خلال استثمار 120 مليون دولار لبناء "مدينة بتكوين" بهدف جذب المستثمرين فيها من كل أنحاء العالم، وبقدر ما فسرت هذه الخطوة على أنها مجازفة غير محسوبة العواقب، إلا أن الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة والأزمات السياسية والأمنية التي ساهمت بتشكيل بيئة عالمية متعددة الأقطاب وتغييب الولايات المتحدة عن دورها كشرطي لهذا العالم، ساهمت بشكل كبير في إضعاف الثقة في الدولار الأمريكي كاحتياطي نقدي عالمي بالإضافة إلى الفراغ الذي أشغلته العملات الرقمية في عالم الصيرفة لاسيما في ما يعرف بــ" الأسواق السوداء". لذلك نؤكد أن تضخم قوة شركات التكنولوجيا العملاقة يحد من قوة وتأثير السلطة المركزية في التصدي للتحديات العابرة للحدود لكنها وإن لم تستطع إمتلاك السيطرة على حدود انتشار واستخدام أدوات التقنية ستبقى لها السلطة في التأثير على ملاك هذه القطاعات.


أعلى